الطائرات التي حلقت في الأجواء السورية بارتفاع منخفض فوق منطقة اللاذقية تبدو حكاية مفبركة تخبئ الحكاية الحقيقية

حجم الخط
0

هذا يبدو مثل صورة خيالية وهمية. أمام عينيك يحدث شيء ما علي ما يظهر، ولكن هذا ليس ما يحدث بالفعل. الطائرات التي حلقت في الأجواء السورية حسب ادعاء السوريين بارتفاع منخفض فوق منطقة اللاذقية تبدو مثل خيال وحكاية مفبركة تخبئ الحكاية الحقيقية.

في غياب الرواية الاسرائيلية لما حدث، لا يتبقي إلا الاعتماد علي الوصف السوري للأحداث. ومما يتحدث عنه السوريون تظهر صورة غريبة جدا في أقل تقدير. صورة تغلغل صاخب قامت به طائرات سلاح الجو في منتصف الليل في الشمال السوري. من الصعب عدم الاعتقاد بأن هذه الطائرات قد فعلت كل ما في وسعها في الواقع حتي يكتشفوها.

يجب ان يكون لهذا العرض الجوي المدهش سبب يبرر قبل كل شيء المخاطرة بحياة الطيارين. هذا السبب يجب ان يكون مبررا لدرجة خطورة تسبب الحرارة التي ستتركها عملية التحليق هذه باشعال الريش المنتشر علي الحدود.

سلاح الجو حلق في أجواء لبنان وسورية في الماضي البعيد والماضي الأقرب. التطلع كان الوصول الي وضع يكتشف فيه العدو عملية التغلغل الجوية في مرحلة متأخرة جدا، هذا اذا اكتشفها أصلا. سلاح الجو يمتلك الوسائل والمعلومات للقيام بذلك. وبالفعل، في جزء لا بأس به من الحالات لم يعرف العدو أن الطائرات الاسرائيلية قد زارته، وفي جزء آخر اكتشف ذلك في مرحلة لا تشكل خطرا علي هذه الطائرات ولم يصرح بذلك علانية حتي لا يحرج نفسه.

ووفقا لشهود العيان السوريين، حلقت الطائرات الاسرائيلية بارتفاع منخفض لفترة طويلة قبل ان تجتاز الحدود، الامر الذي أتاح لمضادات الطائرات السورية الاستعداد لاستقبالها ـ هذه الطائرات أصدرت اصواتا خارقة لحاجز الصوت في سماء سورية ولاحظها المواطنون، ومن ثم قامت مضادات الطائرات السورية باطلاق النار عليها. استعراض جوي حقيقي. هذا الاستعراض الذي يأتي في ظل محاولات المستوي السياسي في اسرائيل بث رسالة بتخفيض التوتر مع السوريين طول الوقت، ليس منطقيا ولا مقبولا. سلاح الجو لا يتصرف بهذه الطريقة. ذلك لان كل عيون المنظومة الدفاعية السورية مُركزة عليه.

لماذا حلقوا الي هناك؟ ذلك لانه ليس من المنطقي ان يكون احد ما قد قرر فجأة بأنه يرغب في التصوير ليلا في شمالي سورية أو العراق أو مناطق اخري. كما ان محاولة توضيح هذا الاستعراض الجوي علي أنه تفحص للجاهزية في جهاز الدفاع السوري في تلك المنطقة تحديدا علي الحدود التركية، في الوقت الذي تنتشر فيه اغلبية الجيش السوري قبالتنا ـ ليس منطقيا.

في وسائل الاعلام العربية يدّعون بأن الطائرات قد ألقت بنوع من الذخيرة علي الارض. هذا لا يتطابق مع وصف التحليق الخارق لحاجز الصوت الذي ترك من ورائه ذيلا من الفرقعات. الطائرات التي تحمل الذخيرة الخارجية من القنابل لا تقوم بطلعات خارقة لحاجز الصوت.

القرارات بالقيام بتحليقات من النوع الذي نفذ أمس وفقا لادعاءات السوريين اذا كانت صحيحة، تُتخذ علي يد المستوي السياسي: رئيس الوزراء، وزير الدفاع، واحيانا المجلس الوزاري الأمني كله. مثل هذا القرار هو اختبار أعلي لعقلانية وقدرات القيـــادة مـن عِلم وخبرة وفهم ومسؤولية. اسرائيل الرسمية تختار وفقا لما يجري الآن سياسة التعتيم. في بعض الاحيان يهدف هذا التعتيم الي إخفاء خطوات استراتيجية هامة وإبقاء الخصم في وضع الجهل وعدم معرفة ما يحدث. هذا التعتيم يرمي ايضا الي عدم التحرش بالعدو بصورة مفرطة حتي لا يكون مضطرا للرد وتركه يتمتع بالوهم بأنه قد نجح، مثلا بازالة وإبعاد سلاح الجو من الأجواء السورية.

ولكن في بعض الاحيان يرمي التعتيم الي إخفاء قرارات اشكالية ومخاطر غير محسوبة ومغامرات. ولأننا لا نمتلك القدرة علي تحديد ما يختفي من وراء هذه الطلعة الجوية، لم يتبق إلا أن نأمل بامكانية الاعتماد علي الاشخاص الذين اتخذوا القرار والوثوق بهم. وزير الدفاع باراك هو شخص مُجرب، ورئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي هو شخص اختصاصي متميز، أما رئيس الحكومة فربما أصبح أكثر نضجا بعد لجنة فينوغراد.

ايضا لم يتبق إلا الأمل بأن لا تكون هذه الثلاثية قد بذلت كل الجهود والخطورة العالية المذكورة فقط من اجل خطوة تكتيكية ما وتحسين وضعنا غدا صباحا. عملية مبررة فقط اذا كان هدفها هاما، أي عملية تكون ناجعة حتي بعد سنوات طويلة. التكتيك يجب أن يبقي لغزة. سورية ليست غزة.

في الوقت الحالي يبدو ان الغضب والشعور بالمهانة لدي السوريين يوجه نحو جدل مفزوع تجاه الداخل، الامر الذي قد يضمن بأن يُسجل الحدث في الأمس كحادثة ميدانية وموقعية اخري تمخضت عن ذروة صغيرة ولكنها لم تُغير التوتر الدائم أصلا بيننا وبين السوريين في السنة الأخيرة من حيث الجوهر. هذا الحدث كشف ايضا حقيقة أن التصريحات في اسرائيل حول انخفاض التوتر بيننا وبين السوريين كانت مبكرة جدا.

اليكس فيشمانمراسل عسكري في الصحيفة(يديعوت احرونوت) 7/9/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية