محمد بنعزيز
في كل مرة تقع أحداث إرهابية في المغرب، تتعالي أصوات الإدانة، يُحيي رجال الأمن ويتم الرفع من درجة الإجماع ضد الظلاميين الإرهابيين المجرمين الضالين المفسدين في الأرض… يوحي هذا الإجماع وكأن المسألة منتهية وأن العملية الإرهابية الأخيرة كانت مجرد خطأ استثنائي وأنه لن تكون هناك عملية قادمة أبدا.
بناء علي هذا الافتراض ينتصر الوعي السعيد ويسود الاطمئنان، وينزل جدار من الصمت وتمضي الأيام، ثم تُكتشف خلايا جديدة وتقع عمليات أخري، يتصنع البعض المفاجأة، يتساءل من أين جاءنا الإرهابيون، لا يجرؤ أحد علي التوضيح لم يأتوا من المريخ، كل فاتح نقاش سيتهم بتبرير الإرهاب، الأفضل هو بناء جدار الإجماع نحن مغاربة مسالمون وطنيون متسامحون، ممتاز، هذا الجدار يتحول إلي حجاب للحقيقة، وحدهم الاستئصاليون ينددون بحزب العدالة والتنمية، وكأنه لو حل هذا الحزب نفسه لاختفت أيديولوجية الإرهاب ولزال الإرهاب من المغرب. لن يحصل هذا بين يوم وآخر، يبدو أن وصفة الدكتور كنوك تلاءمنا، فقد زارته عجوز تعاني من ألم في ظهرها، والسبب أنها وقعت من سلم في صغرها، لذا اقترح عليها بطل مسرحية جيل رومان أن يستمر العلاج طيلة نفس المدة التي دامها المرض. متي بدأ المرض في المغرب؟ هذا توصيف لوقائع محددة تواترت منذ نهاية الثمانينات علي الأقل: في بداية كل موسم دراسي، تشرع جمعية إسلامية ذات مقر ونشطاء منضبطين في تنفيذ خطة استقطاب مجربة، بغرض ضم مريدين جدد من الثانويات. تقوم الخطة الموجهة للتلاميذ المتوسطين علي قيام التلاميذ المنخرطين سابقا في الجمعية بإعداد لائحة التلاميذ الجدد وتسليمها لمسؤول في الجمعية، يقوم هذا المسؤول بتوجيه دعوات شخصية مكتوبة لهؤلاء التلاميذ لحضور نشاط ثقافي في المقر، وغالبا ما يعتبر التلميذ الجديد الدعوة تشريفا له فيسارع للحضور، للاكتشاف، وقد يتأثر فيداوم علي الحضور. يشمل، ما يسمي بالنشاط الثقافي، أناشيد إسلامية، ثم القيام بواجبات المؤمن في المسجد الخصوصي للجمعية، تتبع ذلك متابعة مواعظ لكسب الدنيا والآخرة حول الصحوة والدلالات الحضارية لغزوة بدر والإسراء والمعراج وشروط الصيام الصحيح ودور المؤمن في محاربة مجتمع الجاهلية الجديد. وبعد حوالي شهرين من التعبئة المفتوحة تعقد جلسة حاسمة تشمل خطبة وأسئلة ودعوات وصلوات وتكبيرات… وفي جو حماسي وتعبوي شديد بالنسبة للمراهقين، يطرح مؤطر الجمعية سؤالا مباشرا:
ـ إن يد الله مع الجماعة، والشيطان وحده يكون خارج الجماعة، أبنائي الأعزاء، سنفتح باب الانخراط. من الصعب علي مراهق في السادسة عشرة أن يقف لوحده وسط القاعة لينصرف، يكون تحت ضغط نظرات الحاضرين، مما يضطره لينجرف مع الحماس أو يبلع لسانه، مما يعرضه ثانية لضغط زملائه، بدعوي أنه ليس رجلا لم يعلن موقفه. وبهذا الشكل يكون أمام خيارين متقاربين، إما أن يعلن بوضوح انخراطه فيتم تجنيده لاستقطاب تلاميذ جدد أو أن يبقي متعاطفا يمثل وقودا لأنشطة الجمعية والجهات التي تقف خلفها. التلاميذ الذين ينخرطون، يتم إخضاعهم لاختبار ومراقبة للتأكد من صفاء النية وصدق السريرة، فإن نجحوا فإنهم يتعرضون للخطوة الموالية وهي غسل الدماغ. بالنسبة للتلاميذ المتفوقين، يتولي المنخرطون القدامي مصاحبة المرشحين للاستقطاب لحين تعودهم علي الحضور بشكل منتظم إلي مقر الجمعية للاستفادة من دروس الدعم والتقوية لوجه الله تعالي. في البداية يندهش التلاميذ لفصل الجنسين، لكنهم يتعودون مع الوقت. تشمل دروس الدعم مراجعة في مواد أساسية لمدة أسبوعين ثم مرحليا يتم فتح نقاشات موازية خفيفة حول أمور الدين والدنيا، ومع الزمن تتخصص هذه النقاشات في أمور الدين لتجنب الدنيا الوسخة الزائلة، وغالبا ما يكون هذا أكثر تأثيرا في تلاميذ الشعب العلمية، لسببين الأول هو شدة حاجتهم للدعم في