العجوز دريد لحام يدفن شاب «غوار الطوشه»… وداوود الشريان يفلت من «متاهة» المخابرات السعودية

صدق صاحب القلم المبدع إبراهيم جابر، وهو ينعى لنا في الأمة «غوار الطوشة» بعدما دفنه بين يديه النجم السوري العجوز دريد لحام، إثر مداخلته الشهيرة الأخيرة، التي أعادت بثها مرارا وتكرارا فضائية النظام السوري وإحتفى بها تلفزيون العالم.
دريد لحام ينثر شعرا وغزلا في المرشد الإيراني آية الله الخامنئي ويمتدح ميليشيات حزب إلله ويصفق لموسكو بعدما ظهر مرات عدة، وهو يمجد نظام دمشق.
لم يبق للحام طاغية إقليمي إلا وإمتدحه، وقد لا نستغرب قريبا إذا ختم حياته بمسلسل يمجد مسيرة العقيد سهيل الحسن، الملقب بالنمر، خصوصا في مجال قتل الشعب السوري.
في الذاكرة العربية آلاف الطغاة من جعفر نميري لحسني مبارك للخليفة البغدادي لغيرهم .
يمكن توفير عشرات القصص المماثلة لأغراض أعمال فنية تدفن ما تبقى من «غوار الطوشة»، ذلك الفتى المحتال، الذي تربينا عليه، ونحن أطفال، كما يقول الصديق جابر.. نعم بعدما قبل بمهمة الغزل بخامنئي، مات «غوار الطوشة» إلى الأبد والرحمة فقط لرفاقه الذين سبقوه إلى موت مشرف بدون تسحيج، مثل حسني البورازان وياسين بقوش وأبو عنتر وقبلهم جميعا محمد الماغوط.
المأسوف على شبابه «غوار الطوشة» يغادر الذاكرة تماما والعجوز دريد لحام ينطبق عليه القول الشعبي المأثور «ما أسوأ من شب تغرب إلا ختيار ماتت أجياله».

قصص من بلدي

أبت الطرافة أن تفارق أهلها في البيروقراطية الأردنية، حيث تكثفت في أسبوع واحدة ثلاث قصص كل لواحدة «ألعن من أختها»، دون ادنى إلتفاتة من أي وزن من شاشة الحكومة اليتيمة، رغم أن «سكاي نيوز» و«بي بي سي» إهتمتا مثل «الجزيرة» ببث رسائل مختصرة عن تلك الطرائف المحلية .
سأروي بإختصار.. يطلب مساعد باحث فرنسي من دائرة الآثار العامة التدقيق في مسكوكات ذهبية تاريخية معروضة في المتحف الوطني، ويحصل الرجل على ما يريد ويكتشف من النظرة الأولى بأن المسكوكات «مزورة» ليتبين بأن أحد الشطار غافل الجميع فسرق المسكوكات الذهبية وإستبدلها باخرى من «التنك».
يعني ذلك بأن الجميع في دائرة الآثار «نائمون»، واللص الظريف – وهو على الأرجح «من أهل الدار» – سرق وإستبدل، وبكل بساطة وخفة، لكن المسروق اليوم هو تاريخ الدولة الأردنية، وليس شيئا يؤكل أو يلبس .
الأطرف أن جهة عبقرية ما قررت أن يكون التحقيق سريا… ما علينا هيا بنا للحادثة الثانية.
تقرأ الحكومة حالة الجو ويقدم محترف شاب قراءة موازية.. تصدق رواية الشاب واقعيا وتخطىء رواية الحكومة، فيزور رئيس الوزراء دائرة الأرصاد الجوية، ويربت على أكتاف المخطئين، ثم يصدر في اليوم التالي تماما وخلال أقل من نصف ساعة قانونا كاملا لمعاقبة الشاب، الذي أصابت روايته كبد الحقيقة.. هذه الفضيحة حصلت هنا بدون سرية .
الثالثة أبسط وأسهل.. يتقدم شبان سينمائيون بفيلم إسمه «ذيب» للهيئة الملكية للأفلام أملا في الدعم.. الهيئة التي تقيم في فيلا فخمة في ضاحية راقية في العاصمة تحتقر الفيلم وأصحابه .. باللغة الدارجة بـ «تحلقلهم على الناشف»… يتقدم الفيلم لجوائز «أوسكار»، وينافس على أول ثلاث جوائز عالمية خلافا لحزمة جوائز فرعية دولية…عجبي .
ثمة ملاحظة رابعة لا بد منها: تطلق وكالة ناسا الأمريكية – ما غيرها – إسم طفل أردني عبقري في الرياضيات على أحد الكواكب المكتشفة حديثا… أنا شخصيا لم أسمع بأي وسيلة إعلام محلية أو حكومية إهتمت بالموضوع .

