القاهرة ـ «القدس العربي»: في سياقات مختلفة طرحت عدة قضايا هي الأهم في ما تمت مناقشته خلال الأسبوع الأول لمعرض الكتاب، فقد كثرت المحاور وتزاحمت الأفكار وتنوعت وجهات النظر، لكن ثمة استخلاص يمكن استنتاجه من بين ما طرح، سواء في ما يتعلق بالجوانب الثقافية أو تلك الأبعاد السياسية التي تأتي دالة على جوهر القضايا والمحور الرئيسي لماهية الاختلاف والاتفاق، ذلك أنه من الصعب تهميش السياسة أو إهمالها طالما هناك موضوعات ذات أهمية مطروحة على طاولة الحوار.
في جدول أعمال الدورة الحالية من الحدث الثقافي، جاءت بعض المحاور خاضعة للتقليد المتبع في كل عام، للحفاظ على النسق الثقافي العام، ولعل التي أقيمت تحت عنوان «ذاكرة المعرض» هي المؤشر إلى الخصوصية والماهية والمرجعية التاريخية، فقد تداعت الذاكرة فأسفرت عن حدث كان في عام 92 هو الحديث الساخن المتداول بين النخبة الثقافية والعامة وظل لبضع سنوات يحتل موقع الصدارة في كل دوائر النقاش، ألا وهو اللقاء الذي كان بمثابة مناظرة فكرية بين الشيخ محمد الغزالي والدكتور فرج فودة حول بعض القضايا والأفكار الدينية محل الخلاف.
وترجع أهمية المناظرة التاريخية إلى أنها كانت الأخيرة لفودة، حيث اغتيل بعدها مباشرة فصارت عنوانا يرتبط لدى البعض بالثمن الذي دفعه الكاتب الراحل جراء الدفاع عن أفكاره. من هنا تجددت الذكرى ووضعت في بؤرة الذاكرة الثقافية معرض الكتاب فكان ورودها لافتا إلى حد كبير، وحيث توجد صلة بين «الذاكرة»، ومحور آخر وهو الثقافة في المواجهة، فقد تعين علينا الإشارة إليها، إذ ترتبط بالمفهوم ذاته، وهو المدى الموضوعي والتفاعلي للثقافة كفعل إيجابي وممارسة فكرية، تتحدد على أثرها سلوكيات، وتناط بها مسؤوليات مهمة، خاصة في الظروف الراهنة التي تقفز فيها كلمة مواجهة بدلائلها وتحدياتها المختلفة على السطح كمصطلح سياسي وثقافي يتردد كثيرا.
ويزخم المحتوي الثقافي لمعرض الكتاب المصري في دورته الـ» 47» هذا العام بمحور آخر له خصوصيته التاريخية عنوانه «قاهرة الغيطاني»، في إشارة إلى إسهامات الكاتب الروائي الراحل جمال الغيطاني المتصلة بالقاهرة التاريخية، وهو منجز أدبي له اعتبار كبير لكونه يعد توثيقا ذا بعدين مهمين لكتابات نوعية حل بها أرشيف الغيطاني ومثلت قيمة إبداعية وتأريخا لمدينة جوهر الصقلي العتيقة. الندوة التي عقدت لمناقشة تجليات الرؤية الأدبية والتاريخية عند الكاتب الراحل، ضمت شخصيات مهمة في هذا الشأن، أيمن فؤاد سيد ومحمد محمد الكحلاوي وجليلة القاضي وعلي رضوان.
أما مذكرات مكرم عبيد فقد تضمنها محور رئيسي في فاعلية كانت من الأهمية بمكان بين المحاور الأخرى، لاسيما أن قطبي النقاش فيها هما مصطفى الفقي وسعد الدين إبراهيم، حيث قدم كل منهما قراءة للمذكرات عكست حقيقة الرجل وثقافته المتوازنة ودوره البناء إزاء قضايا ومشكلات أساسية، ارتبطت بالمفهوم العام للاستقرار والانتماء الوطني وحرية التعبير والعدالة الاجتماعية وغيرها من دعائم التطور المجتمعي والحضاري والثقافي.
وفي السياق المتصل المنفصل ذاته، كان الاحتفاء بالشخصيات المبدعة مثل الشاعر بيرم التونسي كشخصية محورية في الأمسيات والفعاليات التي توزعت كالعادة ما بين مخيم الإبداع والمقهى الثقافي، على اعتبار أن الارتباط بشعر العامية أو الشعر عموما جاء على خلفية شعبية بوصفه النوع الإبداعي الأكثر حضورا وجماهيرية، غير أن هناك أيضا عنوانا آخر وضع ضمن برامج الاحتفاء والاحتفال بالإصدارات الحديثة والمهمة، وشملته عمليات التنوير وتسليط الضوء هذا العنوان هو «حوليات مصر السياسية» للكاتب أحمد شفيق باشا، فضلا عن الطاولات المستديرة وما ناقشته من قضايا ذات اهتمامات كبرى مشتركة مثل تنمية الكتاب العربي وغياب دور المحرر العربي والمحرر، يشار به ليس إلى المحرر الصحافي وإنما التحرير الثقافي والفكري في عمومه، أي الاستخلاص والتفتيح والصياغة لإعداد الإطار المناسب للتناول لغويا وموضعيا.
وتأتي القضية الملحة لتطل برأسها كأحد النقاط المركزية بالغة الأهمية التي تحتل موقعا متميزا في المشهد الثقافي السياسي، وهي قضية مصر وأفريقيا، البعد والعمق والهوية ونقاط الضعف والقوة في العلاقة الإستراتيجية الجغرافية التاريخية، وهذه الأبعاد ناقشها حمدي شعراوي والسفير معصوم مرزوق وعباس عراقي.
وبالمرور على ما سبق من فعاليات المعرض في أسبوعه الأول يمكننا القول بوجود مؤشرات إيجابية لحالة من الانتباه إلى التقاطعات الثقافية والسياسية ومضامين القضايا والمشكلات ذات التأثيرات الجماهيرية العامة مثل، قضية الثقافة في المواجهة وهو العنوان الدلالي الأميز لكونه يقرر حتمية أن تواجه الثقافة مشكلات كثيرة كحماية مجتمعية واجبة التفعيل بشكل مدروس بعيدا عن وسائل المواجهة الأخرى، لا سيما في ظل توافر وسائل الاتصال المتعددة وآليات التثقيف كالكتاب والإنترنت والفضائيات وغيرها، التي باتت تشكل لغة العصر وتشمل عمليات التواصل.
كمال القاضي