الرياضيات والفيزياء والثاني هو ضعف اطلاعهم علي القضايا العامة. التلاميذ الذين يواظبون علي حضور دروس الدعم والمناقشات الدينية يخضعون للمراقبة فإن نجحوا في اختبار صفاء السريرة فإنهم يمرون للمرحلة الموالية. في الخطوة الثانية وهي غسل الدماغ، يتم رفع الإيقاع عبر الاشتغال علي النقاط التالية: 1ـ التثقيف الإسلامي: توزيع كتيبات تعبوية لدعاة مشهورين بغرض مطالعتها وتلخيصها لاستخدامها في الدفاع عن الصحوة ضد مستوردي الأيديولوجيات الضالة ومن هذا حذوهم من إشتراكيين وعلمانيين وملاحدة وزنادقة. 2 ـ جلسات للدعوة لمتابعة عروض عن موبقات العصر وكبائر الزمان وأخطرها ترك شرع الله لإتباع شرع الغرب وإباحة تبرج المرأة وهي عورة. 3 – الإفطار الجماعي المجاني في رمضان لصلة الرحم، وهكذا أصبحت الحريرة أداة للتعبئة.4- التبشير بآفاق الصحوة وهي إرشاد الضالين إلي الطريق المستقيم، الإيمان هو الماء الذي يحيي الروح، إن لم تنفع الدعوة بالكلام، لزم الجهاد ضد المرتدين حكاما ومحكومين. 5 ـ عرض أشرطة فيديو تبرز سير المؤمنين الذين نذروا أنفسهم وأموالهم للجهاد، وذلك بغاية حث جنود الله للاستعداد والتزود بالعزيمة والبصيرة لإصلاح البلاد والعباد… وتتبع ذلك صيحات التكبير والتهليل لشحذ عزيمة الرجال والمقصود بهم مراهقي الثانوية.
هكذا تشتغل الجمعية، يسهل عليها استقطاب التلاميذ أكثر من أي حزب، ولتتميم الحلقة، يمارس بعض أعضاء الجمعية أنشطة أخري، يملك بعضهم روضا أو مكتبة، في الروض يسيطر الظلاميون علي تربية النشء، تتسلم الأخوات الأطفال لتشكيل وجدانهم منذ الصغر، ولأن أسعار التسجيل رخيصة فإن الأسر تتسابق لإرسال أطفالها إلي تلك الروض، فهي أقل كلفة من الروض التي تتطلب دفع تأمين ومبلغ شهري للروض وآخر سيارة النقل المدرسي، فالحداثة مكلفة، الفقراء لا يقدرون علي ثمنها لذا يختارون غيرها. في المكتبة، ثلاثة أرباع الكتب المعروضة دينية ورخيصة الثمن. من بين تلك الكتب: كيف تطبخين البيض، الدعاء المستجاب، الوصية الشرعية، معركة الإسلام والرأسمالية، واجبات الزوج الجنسية، في ظلال الجنة، ليلة القدر، الطبخ المغربي، ما يجوز وما لا يجوز في الحياة الزوجية، التداوي بالأعشاب، حوار مع جني مسلم، كيف تتعلم الألمانية في خمسة أيام دون معلم، أبراج السنة، أهوال القبور (الطبعة العاشرة)، تاج العروس، حوار مع صديقي الملحد، عصر الشهادة، جاهلية القرن العشرين، معالم علي الطريق… بالإضافة إلي هذا تبيع المكتبة النموذجية العطور التقليدية: مسك عنبر بخور حبة سوداء صحون مقعرة ألعاب فيديو وحجاب المرأة المسلمة.
الأشخاص الذين يفلتون من هذه الشباك، يتم صيدهم بواسطة صنارة العلاقات الأخوية بفضل فعالية الخطاب الشفوي في مجتمع أمي، يتسلط الإخوان علي شخص يحدثونه عن الصلاح والفلاح ويرافقونه لبضعة أيام، يتعرض فيها لغسيل مخ مركز يستثمر السيطرة المطلقة للثقافة الدينية علي الوعي الشعبي، بعد مدة يكرر ذلك الشخص مثل الببغاء كل ما سمعه، وقد حصل لأشخاص أن غيروا نمط حياتهم في شهر، أي تابوا فجأة، فصار التطبع يغلب الطبع، ويوجد شبان عاديون تحولوا إلي انتحاريين في مدة قصيرة، لقد قيل لهم ـ نقلا عن كتب التفسير ـ أن المجاهد لا يموت ولا يجتاز الصراط المستقيم بل يدخل الجنة بغير حساب، وتكون له زوجة من الحُور العِين. هذا ما يفتقده الانتحاري في الدنيا. هذا التكوين والاستقطاب السريع يفتقده اليساريون، لأن تكوين شاب يساري يحتاج سنوات من المطالعة والمناقشات والفهم العميق للظواهر الاجتماعية، في حين أن الثقافة الدينية والشعبية القدرية السائدة في المجتمع المغربي تسهل عمل الإسلاميين، خاصة علي صعيد الجهاد، بدعوي أن الجهاد فرض علي كل مسلم وتغيير المنكر واجب، والمنكر هو ما يترتب عن الحرية الفردية بالمفهوم الغربي.
