عبّـاس سلـيمان
1- قـبل الـبداية: من قصائد قصيرة غالبا يستغرق إلقاؤها دقائق معدودة إلي رواية ضخمة تستوجب قراءتها أيّاما عدّة.
من شاعر يختلف كثيرا عن شعراء جيله في مباني قصائده ومعانيها، في مفرداتها ورموزها، في ما فيها من سحر وفلسفة، إلي روائي لا يختلف عن غيره من الرّوائيّين سوي في أنّه يريد أن يقول كلّ الدّنيا في رواية واحدة.
من الشّعر، ديوان العرب الأوّل إلي الرّواية ديوان العرب الجديد.
من هناك إلي هنا، تحوّل عبد الوهاب الملوّح وترك شغفه الأوّل إلي حين ليفسح المجال لموهبة فيه أخري أن تتجلّي وتخرج منه و عنه إلي النّاس وتعلن أنّ صوتا جديدا يقول الرّواية بشكل مركّز ومكثّف رغم شغفه بالتّفاصيل الدّقيقة رسم خطوة ثابتة في اتّجاه البحث عن مكان له حقيقيّ تحت سماء الرّواية العربيّة الجديدة. منذ… (1)، روايته البكر الصّادرة حديثا عن دار سيبويه للنّشر في 279 صفحة، هي رواية لا تشبه أيّ رواية أخري إلا ّ في انتمائها الاجباري إلي هذا الجنس الخلاسيّ وانتفاء إمكانيّة انضوائها تحت راية أيّ جنس آخر… رواية منفتحة علي كلّ الكتابات وعلي كلّ القراءات… فيها يتمازج السّرد والوصف والحوار دون أن يبغي علي أحدهم الآخر ودون أن يخلّ أيّ منهم بالمهامّ التي يوكلها إليه الرّاوي أو قل الرّوائيّ باعتبار اتّحاد الاثنين في كثير من أجزاء الرّواية وتفاصيلها حتّي ليصبحان واحدا وتزول بينهما كلّ الفوارق والحواجز. ولئن كانت جوانب عديدة في هذه الرّواية تدعو وتلحّ علي التّناول فقد رأينا أن نخصّص ورقتنا هذه لما رأيناه الأهمّ فيها وذا أولويّة عليها جميعا، إنّه جانب وجوه الخرق والعدول.2- العدول في مستوي العنوان:
منذ البدء تصرّح الرّواية برغبتها في الاختلاف عبر لجوئها الي العنونة أو العتبنة في شكل حرف من حروف المعاني (منذ) ليثير فينا هذا الاختيار أسئلة لا مهرب منها: هل العنوان تسمية أم العنوان تعمية أم العنوان تجربة أخري في العنونة أم العنوان هنا مشروع شراكة يلوّح به عبد الوهاب ثمّ يتخلّي داعيا علي طريقته القارئ/ شريكه الآخر/إلي إعطائه صيغته النّهائيّة عبر إخراجه من حالة النّقص إلي حالة الاكتمال والمعني؟ هل تطالبنا رواية الملوّح أن نقرأها أم هي تضطرّنا قبل أن نقوم بأيّ مجهود قرائيّ أن نبدأ بالكتابة؟ إنّ هذه الاسئلة تضعنا حتما أمام الاستنتاجين التّاليين:
ـ أوّلهما أنّ المؤلّف نجح في قلب الأمر إقرأ إلي اكتب أو إلي اكتب قبل أن تقرأ.
ـ ثانيهما أنّه دفع قارئه إلي الخروج من اطمئنانه والخروج من حالة التّسليم وإطلاق الأحكام المسبقة التي تفرضها غالب العناوين إلي حالة من التّفكير والبحث والتّأويل. هاتان نقطتان تحسبان للكاتب لما وراءهما من جنوح إلي التّعامل مع القارئ علي أسس جديدة يمكن أن نجملها في ما يلي:
أ- النّديّة: بدعوة القارئ إلي الدّخول الإجباري في مشروع شراكة موضوعه كتابة عنوان رواية ما تنتفي أو تكاد العلاقة العموديّة التي طالما سادت بين المنشئ والمتقبّل فيصبح القارئ كاتبا ويصبح الكاتب متلهّفا لقراءة ما يمكن أن يضيف قارئه من أفكار موازية وعناوين مفترضة ونقود مختلفة.
ب- الثّقة في القارئ: بتمكين القارئ من فرصة الكتابة وحثّه علي استغلالها بل وإجباره علي عدم التفّريط فيها تنتفي في الكاتب صورة المعلّم الذي يملي والذي يفترض أن يكون ملمّا بكلّ التّفاصيل إلماماً كاملا لا يعتريه النّقصان ولا يحتاج إلي غيره لسدّّ ثغرة معرفيّة أو تطوير معلومة مّا وتنتفي في القارئ صورة التّلميذ الذي يتلقّي ما يتلقّاه كأنّه يتلقّي قرآنا يتلي لا يجب أن يزيد عليه أو ينقص منه أو يحرّفه أو يطوّره وتنتفي وجوبا في النّص صفتا القداسة والكمال فيصبح العمل الإبداعيّ عجينة تشترك لخلطها وعركها يدان اثنتان:- يد الكاتب بما أوتي من موهبة وثقافة وحسن توظيف للّغة.- يد القارئ بما لديه من مسؤوليّة تجاه كلّ عمل يتناوله بالقراءة الواعية المتأنّية وهي مسؤوليّة تخرجه قسرا من السّلبيّة والحياد وتضطرّه إلي شراكة من نوع جديد. القارئ والكاتب إذن ندّان يشتركان في صياغة العمل الواحد أو القارئ والكاتب شطران يكمّل أحدهما الآخر في اتجاه انشاء نصّ جديد لم يعد لأحد أن يدّعي وحده ملكيّته الحقيقيّة إلا اعتباطا.
ذلك ما يمكن أن يكون الملوّح قد قصد إليه وذلك ما أمكننا استنتاجه من خلال استقرائنا للعنوان المكوّن من حرف معني اقترحه الكاتب ومن ثلاث نقاط متتابعة علي القاري أن يعوّضها بكلام يحددّ الغاية في الزّمان… لكي نجد أنفسنا بعد ذلك أمام متمّم (مفعول فيه للزّمان) لن يعني للقارئ شيئا ما لم يرفق به مسند ومسند إليه يستوي بتلازمهما المعني المطلوب وتخرج به الرّواية من عنوان التّعمية الجميل هذا الذي تتّخذه الآن قبل القراءة إلي عنوان تسمية فيه دلالة وإحالة علي حدث و وقائع حدثت في زمن محدّد ببداية ونهاية واضحتين. ولا شكّ في أنّ هذا الاختيار الذي يخرج العنوان من التّسمية إلي التّعمية ومن مجرّد المقروئيّة إلي ضرورة البحث والتّأويل ومن بسط جناح الاطمئنان علي القارئ إلي زعزعة هدوئه ودفعه إلي الحيرة والتّفكير، لا شكّ أنّ في اختيار كهذا الذي ذهب إليه المـــلوّح عدول عن السّائد ونزوع نحو الاختلاف و اتّجاه نحو تأسيس علاقة جديدة بين الكاتب والقارئ وبين القارئ والنصّ.3-العدول في مستوي المضمون:
