حسين مجدوبي
تبدي الدول الأوروبية والولايات المتحدة اهتماما بالإنتخابات التشريعية المغربية المرتقبة يوم 7 ايلول (سبتمبر) الجاري، ليس بغرض معرفة من سيتولي الحكومة المستقبلية، بل لرصد مدي حضور وتجذر الخطاب الإسلامي في المجتمع المغربي.
وبالتالي ينظر الي هذه الاستحقاقات بأنها إيديولوجية بامتياز بين العلمانيين من جهة والإسلاميين من جهة أخري. في الوقت نفسه، فالانتخابات ستتأثر بالتطورات الجارية في العالم وأبرزها الإنتخابات التركية التي جرت مؤخرا ومنحت الفوز لحزب العدالة والتنمية بزعامة رجب أردوغان وتأثير دخول دول افريقية مثل موريتانيا والسنغال نادي الدول الديمقراطية.
فالعامل الخارجي حاضر في الإنتخابات التشريعية المغربية المقبلة لأسباب متعددة: حضور المغرب في المنتديات الدولية وموقعه الجغرافي الحساس و حرب الإنفصال التي تعاني منها في الصحراء وتواجد جالية تقارب أربعة ملايين في الخارج وعلاقات غير متوازنة في أغلب الأوقات بين الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. النظام المغربي أو المؤسسة الملكية تواجه أكبر تحد، ويتجلي في إثبات شفافية الإنتخابات ودخول المغرب ما يمكن تصنيفه بـ مرحلة الديمقراطية بدل البقاء اللانهائي في الانتقال الديمقراطي الذي يختلف الكثيرون حوله، بين مؤيد لوجود هذا الانتقال وطرف آخر يري أن ديكتاتورية النظام القائم مستمرة وكل ما هناك واجهة توحي بوجود تعدد سياسي محدود. فحتي الأمس القريب كان المغرب يقدم نفسه أمام المنتظم الدولي وخاصة الغرب أنه من الديمقراطيات الناشئة والرائدة في العالم العربي والإفريقي التي غادرت خانة الدكتاتوريات العربية، لكن هذه الريادة الصورية أصبحت متجاوزة بسبب اقتحام دول عربية وافريقية الممارسة الديمقراطية الحقيقية. فشمالا، توجد اسبانيا التي شكلت ولسنوات نموذجا ديمقراطيا طالبت النخبة المغربية الإقتداء به، وجنوبا، توجد موريتانيا التي أصبحت في زمن قياسي الدولة العربية التي تتمتع بديمقراطية حقيقية صفق لها الغرب والعالم، وإفريقيا، تجاوزت عشرات الدول ومن ضمنها مالي والنيجر والسنغال المغرب في المسيرة الديمقراطية. كل هذا يحصل والملكية المغربية تعزز من نفوذها علي حساب صلاحيات الحكومة.
وعليه، فعلاقة بالماركيتنغ السياسي فـ ماركة المغرب الديمقراطي في إفريقيا والعالم العربي انتهت صلاحيتها ويجب الرهان علي ماركة جديدة تنبثق من صناديق الإقتراع ويعترف بها المراقبون الدوليون وستقاس ميدانيا وعمليا بمدي الصلاحيات التي ستتمتع بها الحكومة المقبلة في تسيير شؤون البلاد. فالمغرب أصبح محاصرا ديمقراطيا والحل يمر عبر الإنضمام إلي نادي الدول الديمقراطية الناشئة. ويبدو أن الملكية المغربية فقدت جزءا من هذه الصورة التي تحاول تسويقها للمنتظم الدولي، فخطاب العرش يوم 27 تموز (يوليو) الماضي وخطاب ثورة الملك والشعب يوم 21 آب (اغسطس) الماضي، شدد الملك محمد السادس علي تفادي التشكيك في نزاهة الانتخابات ووصف المتشككين بالعدميين، وكانت لهجته أقرب الي التهديد بالنسبة للمطالبين بالمقاطعة.
