جمال محمد تقي
وانا اتمعن في المشاهد المبثوثة بعناية لتغطية الزيارة الاخيرة للرئيس الامريكي جورج بوش للانبار في العراق، بصحبة اركان بيته الابيض، الخارجية والدفاع، وبمعية رهط من جهابذة الاخراج والمونتاج الاعلامي، لا ادري لماذا خطر ببالي خاطرين متلاحقين ودون عناء، الاول كان صورة للامبراطور الصيني الذي ارتضي لنفسه السير العاري وسط الحشود ليستعرض بدلته العجيبة التي حاكتها اياد ماهرة ارادت ان تخلع بنفسها، بتجريد الامبراطور من اي ستار يحجبه عن الصلف الذي يعتقدونه فيه وعن الرعونة التي لا تضاهي طول بالها، اطول تيلة في نسيج خيال الامبراطورية، التي لا تغطيها من المهالك اي كسوة مالوفة غير كسوة الكفن! اما الخاطر الثاني فهو هتاف حجي بوش احتفاء بصنيعته، هذا الهتاف الذي كان قد اطلقه بعض هتافة الاحتلال من جلاوزة الميليشيات الشمالية البارزانية والطالبانية وميليشيا المؤتمر الوطني العراقي وحركة الوفاق الوطني الجلبي وعلاوي!
لقد اختفت الهتافات، فالوحل قد غطي الشفاه، واخذ التبرم المعجون بالخوف من خوف الامبراطور وضعفه يلمع في عيون الخدم والحشم والحجاب، فساعة الهروب او كشف الحساب تقترب!
تحمل زيارة بوش تكثيفا لحالة ادارته وحزبه التي تعصف بها رياح العراق، فالاحتلال قد انكشف ظهره وصارت الارتدادات المعاكسة لافعاله وتداعياتها تزداد كما وكيفا وراحت تتفاعل معا لتشعل حريقا قد يهدد صلب المصالح الامريكية في المنطقة كلها، فكلما اصر المحتلون علي انجاز مهمتهم في اخضاع الشعب العراقي لارادتهم الغاشمة بقبول وصايتهم وقواعدهم وتحكمهم بثرواته الحيوية (النفط والغاز) وبالدخول في حلف اتباع اسرائيل وشروطه التي تفترض الا قوة والهشاشة، كلما اتسعت واستثارت همم المقاومين واخذت تشكل ضغطا حتي علي السائرين بركابهم من فعاليات متذبذبة، مما يعني تغيرا في خطة الاحتواء التي تعاني جذبا ملحوظا رغم كل التنازلات وحسن النوايا الذي تعرضها امريكا وتحديدا للصلدين في صفوف المقاومة!
لقد جربوا كل الذي بجعبتهم، هدموا البيوت علي رؤوس سكانها، زرعوا القتل في كل مكان، صارت الجثث لا تعد ولا تحصي، دفعوا باتجاه الفتنة العنصرية والطائفية، جعلوا الملايين تهيم بالمنافي، وملايين مهاجرة ومهجرة، اشاعوا الفساد الشامل والخراب الشامل، هدموا كل اركان الدولة العراقية، شرعوا للفتنة اسسا دستورية وبرلمانية، اعدموا صدام حسين، وراحوا تحت شعار اجتثاث البعث يصفون خيرة كفاءات العراق العلمية والثقافية والعسكرية والسياسية، حققوا فعليا مقولة المقابر الجماعية، اعادوا العراق الي مرحلة ما قبل الدولة، نشروا الفوضي الهدامة، جعلوا العراق ساحة مفتوحة لاستدراج من يناصبونهم العداء، شيدوا القواعد الثابتة ليكون العراق منطلقا لاخطبوطهم الشرير، ما زالوا يراهنون علي احتواء ايران بالعراق والعراق بايران، والمواجهات القادمة تنذر بالشر كله لو بقي الحال علي حاله!
