شاءت الأقدار أن يلوح العتم الحاد في أفق نفق السلطة القطرية لدى الجارتين الجزائر المغرب، في آن، جراء التدهور الكبير الذي لحق بصحة المسؤولين الأولين عن البلدين الجارين المتخاصمين، الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والملك محمد السادس.
ومعه باتت الخشية تتعاظم بخصوص مستقبل البلدين، في ظل الصعوبة المتوقعة لمسألة انتقال السلطة فيهما لظروف داخلية تختلف بينهما، تداعيا لترهل آليات الحكم وتصاعد مطالب التغيير لدى الأجيال المتأخرة الباحثة عن وعي جديد ينسجم مع مقتضيات تحولات العصر، في التعايش الداخلي والخارجي مع الآخر، بعيدا عن فكر دولة الاستقلال، الذي طال وعطل قدرات الشعبين الشقيقين في تحقيق التجاوز التاريخي المأمول.
أود التنويه والتنبيه هنا إلى أنني تعمدت استعمال لفظ الحالة بدلا من العلاقة، لشمولية دلالتها على ما هو حاصل وما قد يحصل في قصة البلدين، لأن تناول ملف العلاقات الجزائرية المغربية تمت مركزته ومرجعته في جداول الأجندة الخاصة لسلطتي البلدين، طبقا لمنحنى علاقتهما ونزواتهما حتى، ما أنسى فضاءات الارتجاع الأخرى التي بوسعها أن تنير مكامن الظلام والمظلوميات وتومض بإشعاع أو تشع بوميض ولو خافت، لمستقبل واحد يفرضه مشترك التاريخ، كما تحتمه طبيعة الجغرافيا، إذ أن الإشكالات المكانية التي هي أصل فتيل كل الانشقاقات والتشققات الحدودية القطرية في عالمنا العربي، تفجرت في غرف السلط ورسخت عبر دواوين الوساطة السلطوية، من إعلام وأزلام الدعاية في وعي القواعد الشعبية عبر عمر الاستقلال والظهور القطري العربي كموروث تاريخي وجغرافي عن خرائط الاستعمار، من هنا يتضح أن العقدة المكانية، انتقاصا أو توسعا، التي تشكلت مع فجر ظهور كل قطر، هي أساس خطاب الخصام الذي يعاد إنتاجه وضخه في وعي مواطني البلدين، بما يسهم في إدامة حالة الخصام ويشرعن استدامة السلط الاستقلالية تناسلا وفكرا، الأسرة الثورية في الجزائر، والعائلة المالكة بحواشيها في المغرب، في زمن تطرأ فيه وتتغير دوائر الاهتمام لدى الشعوب المتحضرة بإيقاع متسارع، وتلامس أحلامها أفاقا أخرى، بعيدة عن المكان، بل ربما بعُدت عن كوكبنا كله! لكن ما هي الأسباب التي جعلت مرجعية الخلاف رؤية وتحليلا واستشرافا تظل عالقة ومتعلقة بمزاج سلطتي البلدين؟
إذا كنا سلمنا جدلا أن الوعي القطري إنما حصل في المنطقة كنموذج للوجود الخاص أو المجتزأ من حيزي الاشتراك التاريخي والالتصاق الجغرافي، الذي خلفه الاستعمار، فهذا يعني أن فترة الاستقلال كانت بداية انطلاقة الممارسة الفعلية والحرة لهذا الوعي، التي يمكن وصفها بالمراهقة القطرية في استعارة لمراحل صعبة ومتقلبة من النمو البيولوجي والسيكولوجي للبشر، لكي نستفيد من عبثية المعنى هذا في إيصال ما وددنا الإشارة إليه من أصول الخلاف، أو ساعدت على تكريس الخلالف خلف نوايا وأمزجة مرامي السلط الاستقلالية المستمرة في إعادة إنتاج نفسها في البلدين، بل تكاد تكون هي تجربة الحكم القطري في العالم العربي ككل، دونما استثناء، فعظمة اللحظة الوطنية ووهج خطابها الملازم لحجم البلدين وأهليتهما، بل رغبتهما في تزعم المنطقة، كان له سحره على وقع المجتمع عبر مختلف شرائحه، بل هو مستمر لدى بعض القوى التي لا زال لها استعداد على تمثل هذا الخطاب.
فبذات الطبيعية الشعورية التي وعى بها المواطن في البلدين الآخر «المستعمر» راح يتمثلها في نطاق ممارسته للقطرية الاستقلالية ويرى بها الآخر الجار الشقيق، بل ربما بشكل أعظم، إذ في الوقت الذي كان فيه المواطنون من البلدين يصولون ويجولون بحرية في بلاد مستعمر الأمس، تغربت أجيالهما عن ديار بعضها بعضا، بفعل الانغلاق الحدودي المادي منه والرمزي! فاستطالت المراهقة القطرية تلك وتقزم الوطنان وفي ربيع حياة الأمم والأوطان، وتأزم نتيجة لذلك وضعهما الصحي في مسرح التاريخ.