فالتأكد من نزاهة الانتخابات نتيجة يؤكدها الفاعلون والأحزاب السياسية والمراقبون الدوليون وليس التهديد الاستباقي. والمثير أن النظام المغربي متخوف من النسب المرتفعة للمقاطعة والامتناع، ولجأ يوم الجمعة الماضية الي استخدام المساجد لدعوة المواطنين الي التصويت. فنسبة الامتناع التي تحولت الي شبه مقاطعة عامة بسبب ان المواطن لا يجد تحسنا في حياته اليومية قد يكون عنوان هذه الاستحقاقات التشريعية.
ولعل العامل الخارجي الحقيقي الذي سيؤثر في الإنتخابات المغربية هو: الإنتخابات التشريعية التركية التي جرت منذ شهر ونصف ومنحت الفوز للعدالة والتنمية التركي 47% وازدهار الخطاب السياسي الاسلامي في العالم العربي والاسلامي. فالرأي العام المغربي أصبح لصيق نشرات الأخبار والبرامج في القنوات الاخبارية من الجزيرة، العربية والعالم والمنار ضمن أخري، ويستمع ويتأثر يوميا بخطاب إعلامي وسياسي إسلامي، هذا الخطاب يبدو كالبديل الذي يلاقي استجابة أكثر من الخطابات اليسارية والتقدمية والليبرالية التي تكاد تغيب عن الساحة الاجتماعية والسياسية بسبب قوة الإسلاميين. ولا يمكن نفي تأثير الفوز الساحق لحزب العدالة والتنمية في تركيا بطرحه الإسلامي المعتدل علي عدد من الناخبين المغاربة المعجبين بالتوازن الذي حققه الحزب بين احترام مبادئ الإسلام والإعتماد علي الدين كمرجعية بين متطلبات القرن الواحد والعشرين من ديمقراطية وحرية الرأي. وعليه، ما هو مدي تأثير العدالة والتنمية التركي علي الإنتخابات المغربية؟ الجواب الذي وجدناه عند رضا بنخلدون، المكلف بالعلاقات الخارجية في حزب العدالة والتنمية المغربي الذي صرح شخصيا لا أقول أن هناك تأثيرا مباشرا، بل غير مباشر وليس بالعامل الحاسم بسبب اختلاف الكتلة الناخبة في البلدين. الجميع يعرف وجود علاقات وطيدة للغاية بين العدالة والتنمية التركي والعدالة والتنمية المغربي، ونستفيد من تجارب بعضنا البعض، سؤال التأثير طرح علينا لما فازت حركة حماس الفلسطينية، ولكن ما يجب التنصيص عليه هو أن الناخب في العالم العربي والإسلامي أصبح يصوت علي الأحزاب التي تنادي بالحفاظ علي الهوية، وتنهل من المرجعية الإسلامية وتتبني الإعتدال والوسطية في الإسلام. ويضيف قائلا لا يمكن مقارنة ـ من الناحية الإنتخابية ـ حزب العدالة والتنمية التركي بالمغربي، الأول حقق 47% ونحن في المغرب سقفنا لا يتعدي 25%، وأكرر أن هناك تأثيرا غير مباشر لا يمكن تجاهله. وإذا كان حزب العدالة والتنمية المغربي يجد سندا ومرجعا في تجارب أحزاب مثل العدالة والتنمية التركي والمتجلي في تقدم الإسلام السياسي، فباقي الأحزاب السياسية المغربية تعيش اليتم السياسي. فحزب الإستقلال، أعرق التشكيلات السياسية المغربية ينتمي إلي أحزاب أممية الوسط المحافظ المكونة من تشكيلات سياسية أوروبية ومن أمريكا اللاتينية مثل الحزب الشعبي الإسباني بزعامة ماريانو راخوي. ومنذ شهر ونصف كان الأمين العام لحزب الإستقلال عباس الفاسي في ضيافة ماريانو راخوي في مدريد، ولكن الرأي العام المغربي لديه رؤية سلبية للغاية علي اليمين الإسباني ولن يشكل له نموذجا أو سندا لحزب الإستقلال في الانتخابات، كما أن حزب الإتحاد الإشتراكي بدوره يواجه غياب مرجعية دولية تعزز من حظوظه بسبب تراجع الإشتراكية في دول الاتحاد الأوروبي وخاصة الهزيمة القاسية للحزب الاشتراكي الفرنسي في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الماضية، ولا يمكن القول إن حزب التقدم والإشتراكية واليسار الإشتراكي الموحد ذوي التوجه الشيوعي سيقدمان أو يجعلان من كوبا فيدل كاسترو نموذجا ومرجعا يمكن الافتخار به أمام الناخب المغربي.
ويبقي التساؤل العريض الآخر هو: كيف ينظر الغرب إلي الإنتخابات التشريعية المغربية؟
وفق عدد من المقالات والتقارير الصادرة في مختلف الصحف مثل الباييس الاسبانية ولوموند الفرنسية ومعاهد مثل معهد ريال إيلكانو الإسباني ومعهد راند الأمريكي فالمغرب يعتبر مختبرا لتجربة الإسلام السياسي المعتدل وبدرجة أقل من تركيا. البيت الأبيض الأمريكي يري أن الدول العربية يجب أن تسمح للحركات الإسلامية المعتدلة بالمشاركة في العملية الانتخابية والمساهمة في تسيير شؤون الدولة، لأنها ستكون خير جدار في وجه الاسلاميين المتطرفين. في ربيع 2004، صدر تقرير عن معهد راند في سانتا مونيكا الأمريكية (وهو معهد يقدم الإستشارة للبيت الأبيض) حول كيفية إدماج الاسلاميين المعتدلين ودورهم في الاستقرار السياسي في الدول العربية، ويبرز التقرير الذي تحول الي مرجع في هذ الصدد أن استقرار العالم العربي والإسلامي يمر عبر إدماج أحزاب سياسية إسلامية معتدلة مثل العدالة والتنمية المغربي وفي أقرب وقت قبل فوات الآوان.
الأمين العام للعدالة والتنمية، سعد الدين العثماني أجري رحلات مكوكية متعددة إلي الغرب، الولايات المتحدة وفرنسا واسبانيا، الشركاء الرئيسين للنظام الملكي المغربي في الساحة الدولية، وكان هدفه هو طمأنة رجال الأعمال والطبقة السياسية الغربية أن وصول حزبه الي الحكم لن يغير من توابث السياسية المغربية داخليا وخارجيا.
ومن ردود الفعل الاستباقية، فالرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تدخل في الانتخابات المغربية بطريقة غير مباشرة عندما صرح منذ أيام خلال استعراض الخطوط العامة لسياسته الخارجية ونظرته للقضايا الدولية أنه يجب دعم قوي الحداثة في المغرب ضد المتطرفين، في إشارة الي دعم الأحزاب الليبرالية واليسارية والمحافظة وخاصة حزب الاستقلال الذي تربطه علاقات باليمين الفرنسي.
حكومة اسبانيا تلتزم الصمت أمام التطورات السياسية في المغرب، لكن المعارضة المتجسدة في الحزب الشعبي المحافظ، طالبت يوم 30 اب (أغسطس) الماضي من رئيس الحكومة خوسي لويس رودريغيث سبتيرو إبداء رأيه في الانعكاسات المترتبة عن احتمال فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات ومشاركته في حكومة مقبلة. وتري الطبقة السياسية الاسبانية أن حزب العدالة والتنمية يحمل خطابا دينيا يتناقض ومصالح اسبانيا في المغرب.
وكان تقرير لوزارة الدفاع الإسبانية، أنجز برفقة معهد ريال إيلكانوا متخصص في الدراسات الاستراتيجية قد أكد ما مفاده أن مصدر القلق هو الخطاب المبهم للعدالة والتنمية تجاه عدد من القضايا… وهو الحزب المغربي الوحيد الذي يتقوي مع مرور الأيام.