هذا كله لم يمنع عنهم الهزيمة، فهي قد اصبحت اقرب من اي علام قريب، حتي اصحاب قصر النظر من قادتهم راح يلوح ببوادرها، تقرير بيكر ـ هاملتون، الكونغرس ومشاريعه المضادة، تقارير مكتب المحاسبة، الانتقادات التي تصل حد المطالبة بمحاكمة الثلاثي بوش وديك تشيني ورامسفيلد، فاصبح الكلام عن الانسحاب المشرف لغة دارجة للعتاة من قادتهم، وكذلك نقل الملف العراقي للامم المتحدة، والخروج باقل الخسائر الممكنة، باعتماد سياسة السيطرة عن بعد، او الحرب بالوكالة، استجداء الدعم الاقليمي، هبوط شعبية بوش وحزبه الي الحضيض، وتزايد المطالب الشعبية بالانسحاب، بسبب من فشل الادارة الكامل بتحقيق الاهداف المرسومة لها من اصل 18 هدفا لم يتحقق منها سوي ثلاثة ـ اسقاط نظام الرئيس صدام حسين وتصفية القوة العسكرية العراقية واقامة نظام فضفاض لا يشكل خطرا علي اسرائيل ـ ولم يكن هذا الحساب والتراجع عن تاييد بوش وسياسته امريكيا ممكنا لولا تعاظم التكلفة البشرية والمادية للحرب في العراق، ان اكثر من 25 الف اصابة مباشرة في صفوف قوات الاحتلال واكثر من 4 الاف قتيل بحسب احصاءات البنتاغون والترليونات المستنزفة عنوة من الخزينة الامريكية اضافة الي فداحة خسائر المعدات، والخسائر النفسية والمعنوية، كلها تشكل قوة الدفع الحقيقية لهذا التراجع وتواتره، مما يضع علي عاتق الشعب العراقي وقواه المقاومة مسؤولية الوصول بما حققوه الي النهاية المنشودة وذلك بتشديد زخم نضالهم وتصعيده وتحويله الي حالة شعبية لا تستثني مجالا من مجالات المقاومة الا واستخدمته، حتي يتحقق الظفر الناجز بالتحرير والاستقلال والسيادة، للانطلاق نحو اعادة البناء والنهوض بعراقنا الاشم الي مكانته الطبيعية قمة بين القمم!
بوش شكل لجنة مشتركة من مستخدميه العراقيين ليكونوا عونا لسفيره وقائد قواته في رسم صورة غير متشائمة عن الحالة الامنية والسياسية في العراق، وطالب وجهاء عمليته السياسية الفاعلة في المنطقة الخضراء للسعي الجاد في تخفيض حجم خلافاتهم التقاسمية علي الاقل حتي نهاية هذا العام، فنري نتائج عمل سفيره تثمر بتحقيق تقارب بين الجماعات المتقاسمة، فالضغط يجب ان يتحمله الجميع ما زال الجميع يريد ويتشبث ببقاء القسم الاعظم من القوات الامريكية في العراق ولاجل غير مسمي، تحوير قانون اجتثاث البعث، اطلاق سراح اعداد مناسبة من المعتقلين، ايجاد حلول وسط بالنسبة للتعديلات الدستورية الملزمة، وجعل كركوك خاضعة لادارة مستقلة ولاجل مسمي!
بوش لم يأت للعراق بطلب من احد فهو ومن معه يحطون متي ارادوا واينما ارادوا فالارض مستعمرة لهم، صحيح انها مشاغبة وشقية، لكنه يستحق كل هذا الاهتمام فالامر يهدد جوهر السياسة الامريكية تجاه العالم الخارجي، والعراق الذي لا تثنيه عن عزمه الف زيارة سرية او علنية لالف من مثل بوش عز عليه ان لا يستقبله بما يستحق، فصوبت نحو طائرته مدافع التصويب وارسلت اليه مفرقعات محمولة تذكره بما تفعله جحافله الغاصبة!
بوش لا يمانع من مواصلة لعبة التناقر بالسفراء مع ايران، ما زال الامر يظهر ادارته وكانها حريصة علي تنفيذ ما تيسر لها من توصيات بيكر، واذا قصفت ايران شمال العراق فان هناك من يقصف ايران بالوكالة ـ مجاهدي خلق، حزب الحرية الكردي، مجاميع احوازية، ومجاميع بلوشية ـ.
لكنه لن يتهاون مع تواصل التمادي الايراني المرحب به من قبل رتلها الاول في الحكم فهذا التمادي يجعل امريكا تلوح برفع شوكة طائفيي المناطق الاخري لتحقيق شيء من التوازن بين الحالتين حتي تحين ساعة الحسم التي قد ترحل ولاسباب قاهرة الي ما بعد بوش!
الامبراطور العابر للقارات، امبراطور كوني، له مسالك ودروب، لا تجيء بالضرورة علي مرام الشاه هنشاه اريامهر او المرشد الاعلي وتابعه احمدي نجاد، لكنه حتما يحسب مليون حساب لشعب اجبره علي حفظ اسماء مدن وقصبات عراقية وترديدها بنبرة الند، انها قصبات ومدن قد تكون نائية وقد لا يعرفها حتي بعض من هم في العراق لكنها خير من مثل العراق في سجلات الاعجاز الذي يثير الغيرة والذهول! 8