فهرس الأخطاء للشاعر العراقي عبود الجابري:
عدنان حسين أحمد
تحتاج التجربة الشعرية لعبود الجابري الي معاينة خاصة لأكثر من سبب. فهو شاعر متأنٍ من جهة، ولا أريد أن أقول مقلاً في كتابة نصوصه الشعرية، لأن الشعرَ هاجسه الأول والأخير مذ عرفته في عمّان في نهاية النصف الأول من تسعينات القرن الماضي. كما أنه ينتمي الي جيل الحرب والشَتات من جهة أخري. وقد شهد شعراء هذا الجيل المُحبَط نزوحاً جماعياً غير مسبوق عبر منْفذٍ واحد وهو الأردن الذي كان يشكِّل لهم نقطة استراحة سوف تفضي لاحقاً بأغلب الأدباء العراقيين الي مصائرهم المتقاطعة المجهولة. غير أن الجابري آثرَ البقاء في عمّان مُستجيباً لشروط الإقامة العاطفية بعد أن منَّ الله عليه بزوجة نبيلة قررت أن تشدّه الي عمّان بخمسة أولاد، تاركة إياه يفهرس أخطاءه كيفما يشاء. وقد طبعت الحرب بصمــــاتها علي مجمل تجربته الشعـــــــرية بحيث لم ينجُ من اسارها إلا نــــــزر قليل من القصائد التي وجدت طريقها الي غابة الأسئلة الوجودية المؤرِّقة، الأمر الذي أضفي علي قصائده بُعداً فلسفياً مقروناً بصور شعرية جذابة ذات حلاوة وطلاوة لا تخطئهما الأذن المدربة.
تستدعي شعرية الجابري التي نضجت علي نار هادئة طوال عقدين أو يزيد بوصلة ما تدل الناقد الي الجهة التي يمضي إليها الشاعر، فلا بد من هدف ما يروم الوصول إليه، حتي وإن كان هذا الهدف سراباً أو متاهة، أو حلماً بعيد المنال. ومن خلال قراءتي المتواضعة لهذه المجموعة الشعرية التي تتألف من 25 قصيدة ألبسها الشاعر لبوس الأخطاء المُقتَرفة من قِبَلِه، تبيّن لي بواسطة البُعد المنظوري أن الشاعر مُتجه من بغداد الي المتاهة، سالكاً الطريق الوحيدة المُفضية، أيام الحصار، والمحنة السوداء، الي المُدن المُنهَكة في المنافي النائية.
تشكيل الصورة الشعريةتوحي أغلب الصور الشعرية في قصائد الجابري وكأنها مرسومة بريشة فنان ماهر. ولو تأملنا في قصيدة تخطيط أولي لمساء الشاعر التي استهل بها مجموعته الشعرية لوجدناه يستعير ريشة الرسّام وهو يصوِّر المساءَ مُقعياً علي أربع يُنجب أيتامه وفضلاً عن أنْسنة المساء الذي يقلِّب كفيه ذات اليمين وذات الخواء نري الوطن الذي ترعف الريحُ أحزانه ثم تنتهي القصيدة بسؤال مفجع مفاده هل ستكفيك عشر أصابع / تحصي بها ندباً / في ظهور ملائكة ذابلين. . سأستعير من د. صلاح نيازي توصيفه النقدي عن التركيبة الأوبرالية التي تنطبق الي حد ما علي بعض القصائد السومرية. ويمكن تتبع هذه التركيبة الأوبرالية في قصائد الجابري منفردة ومجتمعة علي حد سواء. فثمة تمهيد يستهل به نصه الشعري كي لا يفاجئ السامع أو القارئ بالحدث الجلل دفعة واحدة. وهذا التمهيد يشبه البداية في فن القصة القصيرة. ثم يبدأ الجيَشان حينما تصل الثيمة الي ذروتها، وأخيراً تبدأ الآريا أو التصويتة بالمفهوم الأوبرالي، وهي التي تقوم مقام الخاتمة في البنية الأرسطية لأي جنس أدبي. ومما يعزز رأينا القائل بالتركيبة الأوبرالية في بعض قصائد الجابري أنها تراجيدية في مجمــلها، أو لنقل أنها درامية في الأقل، ومحتفية بعناصر الشد والجذب، والتوتر والاسترخاء اللذين يتوفران في أي عمل درامي. ففي قصيدة تخطيط أولي.. سنعرف سلفاً أن هناك أيتاماً، وأن هناك مديً رسمْنا علي ظله وطناً، وأن هناك شاعراً قد لا تكفيه أصابعه العشر لعدِّ الندوب الموشومة علي ظهور ملائكة العراق الذابلين. هذا التمهيد يهيئ قارئ النص أو سامعه للفحوي الدرامي، وما ينطوي عليه النص من أبعاد تراجيدية محزنة. وحتي قصيدته المعنونة فالنتاين والمدبًّجة لمناسبة يوم الحُب في 14 شباط (فبراير) من كل عام لا تخلُ من ذكر الحروب، والألوان الحمراء، الي جانب العصفور، والعش، والقرط، والشرفة، والقميص، والشال الذهبي. فكل شيء أحمر قانٍ بما فيه عيون الأمهات، ونشرة الأخبار، والشفق القرمزي أحمرٌ….. كل ما حولنا / فلا تحزني…./ ثمة أنت…… وأنا…./ وترابٌ أحمر…./ تلوذ به / وردةٌ…. حمراء تنتظر ارتعاش يدي / وشحوب…… الرصاص. وقبل أن ننتقل الي قصيدتي عابر وطن و بلاد تضيق بأهلها لنعزز منحاها المنظوري، ونحدد زاوية النظر التي يقف عندها الشاعر بوصفه عابر سبيل لكنه تلاعب في صياغة العبارة الواقعية، مُضفياً إليها بعداً مجازياً جميلاً ليصبح هو مجرد عابر وطن لا غير! قبل أن ننتقل الي هاتين القصيدتين لا بد لنا أن نشير الي المَلَكة اللغوية العميقة للجابري، وقدرته علي نحت صياغات جديدة مُستحدَثة من مفردات وعبارات مألوفة، بحيث تنسجم مع طبيعة النص الشعري الذي يكتبه أذكر منها، تمثيلاً لا حصراً، ذات الشمال التي أصبحت ذات الخواء و الأسلاك الشائكة صارت شائخة فيما تحولت عبارة ضيق ذات اليد الي ضيق ذات اللغة. كما تجدر الإشارة الي براعته في ثنائية الأنسنة والجمْدنة كأن يجعِّد جلد البرتقالة مؤنسناً إياها، بينما يُجمْدن شُرُفات العين في مكان آخر. تشكِّل قصيدة عابر وطن من وجهة نظرنا بؤرة للنصوص الشعرية، والمدار الذي تتمحور حولة الثيمات الدرامية الأُخَرْ. فالشاعر، أو الكائن السيري في هذه السيرة الذاتية- الشعرية لا بد له أن يعبر جسراً لكي يحيلنا الي فاجعة جسر الشهداء متسائلاً في الوقت ذاته: كم جسراً يلزمنا للشهداء.. ؟ وحينما يجتاز الفرات لا بد أن تنغرس قدماه في رماد النهر فالفجيعة واحدة في كل البلاد التي تعض علي جرحها منذ ثلاث حروب. ليس المهم من أين يهرب الشاعر، أو الي أين ينتهي به المطاف، فالغربة واحدة والمنفي مهنة شاقة بتعبير محمود درويش، لكن مكمن الغرابة في هذا النص الدرامي أن المرأة التي تقطعّت بها سبل الضوء، مضت تبحث عن النار في رماد أبنائها! . وربما تكون قصيدة بلاد تضيق بأهلها أنموذجاً محزِناً للتيه العراقي يدحض ما قاله الشاعر عمر بن الأهتم لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها / ولكن أحلام الرجال تضيقُ فنحن فعلاً بلا أمهات / نكبر../ ثم نلقي السلام علي الشرطي الأخير/أو نخترع المراكب / والبحر / والقبطان / نسرج ما تبقي من الخيول الهزيلة / ونبتعث مدنا مهادنة. فلقد مللنا دوي القنابل، وأزيز الرصاص، وسئمنا من تحية العلم التي تبدأ بـ لاحتْ رؤوس الحراب. فلا غرابة أن نحمل خارطة الوطن ونمضي صوب المنافي النائيات حيث تواجهنا دهشة السؤال المر أيها الناجون من بلاكم. . / الي أين المفر؟. نستخلص من هذه القراءة النقدية أن الشاعر الجابري قد اتخذ من نفسه أنموذجاً للكائن التائه، المنفي، الذي شابَ منه الشراع، وهو يبحر مثل جذع يتيم في عُباب بحر الحياة القُلَّب. ويمكن تسميته بالكائن الضَلُول أو الضليل الذي جار عن الطريق، ولم يهتدِ بعلامات دالّة ترشده الي يقينه. فالخروج من بلاد النهرين يقترن باليأس، والمتاهة دائماً، والحنين الأبدي لهدهدة الأم، ورائحة المنزل، وعبق الذكريات القديمة علي مرارتها، لذلك يُختصر المنفي بغرفة محكمة الإغلاق، يُطل الشاعر من خلال نافذتها الوحيدة ذات الستارة السميكة، والزجاج المظلَل، والشبك المعدني علي العالم، لكنه لا يعرف كيف يومئ للعابرين ولا يعرف إن كان هو باقياً علي قيد اليقين، ولا يعرف كيف ستصعد روحه الي بارئها خلال الزجاج المظلل والغبار الكثيف. بقي أن نقول إن ما يميز أسلوب الشاعر هو بلاغته، وكثافته، وعمق مفردته المجازية وكأنه يستقطر عسل الكلام علي الرغم من هيمنة الحس التراجيدي الذي يغلِّف مجمل نصوصه الشعرية التي تترجح بين ثنائية الوطن القرمزي والمنفي الرمادي.
كاتب من العراق يقيم في لندن