الدول الغربية لا تبدي قلقا كبيرا من العدالة والتنمية باستثناء إسبانيا التي يقلقها التوجه الإسلامي بشقيه المعتدل والراديكالي المتطرف الذي ينتعش في البلاد بحكم ملفات مشتركة وأخري عويصة وتبقي إسبانيا أقرب دولة جغرافيا للمغرب وتحتضن جالية مغربية كبيرة تميل بدورها إلي الطرح الإسلامي وفئة قليلة تبني التطرف كما جري في تفجيرات 11 ايلول (سبتمبر). وصرح دبلوماسي غربي معتمد في الرباط لا يخيفنا وصول العدالة والتنمية إلي الحكم، لأننا ندرك أن القرار السياسي في المغرب في يد العاهل المغربي الملك محمد السادس، لكن الذي يقلقنا هو تحول المغرب إلي قاعدة انتخابية إسلامية ستظهر تأثيراتها في السنوات المقبلة ومما يزيد من المخاوف هو انتشار الأطروحات الراديكالية.
تصريح الدبلوماسي الغربي ركز علي المنعطف السياسي الحقيقي الذي سيشهده المغرب في العقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين. لا أحد يجادل في قوة حزب العدالة والتنمية، فالوزير الأول إدريس جطو بدوره اعترف في لقاء مع الصحافيين في منتصف تموز (يوليو) الماضي أن الحزب يتقدم وسيحقق نتائج أحسن من تلك التي حققها سنة 2002، ويري المراقبون أن الانتخابات التشريعية يوم 7 ايلول (سبتمبر) الجاري ستغير الخريطة السياسية المغربية وستحدد معالم مستقبلها. فجميع الإنتخابات التي جرت منذ بداية الإستقلال كانت فيها المواجهة ثنائية بين الأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنية التي ساهمت في استقلال البلاد والنظام المغربي المتجلي في المخزن أي البنية التقليدية الأمنية والاقتصادية والسياسية للملكية المغربية، حيث كانت الأحزاب تواجه أساسا المخزن المتجلي في وزراء الداخلية أو الأحزاب الإدارية التي كان يجري تأسيسها بسرعة البرق قبل كل انتخابات، أما الآن فالمعادلة تغيرت إذ أصبحت المواجهة حزبية ـ حزبية وبين خطابين إسلامي وعلماني.. المهتمون بالشأن المغربي في الغرب يعتبرون أن الإنتخابات التشريعية ستكون بين العدالة والتنمية المساند من قبل جمعيات إسلامية ثقافية وحتي صوفية، وإن كانت لا تعلن ذلك جهرا، وبين الإتحاد الإشتراكي المتزعم لمعسكر التقدميين والعلمانيين وحتي الليبراليين، وبينهما نسبيا حزب الإستقلال الذي يحاول تقديم نفسه محزب الوسط الهادف الي التوفيق بين التقليد والحداثة. فهذه الانتخابات مقدمة لتشكيل خريطة سياسة انتخابية إيديولوجية بامتياز، كما هو الشأن في بعض الدول مثل تركيا أو إسبانيا وفرنسا، حيث يتنافس مشروعين سياسيين كبيرين. تبلور هذا التوجه السياسي في المغرب وتعزيزه قد يدخل المغرب مرحلة النضوج الانتخابي والسياسي، اي الدفع بتكتلات حزبية حقيقية بعيدا عن البلقنة الحالية التي تميز المشهد السياسي المغربي من خلال مشاركة 33 حزبا في هذه الاستحقاقات.
المراقبون في الغرب، ووفق الكثير من الدراسات، يرون أبعد من ذلك، يرون أن المغرب مقبل علي تطورات سياسية من ضمنها توسيع الهامش الديمقراطي لدمج بعض الحركات الإسلامية الأخري، وفي الوقت نفسه منح مزيد من الصلاحيات للحكومة، والتساؤل، إذا كان القرار الآن في يد الملك فغدا سيتقاسمه مع الأحزاب القوية التي ستكون اسلامية لا محالة، وقتها يمكن التأكيد علي أن المغرب سيشهد بداية تطبيق سياسية مستوحية من المرجعية الإسلامية لأن موازين القوي ستتغير بحكم منطق التطور التاريخي والسياسي.