الكيلاني والشريان

المواجهة بين إعلامي الصراحة في الفضائيات السعودية داوود الشريان و«متاهة» وفاء الكيلاني، لها طعم خاص، فهي أشبه بمن يلعب الورق مع خطيبته أو بسهرة ضمن العائلة الواحدة، ليس بسبب ملكية الفضائيات، التي تنتج برامج الزميلين.
ولكن لأن الصراحة والأسئلة الحرجة، التي تبدو خارج المألوف هي لعبة الزميلين أصلا وإن كانت وفاء قد «جاملت» قليلا الشريان، بعدما إرتدى لمواجهتها دشداشة تقليدية فعالجته برداء أسود مغرق في الإحتشام، تخلصت فيه من قميصها المكشوف الشهير لأغراض المقابلة الجريئة بكل الأحوال.
الرجل – وأقصد الشريان- كاد ينطقها ويقول «ليت المخابرات السعودية تتطور حتى تستطيع توظيف الأذكياء أمثالي».. المذيعة اللامعة خاطبته قائلة: أنت رجل مخابرات برتبة «إعلامي»؟ رد صاحبنا: مخابرات إيش يا بنت الحلال؟لاحقا أصدر الشريان تمتمة يفهم منها أن أمثاله لا تحتمله أجهزة المخابرات، بمعنى تخفق أصلا في إصطياد وإستقطاب الأذكياء وكثار الغلبة والنقاش.
صديق أردني بارز يصر عندما نتحدث عن أجهزة المخابرات العربية على إجراء دراسة إستقصائية مؤلفة من سؤال واحد: ما هي نسبة العلامة المئوية التي يحملها في الثانوية العامة العاملون في أجهزة المخابرات في عالمنا العربي؟ بمعنى آخر وبالدارجة الأردنية «كم علاماتهم في التوجيهي؟.»
صديقي يصطاد في المياه العكرة وهدفه إقناعي بأن الأغلبية ستكون من فئة «زئني وخود بوسه»، يعني من جماعة «الطشي» بالمدرسة.. بلغة عربية من الذين نجحوا على الحافة وبالكاد تجاوزوا إمتحان الثانوية العامة.
طبعا لا توجد لدي أدلة ومعطيات، ولا أرقام ولا أتبنى مثل هذا الإستنتاج، وفي الحالة الأردنية على الأقل أعرف عشرات بل مئات الإعلاميين والسياسيين والنقابيين والبرلمانيين الذين يطاردون المخابرات للجلوس في حضنها، وهي تتجاهلهم، رغم لهاثهم وراء رتبة «مخبر متقدم»، أما صاحبي الشريان فأنا معه.. هو أذكى وأهم من أن تستقطبه المخابرات فرجالها على الأرجح يفضلون «الجحش على الحصان»… تلك دوما قصة أخرى ومبرراتها كثيرة تبدأ من عند إحتراف الراكب ووعيه وطول أو قصر رجليه ومستوى العلف والملحقات.

شحنات باسم يوسف

قال لي زميل سعودي يوما: التساؤلات ذات الصنف السياسي الحرج هي أكثر ما يثير حساسية وغضب الإعلاميين السعوديين… وفاء الكيلاني وهي ترتدي ما خف وزنه وغلا ثمنه من الملابس على الأرجح مطلعة على المسألة.
ولذلك لم يظهر الفاصل الدعائي الخاص بحلقتها مع داوود الشريان متقدا ومشتعلا، كما كان الأمر مع باسم يوسف، الذي تمكن أمام الكيلاني من تفريغ بعض شحناته ضد نظام السيسي.
شحنات باسم يوسف، وفي حلقة ساخنة للغاية بدت كالموجات العصبية ظهرت جليا، فالرجل الذي ساهم في تمجيد الإنقلاب وطالما سخر من الإخوان المسلمين لا يستطيع للشهر رقم 13 العودة إلى وطنه (والبقالة، التي حولها نظام السجين محمد مرسي للنيابة) أقفلها تماما نظام السيسي، حسب يوسف نفسه.

مدير مكتب صحيفة «القدس العربي» في عمان

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية