عادل الحامدي
التفت الي مرآتي التراثية العاكسة فرأيت ان الاختلاف في الرأي كان مصاحبا لنزول الوحي ما لم يكن النص الديني قطعي الدلالة والورود، واستمر الحال علي ذلك حتي رحل نبي هذه الامة عليه افضل الصلاة والسلام الي الرفيق الاعلي فبدأ الخلاف السياسي ضيقا لا يكاد يبين في سقيفة بني ساعدة بين المهاجرين والانصار حول الخلافة، والذي سرعان ما تحول الي معارضة سياسية علنية سافرة سفور الفكر الاسلامي الاصيل، خصوصا بعيد الصدام المسلح بين الامام علي رضي الله تعالي عنه ومناوئه الصحابي معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه دون نسيان العصيان المسلح الذي قام في وجه الخليفة الرابع رضي الله عنه وارضاه، ومن يوم الناس ذاك والمجتمع الاسلامي يضم كل التلوينات المذهبية والفكرية والسياسية بل والعقائدية، ولا غرو فنبي الامة عليه السلام الذي لا ينطق عن الهوي بحق اعلنها صريحة بان القرآن والسلطان سيفترقان.
ومن ارض الحجاز المباركة اطير علي بساط من الحلم بغد عربي ابطأ في مجيئه لأحط علي ارض المرابطين علني اجد في ندوة اصيلة ما يصل بين الحاضر المهزوز بالماضي الذي اشرق وان الي حين.
ولا اعتقد ان اختيار ادارة مهرجان اصيلة الثقافي لافريقيا تلك العذراء التي فسق فيها الاستعمار مرارا ولم تفقد عذريتها بعد، ولا ضنت ارحامها عن الدفع بالكائنات الآدمية الاسود منها والملون، كمحور للحوار كان اختيارا اعتباطيا، فقد عادت الي ذاكرة الشركات الاحتكارية الكبري تدعمها حكومات عطشي الي الاستثمار ولو في الصين، فتكالبت عليها ياجوج من الغرب وماجوج من الشرق لا ليفسدوا في الارض هذه المرة، ولكن لطمي ما لم يتصحر من فجاجها بثاني اوكسيد الكاربون وتزويد الصالح من مواطنيها بالهاتف النقال، فانبري من نيجيريا وحدها عشرون مليونا من المتطوعين لاصطحاب هذا الرقيب العتيد من غير التمليس المباشر للخالق المبدع.
وهكذا اعي ويعي معي جمهور وزراء الخارجية الافارقة، لم يعد بامكانهم رفع الموائد الرسمية المنعقدة علي شرف الزوار من علية اقوام الثماني الكبار واقزام النمور الصغار دون ان تنسيني دار الندوة الاصيلية من يعب ملء خرطومه من آبار الذهب المسود من سمان القطط العربية علي ان الخيط الجامع بين هذه الفسيفساء الاعاجيبية هو المحاولة اليائسة لنشر ما يعرف عندنا معشر البريطانيين بالسلطة المخففة Soft Power (الموبايل والسندويتش)، بدلا من الحرب المباشرة علي الديمقراطية وتلبيس المسلمين بجرة قلم من اقلام ايلول الاسود اردية السلفية ووصم من رضي منهم طوعا او كرها باللعب المسؤول في افنية الدولة العربية بطابع الجهادية، اذا ما باحت الصناديق بما استكنت من اوراق رجعية.
وعلي هامش ندوات اصيلة المباركة بحق اقول: لقد خص الباري جل وعلا الاسفين الافريقي وفي قواميس اخري الشمال الافريقي والذي ليس بينه وبين جيرانه البيض غير بركة متوسطية استوي فيها صيد الحوت بقنص الجثث البشرية، قلت خصها (اعني هذه البلدان) ـ غير محسودة ـ بنعم اعلاها انها سلفية الهوية بدءا من الاطلسي وحتي ضفاف البركة الفرعونية… ادرك جيران المغاربية الخمسة منذ ضحي التاريخ ان هذا الجدار لا بد ان يكون عازلا لكافة انواع الجراد الافريقي خاصة ما اسود منه، فهم لذلك يغدقون عليها من الخطب والزيارات اكثر من الانفتاح السياسي والتمويل اتت جنبا لذكر الديمقراطية التي اسقطتها كل الدول عمدا من دساتيرها العملية.
وفي خضم سجالات المهرجان الهادرة طلع علينا الاستاذ المصباحي بمداخلة عصماء في غياب غريمه الامام سحنون الذي قضي في الينبوس دون ان تطرف للمصباحي عين، والغالب علي ظني ان كليهما ينتمي الي صفوف المعارضة، فكال لصاحبه من التهم السلفية ما تنوء عن حمله نفوس اصحاب المقابر الجماعية في بعض السجون العربية: (استحلف معالي الوزير ان لا يدع لديه مقبورا)… غير ان ما شأن مداخلة المصباحي ليست سباب التقليد للخصم الايديولوجي وانما غفلته عن ان (ام ـ اي ـ سيكس وسي ـ اي ـ اي) قد اقلعتا عن ممارسة العادة السرية في تمويل ونشر المثاقفات الفكرية وتبادل العنف السياسي بين الفرقاء عبرالكتاب والمقال واشاعة الفوضي العلمية بدلا من نشر الخراب، فما زالت هاتان الدولتان المستقلتان (ام ـ اي ـ سيكس وسي ـ اي ـ اي) تفرضان التعايش ما برح صرح ستالين قائما، فلما انهدم الصرح انصرف كل منهما الي شأن آخر يغنيه عن امثال المصباحي وصاحبه الامام ثم فقط من العراق ينجيه.. وقيل ان الصلح خير من اليتم واصحاب الندوة بهذا الشأن اعلم… وقد كان ممثلو اليسار ـ الذي لا اخفي تعاطفي معه ـ في تعاطيهم مع موضوعة الفكرالسلفي في العالم العربي حنوطيين، وأعني بهذا اللفظ انهم اقتصروا علي السباب والانتقاد والتبشيع دون الغوص في صلب الموضوع، فبالجملة لم ار من اليسار الذي عهدت فيه الجدية وتناول الموضوعات بروح الموضوعية والمنطق وايضا بروح المصلحة الوطنية، لاحظت هذه العناصر غائبة في مجمل مداخلات المشاركين التي كانت في خانة الاقصاء التي تذهب الي حد التخوين والتشكيك في وطنية الاسلام السياسي الغائب، وكأن الاسلاميين هم خارجون عن التاريخ كأسنان المشط، حتي ان السادة العلماء المحاضرين يسوون بين محمد بن عبد الوهاب والطيب اردوغان.
ولقد تجرعت علقما ناولنيه البحرين التي مثلتها كاتبة وبرلمانية نسيت ان المركب الديمقراطي قد ارسي علي الشواطئ البحرينية كلها علي الرغم من اطلال الطائفية التي يعرف البحرينيون وحدهم كيف سيضعون حدا لها بالشوري وليس بالاقصاء، قلت كان امر الكؤوس التي تجرعتها من المتداخلين هي من اختي البحرينية التي حكمت بالاعدام شنقا علي حزب مغربي اسمه العدالة والتنمية وتنفيذ هذا الحكم في يوم عيد الاضحي الانتخابي الذي اعلن ملك المغرب بكل وضوح ان الفيصل سوف يكون للصندوق الانتخابي الوطني المغربي ولو كرهت اختي سوسن الشاعر التي قعدت بالتجربة السياسية البحرينية المعاصرة والتي تعتبر عروسا في الخليج.
ولقد شفي نفسي وابرأ سقمها من داء التحيز وممارسة الرقص الفكري وRock and Roll اليسراوي قدوم الدكتور الكويتي عبد الله الشايجي الذي قدم علينا يمتطي جواد عنتر بن شداد ليعلن بوضوح ان الحركة السياسية العربية المعاصرة ان ارادت ان تدخل التاريخ من ابواب العولمية فهي لا تملك الا الاعتراف بالآخر، وان كان في النفس شيء من هذا الاسلام السياسي، فان مداخلة هذا الاخير الذي اشار الي ان الاسلاميين ليسوا اسنان كلب لا تحسن الا العض وانما هم كبقية الاطراف منهم الوسطيون ومنهم دون ذلك. وليس ادل علي صواب هذا الرجل الذي كانت مداخلته انقاذا للحوار من داء التشفي بالتزامه الموضوعية وغوصه في جوهر الموضوع بدل الثبات علي الاطراف وكيل الشتائم من دون دقة ولا تمحيص.