أ- في تحـديد الجـنس:
مع رواية منذ… لعبد الوهاب الملوّح نحن أمام شاشة كبيرة تظهر عليها محطّات كثيرة تفرض علي متتبّعها أن يوزّع عينيه بينها جميعا وأن يحافظ علي ترتيب الأحداث في كلّ منها وأن يتسلّح بذاكرة لا تعرف النّسيان وانتباه لا يعتريه الفتور. هكذا تبدو رواية منذ… : مشاهد أو مناظر أو مقاطع متباعدة متنافرة في ظاهرها غير أنّها في الحقيقة تحتكم إلي خيط رابط زمنيّ إن شئنا( منذ انطلاق الأحداث الأولي) أو هو نفسيّ أيضا يمكن الوقوف عليه من خلال معاينة الأجزاء التي اهتمّت بذكر و وصف حالة الرّاوي خاصّة منها تلك التي سمح فيها الكاتب لنفسه أن يتّحد والـــــرّاوي فيصبحان واحدا لتزول بين خالق النّــــــص و البطل/ صنيعته كلّ الحدود ويتماهي المنشئ في خليقته مؤثرا أن يتخلّي والرّواية تقترب من نهايتها عن تظاهره بالحياد وأن ينزع عن نفسه القناع ليثور علي نفسه القارئ الذي كان يظنّ أنّه يتابع أحداث رواية عادية بما يحيل عليه هذا الجنس من تعددّ للأصوات وتنام للأحداث وتعديد للأمكنة والأزمنة ويكتشف أنّه أمام كثير من المقاطع السّير ذاتيّة وأن كثيرا من التّسميات والوظائف وقليلا من الأمكنة والأزمنة والأحداث كانت مجرّد تمويه غطّي به الكاتب حينا من الرّواية علي نفسه وسيرته وأسراره… ثمّ كأنّه ملّ القناع أو أراد أن يعبّر عن رفضه التّمويه والغشّ والتّستّر والتّخفّي فصرّح بين ثنايا السّرد باسمه ولقبه كما جاءا علي غلاف الكتاب ليقول القارئ مبتهجا أو غاضبا أو مرتبكا: سقطت جميع الأقنعة. جاء علي لسان الرّاوي: كنت أجري عبر الشّوارع ممسكا في جيبي الظّرف، أجري وأصيح بأعلي صوتي، لم أكن ابالي بأبواق السّيارات تزعق وأصحابها الذين يرمون ورائي أقذع السّباب والشّتائم. كنت أجري فقط كمن أصابه مسّ، إنّها هنا، عليّ أن ألحق بها، لم أكن ألوي علي شيء، كنت أفكّر فقط في اللّحاق بها، نسيت الظّرف، نسيت ليلي، نسيت قلاب، نسيت الشّارع، نسيت خالتي، نسيت ما جئت من أجله إلي هنا، نسيت عبد الوهاب الملوّح. نسيت ما كنت سأفعله… (ص 275 ) أين تبدأ الرّواية وأين تنتهي ومن أين تصبح الأحداث أحداثا سير ذاتيّة؟ أين حدود الحكي وأين حدود التّاريخ؟ وأيّة علاقات تربط بين مكوّنات رواية عبد الوهاب الثّلاثة: الحكي وسيرة الذّات وأحداث التّاريخ؟ وهل يصحّ أن نعلّق الأجوبة علي هذه الأسئلة بإحالة العنوان فيما يتعلّق بالبدايات وبما جاء في الصّفحة الأخيرة فيما يرتبط بالنّهايات: واضح جدّا أنّ الأحداث ما زالت متواصلة، وأنّ كلمة انتهت التي تعوّد الرّوائيون ختم أعمالهم بها وضعها إعتباطيّ لا معني له هنا، فليست هناك نهاية ما، ما زال هناك أكثر ممّا تقدّم، وما زالت هناك أمور أخري ستحدث… ص 276… وهل نعدّ منذ… رواية وكفي أم هي سيرة ذاتيّة خالصة أم هي رواية تختلط بالسّيرة الذّاتيّة أم هي جنس جديد ليس رواية وليس سيرة وليس رواية سيرة إنّما هو خلق آخر فيه عدول عن الإستراتجيّات المتعارفة وتأسيس لكتابة أخري؟ هذا إرباك أو وجه من وجوه العدول ذكّرنا بأيّام طه حسين ولكنّ الجدّة فيه تكمن في أنّ صاحب الأيّام كان ظاهرا من خلال تخفّيه في حين أنّ الملوّح كان خافيا رغم محاولات ظهوره. ب- في تكثيف الأجناس: لئن كان معروفا عن الرّواية أنّها جنس اندكاك الأجناس والجنس الآكل للأجناس والفضاء الذي يختلط فيه الحكي بالخرافة والأسطورة والدّين والوثيقة والصّورة والأمثال الشّعبيّة والكتابة الشّعريّة وتمتزج فيه اللّغات واللّهجات، ولئن كانت هذه السّمة أو الظّاهرة قد حضرت بقوّة في ما كتب عبد الوهاب فإنّنا نرصد وجه الجدّة أو العدول فيما يلي:1- وعي الكاتب المسبق بهذا المزيج الكثيف الذي بائتلاف عناصره اهتزّ ونما عمل في حجم وقيمة منذ… ، ذلك أنّ روايات كثيرة حضرت فيها هذه السّمة دون أن يكون مؤلّفوها قد قصدوا أن تتداخل الأجناس فيما كتبوا وأن تنفتح كتابتهم علي كتابات أخري إنّما فرض ذلك الائتلاف وذلك التّمازج فرضا عليهم. جاء في الصّفحة 228: سأعترف أيضا أنّ ما تقدّم من متن هذا الكتاب هو تجميع لعلّه كولاج ليوميّات، لأحاديث، لحوارات، لتقارير، لأحلام، لأفكار، تمّ نسخها كما أوردها أصحابها، براق عبد اللّه محجوب، ليلي، أهالي قرية.2- عدم اقتصار مؤلّفات أو مكوّنات هذا المزيج علي عنصرين أو ثلاثة وامتداده ليشمل كلّ الأجناس الصّغري الأخري، ففي رواية عبد الوهاب امتزجت اللّغة العربيّة الفصحي باللّغة العربيّة الأخري باللّغة بالفرنسيّة(88) وحضر السّرد العاديّ وحضر فنّ الترسّل (ص 158 ـ 159) وحضرت نصوص الإشهار والإعلان (ص 213) وحضرت الوثيقة (270 ـ 271 ـ 272) وحضر النّص القرآني (ص 222 ـ 223) وحضرت الأغنية باللّغة الفرنسيّة (ص 73) وحضر كلام العراّفات (ص 62 ـ 63) وحضر الشّعرالعربيّ الفصيح (67 ـ 242) وحضرت الأمثلة الشّعبيّة و الحكم الجارية في االنّاس مجري الآيات والقوانين (ص 143) وحضر الإستجواب علي طريقة (السّين جيم ) (ص 190 ـ 191). كوكتيل من عناصر تبدو متنافرة استطاع الكاتب أن يصهرها ويحلّ بينها الانسجام علي تنوّعها واختلافها ويؤلّف منها منذ… التي جاءت بفضل هذا الائتلاف والتنوّع منفتحة علي كلّ الكتابات وقابلة لكلّ القراءات. في انتظار قراءة أخري:
ليست هذه الورقة غير مصافحة أولي لرواية عبد الوهاب الأولي التي لا شكّ أنّها ستظلّ تستدعي مصافحات أخري وقراءات أعمق وتناولات مختلفة يفرضها ثراء الرّواية وما جاء فيها من أساليب تجديد ومن قطع واضح مع كلّ أنماط الكتابة السّائدة واتّجاه نحو تأسيس علاقات جديدة مع القارئ وتوظيف آخر للّغة واستفادة من بقيّة أنماط الكتابات.
إحــــــــالات: (1) منذ… رواية / عبد الوهــاب الـــملوّح. ط.1 . دار سـيبويه.2006