ثمة مجال آخر مرجعي في تشكل ما سميناه الحالة الجزائرية المغربية، وهو ضعف الميراث السياسي في بعده التأسيسي لا التحرري، في البلدين، فكل الأحزاب والجمعيات السياسية العريقة، كانت قد رأت النور في عهد الاستعمار، فطبيعة مولدها ونشأتها جعلها بالضرورة تحررية، وما زاد من عثرات في سبيل تطورها وحال دون تحولها من التحررية إلى البنائية، هو أنها ألفت نفسها في حالة صراع مبكر وضار مع السلطة الاستقلالية، التي سعت إلى إطالة قلق لحظة الاستقلال، مذ ورثت عن سلطة الاستعمار المجتمع بكامل وعي أشيائه وأشياء وعيه، بما في ذلك أسلوب وسقف وحدود ممارسة الحق السياسي والمدني، في نظرة منتقصة من دور الحركة الوطنية والفعاليات السياسية بشتى تشكيلاتها ومرجعياتها الأيديولوجية والتنظيمية، فتفردت السلطة وانفردت برسم وصياغة آمال وآلام البلد، بل أشاعت خطاب الخيانة لكل من سعى للتحرر من رؤاها وقراراتها المتعلقة، خاصة منها بقضايا الخارج، فتم تأميم ملفات الدبلوماسية وتوجهات التعاون الخارجي بشكل كلي، وحالما اتسع هامش الحرية والمشاركة السياسية بداية العقد الأخير من القرن الماضي، اتضح أن الإرث كان أعظم من أن تنوء الأحزاب والحركات السياسية الجديدة عن حمله، فضلا عن تصفيته وتسويته.
أيضا في ظل القطيعة بين المعارض السياسي غير الصوري، والمجتمع، والتأخر في عملية استلام، حتى لا نقول استعادة، المثقف والنخبوي عموما لسلطته الموازية والرمزية في المجتمع، أعيق مسار انبلاج وتطور مجتمع مدني، سياسي قوي في تجربة البلدين، فطغى التناول والتفاعل المخلوط والمغلوط لكثير من المفاهيم التي تروّج في الخطابات الإعلامية والسياسية بين المواطنة والوطنية، الوطني والسياسي، والموالي والمعارض، فتأسس نسق معرفي بالتاريخ الوطني على خلفية خطاب السلطة مجاف لحقيقة المعرفة الموضوعية، وهو ما بات يتكسر في الجزائر مثلا، بالمذكرات والمذكرات المضادة التي يكتبها صناع القرار بالأمس، تفند في معظمها كثيرا مما حرصت المدرسة الجزائرية عبر مختلف أطوارها على تلقينه كمادة تاريخية للتلاميذ. فالنخبوي في البلدين، ليس فقط نأى عن إعمال المبضع النقدي لأطاريح، بل انساق وراء فكرة دولة الاستقلال الذي ربما كان له ما يبرره في لحظته الأولى، بيد أنه كان المفترض بعد مبارحة المراهقة القطرية، أن تتحول النظرة إليه بوصفه تراثا قُطريا لا غير، تداخلت فيه الحقائق بالمغالطات وتفاعلت فيه الأباطيل بالأساطير، تماما كما حصل مع سرديات تاريخ أمة الإسلام التي لا تزال بجهود إحيائها، رغم موتها التاريخي الحتمي من بعض الدهماء، تأجج نيران الخلافات والاختلافات بين أبناء الأمة.
والخلاصة هي أنه لا جدوى مطلقا من الاكتفاء بحصر دائرة الضوء لفهم الحالة الجزائرية المغربية المأزومة في زاوية سلطتي البلدين، طالما أن الشعبين لم يتحررا وعيا ومسؤولية من خطاب تينك السلطتين اللتين تأسستا في ظرفية خاصة، أعيد فيها صياغة واكتشاف الذات من المرأآ الوجودية القطرية، وهذا ما يعني أن الإشكال هو أعمق من خلاف فوقي طالما هو مرتبط بوعي قاعدي يقتضي إحداث قطيعة، مع صدى الخطاب القطري التأسيسي الأول، والمصيبة أن ذلك كله تراكم مع حالة الاحتباس الشعوري النفسي لدى الشعبين اللذين تغربا عن بعضهما بفعل القطيعة الجوارية بشكل وحجم دراماتيكيين لم تشهدهما لربما أي من الحالات المتشابهة، وهذا مذ تفجرت قضية الصحراء منتصف سبعينيات القرن الماضي، رغم ما تخللها من انفراج سرعان ما كان يتعرض لانفجار لا يُعرف مصدره ولا يقاس مداه.
٭ كاتب صحافي جزائري
بشير عمري