وافهم ان اختيار منتدي اصيلة الثقافي الذي اشتد عوده لموضوعة السلفية كمحور للنقاش بين النخبة المثقفة ليس خارجا عن السياق الزمني لما يتمخض في احشاء العالم العربي والاسلامي من تحولات خطيرة في المجال الفكري والثقافي والسياسي، فقد غدت السلفية عنوانا يطبع المرحلة باعتبار المدارس المتنوعة التي اصبحت تتنافس علي نيل رضي الجماهير العربية من خلال واقع مرير استعصي عن الحلول العسكرية الفوقية وعجز عمرو الوطني عن معالجة معضلات هذا العالم انطلاقا من واقع متخلف علي كل المستويات.
واذا كان طبيعيا استدعاء الفرقاء للمقدس والمدنس في خوض معارك سياسية وفكرية وسوسيولوجية فان العيب في ان تكون استعادة الرموز الدينية والعلمانية لصنع الحروب الاهلية وليس لانتخاب الاطراف السياسية والقادرة علي الاصلاح والفعل والتوجيه نحو المستقبل وليس القعود والارتكاس بالعالم الاسلامي في مستنقع الطائفية بدلا من صنع التعايش والمشاركة من اجل استبداع الحلول المرنة والوسطية لتفعيل كل الطاقات وايجاد صيغة جديدة للحكم تشارك فيها كل النخب من اجل الحاضر والمستقبل. واظن ان اختي سوسن الشاعر كان اولي بها ان تذكر لنا عدد الاميات في البحرين الديمقراطي بدلا من كيل السباب للمهدي الغائب.
ويبقي السؤال: من المسؤول عن هذا التغيير، هل هي السلفية ام اليسراوية التي شبعت واستكرشت من بطون حكوماتنا ونسيت ما كان يدعو اليه كثير من مثقفي اليسار المخلصين والذين كانوا يحلمون حقا بصنع معارضات وطنية تملك القدرة علي الضغط علي الحكومات عبر مؤسسات الدولة من اجل الغد الافضل وليس من اجل البطن الاكبر، ام هم الاسلاميون المعتدلون الصاعدون علي انقاض اليسار المتهاوي؟ ما اخشاه حقا بصدد طموح التغيير المنشود ان يأتي يوم تمسح فيه الشعوب العربية المغلوبة علي امرها بالاسلاميين المعتدلين ادبارها كما تمسح اليوم بمن سبقهم باحتلال كراسي الدولة!
وبين قضايا القارة السمراء الطامحة للفعل دوما وجدال النخب التنويرية عن اقوم المسالك في معرفة احوال ممالك السلف، اقام فنانون وخبراء موسيقيون توافدوا علي اصيلة من مختلف انحاء العالم اول مؤتمر للموسيقي في عالم الاسلام، معيدين للذاكرة العربية مواقف دينية لم يمانع فيها نبي الرحمة فتيات من الضرب علي الدف والغناء في يوم عيد.
لقد كان رجال العرب من قديم الزمان يرقصون بأسلحتهم في مناسبات عديدة. وقد تباينت مواقف علماء الاسلام وفقهائه من الغناء فمنهم من يجوزه بشرط ان لا يقترن بالتبرج والفساد ومنهم دون ذلك. وقد اثبت التاريخ الاسلامي ان التحكم في اقدار الناس قد يصبح مستحيلا اذا لم يتكمن الناس من الترفيه عن انفسهم من خلال تعبيرات فنية راقية، وهذا هو عين ما اثارته استاذة الموسيقي العراقية التي اطلقت صيحة فزع عن مصير المقام العراقي في ظل حرب أتت علي اليابس والاخضر، حين اعلنت عن تأسيس مركز للحفاظ علي التراث الموسيقي العراقي وتدوين مرحلة مختلفة بكل المقاييس في التاريخ السياسي والفني والاجتماعي في العراق والعالم العربي… جدل السياسة والفكر والفن في اصيلة جواب واقعي علي استحقاق تاريخي ناضلت النخب العربية من اجل انجازه، جوهره التسامح القائم علي مفهوم جامع للمراكنة السياسية يعيش فيه الاسلامي العربي جنبا الي جنب مع نظيره الليبرالي والعلماني من غير اقصاء ولا تعنيف… فسقي الله اصيلة ومحيطها…8