هذا وصف لنموذج حي، وهو يقدم طريقة تواصل النشطاء الإسلاميين مع الأوساط الشعبية، عن طريق الانغماس في الحياة اليومية للمواطنين أو عن طريق القيام بأنشطة ثقافية، بينما هي دعوة في العمق، وهما أمران مختلفان: – الدعوة تكون عمودية، من الأعلي إلي الأسفل، من الداعية العارف العالم المهتدي إلي الرعية الجاهلة، النساء في جانب والرجال في جانب، الدعوة سؤال وجواب، وكل الأجوبة قدمت في العصر الذهبي، قضايا العُروض محددة مسبقا، الإستشهادات مشهورة، الاستجابة المنتظرة محددة، ثم تنتهي جلسات الدعوة باتفاق شامل وبجو تعبوي يختتم بدعاء وحوقلة. – النشاط الثقافي أفقي، بين أفراد متساويين، وجهات النظر متساوية في احتمال الصحة والخطأ، النشاط الثقافي اختلاط وإبداع، ولا إبداع دون أنوثة، النشاط الثقافي يتأسس علي تنوع شديد في المواضيع، أغان ومسرح وسجال، ينتهي النشاط الثقافي محتفيا بالتعدد، يفرز وجهات نظر جديدة قابلة للتخصيب… الدعوة تروج الإيمان، الثقافة تروج المعرفة. نتيجة لهذه الممارسات وللخلط بينها، صار المغرب خزانا للإرهابيين المحتملين، للخلايا النائمة، أشخاص عاديون، لكنهم مادة خام للتعبئة، ينفذون خطط وبرامج قيادات إرهابية عالمية تتواصل معهم عبر الإنترنيت والقنوات الفضائية… لكن لا ينبغي اختزال سبب الإرهاب في هذه القيادات، فقد صرح الوزير المنتدب في الداخلية عالي الهمة أن إرهاب 11 آذار (مارس) 2007 منتوج مغربي، وبالنظر إلي المدة الطويلة التي تشكل فيها هذا المنتوج عبر ترسخ وتوسع فيها أشكال الاستقطاب الإسلامي في المغرب، وبالنظر أيضا إلي أن جل الانتحاريين المغاربة شبان، أي أن المستقبل أمامهم. سيرد أي محلل وطني بلغة الخشب قائلا إن المغاربة مسالمون واستثنائيون، ولكنه لن ينفي احتمال حدوث عمليات إرهابية في المستقبل، وعليه لا يري المحلل الحصيف التناقض بين سمات المغاربة وما يفعله بعضهم، وعليه سيجد صعوبة في تفسير ما يجري، لذا عليه أن يراجع بعض مسلماته ليدرك أن الإرهاب منتوج محلي، ينبغي التعايش معه الآن والتخطيط لاجتثاثه في المستقبل، وذلك علي محورين:1- تقليص الأسباب السوسيواقتصادية للإرهاب، تقليص نسب الفقر والقضاء علي اللامساواة التي تشعر الشبان أنهم مذلون مهانون لكن يجب أن تقع تغيرات في المحيط الدولي أيضا، يجب أن يتغير الشرق الأوسط قليلا ليستقر بعد ستين سنة من القلاقل ومن مقتل حسن البنا. 2- تحقيق نصر أيديولوجي علي ثقافة الإرهاب، محو فكرة الجهاد من الثقافة السياسية والدينية، فحاليا، لا يوجد مسلم ينكر أن الجهاد فرض، مع فارق بسيط، المسلم المتشدد يقول إن الجهاد فرض ويفكر كيف يجاهد، أما المسلم المعتدل فيقول إن الجهاد فرض ولكن… وهذه أرضية خصبة يسهل حرثها من طرف مؤطري القاعدة، لذا ينبغي مراجعة الاعتقاد الشائع بوجوب تغيير المنكر علي كل فرد، لأن هذه الفكرة هي التي تشحذ الأفراد للانتقال من الاعتقاد بتغيير المنكر إلي العمل علي تغيير المنكر باليد والديناميت. إذا لم نواجه هذين المحورين بفعالية ومن الآن، يتوقع أن ترهن أجواء مكافحة الإرهاب مستقبل المغرب لثلاثين سنة قادمة علي الأقل. الوقت عامل حاسم في العلاج إذن.