معتقل غزة يبحث عن سجّان

حجم الخط
0

غزة سجن كبير، هذا الأمر اتفق عليه الكثيرون، ولكن السجّان الذي عليه أن يقف علي بوابة هذا السجن هو الذي لم يتفق عليه أحد، وهذا بالأخص، بعد ما حدث في غزة من حسم، ووصول الحالة الفلسطينية إلي ما هي عليه الآن.

المطلوب سجّان يقبل بأن يؤدي وظيفة الوقوف علي بوابة غزة والمسماة معبر رفح. بعد الحالة الماثلة، فالسلطة لم تعد موجودة علي المعبر، والاتفاقات السابقة بشأن المعبر هي موقعه معها، والأوروبيون وغيرهم لا يزالون يفكرون ضمن دائرة العقاب الجماعي الذي يرون أنه فرصة مناسبة لمعاقبة المعتقلين في السجن الكبير المسمي غزة.

غزة، محكوم عليها وفق القيم الإنسانية المعاصرة، بأنها أكبر من معتقل، فهي منطقة منكوبة بكل المقاييس، فيها كل أنواع المعاناة والمرارة، ولكن لا احد يلتفت إليها ولا إلي معاناة مئات الآلاف الذين يعيشون فيها، باعتبار حالة الإباء التي يتميز بها أهلها، غير مناسبة في هذا الوقت العربي الذي يتسم بالخنوع والتشرذم.

وهكذا كانت غزة، وكانت اتفاقيات المعابر المذلة بعد جلاء الصهاينة عنها، فهي ليست منطقة ذات سيادة، ولا تملك حق الحدود والمجاورة، ولا حتي مع البحر، الذي يصبح حدوداً طبيعية لأي كيان في العالم، غير أن غزة، عندما تجاور البحر، يصبح هذا البحر وفق عرف الكون حدود الاعتقال أيضاً.

السيادة، ذلك الوهم الذي يتحدث عنه الكثيرون، فالسيادة الفلسطينية ليست علي الماء ولا الكهرباء، ولا الهواء، ولا السماء ولا البحر ولا الصحراء، والشيء الوحيد الذي من الممكن أن تكون عليه سيادة داخل غزة، هو المجاري، وجمع القمامة، وربما لا تكون هناك أيضاً سيادة علي المجاري، فيمكن أن تفيض وتغرق بيوت الفقراء، كما حدث منذ فترة أمام أعين العالم الظالم، الذي لا ينام إلا علي كلمات وأناشيد الحرية وحقوق الإنسان. نحن في غزة سوف ينفد عندنا عما قريب الكثير من المستلزمات، وأهم الأشياء التي علينا أن نحدثكم بها، هي أن القطاع الإنتاجي البسيط والضعيف قد توقف تماماً لأن المواد الخام لم تعد موجودة في الأسواق، ومحظور علينا شراءها، بسبب ذلك السجّان الذي لم يأت بعد ويتسلم معبر رفح وينقذنا من هذه المشكلة، وبالتالي سنكون بعد فترة من الزمن، عاجزين عن الحصول علي الكثير من الأشياء، وأهمها الملابس، وبالتالي لا مانع أن ترسلوا لنا ملابس جاهزة، شرط أن تكون برتقالية اللون، مثل المستخدمة في غوانتنامو.

نحن بدورنا نعرف أننا في سجن كبير، ونعرف أنه أحيانا داخل السجن يحدث عراك بين السجناء هنا وهناك، ولكن في نهاية الأمر، هناك قبضة للسجان، فيعزل هذا عن هذا، وربما تكون قبضة السجان هي الأساس في الخلافات الفلسطينية التي لا تزال تتأزم باستمرار، لكن المشكلة، عندما تكون علي جدران السجن من الداخل بعض الصور الفوتوغرافية التي يدخلها السجناء عادة علي مهاجعهم، المشكلة عندما تصبح هذه الصور، حقيقية في الأذهان، فينسي السجناء للحظات هذا السجن، ويخوضون ذلك الصراع، بحثا في عالم الوهم، الذي سرعان ما يتبدي صورة لا أكثر ولا اقل، فكل شيء حولك مجرد صور لا حقيقة لها مطلقاً. بعيدا عن الصراعات، والكثير القادم منها، كل ما نريده الآن، هو أن يقبل بنا أحد السجانين، ويرضي بالوقوف علي بوابة سجن غزة، لننتهي من قصة المعبر، بانتظار سيادة، تلك السيادة التي لم تأت يوماً؟

ايمن خالدرسالة الكترونية6

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية