في البداية عذرا لكل رجال الدين من المسلمين العراقيين والاخرين الشرفاء الذين حاولوا الابتعاد عن اللعبة السياسية القذرة في العراق، فالسياسة متغيرة والدين ثابت واستخدام الدين والمذهب لتحقيق مكاسب شخصية وفئوية والتستر بوشاح العمامة السوداء او البيضاء خلف العقيدة السمحاء اسرع الطرق لايهام السذج من المسلمين في عموم العالم وتضليلهم بصورة غير مباشرة عن طريق الاسلام الحنيف الصحيح، فالعمامة السياسية والثقافة والعلم اتجاهان نقيضان لا يلتقيان ابدا، اولهما يعني التحفظ الجاهل علي كل انواع الابداع الثقافي المولود خارج رحم المؤسسة الدينية، بينما الاخر يعني ابداعا حرا يؤثر في المجتمع ايجابيا ويفضح مستوي الجهل لتلك العمامة، بالتالي حين تتسلم العمامة السياسية زمام الامور وتصبح هي السلطة التشريعية والتنفيذية تبدأ بالقيام باعمال الاستفزاز والتهديد والوعيد للاقلام الشريفة التي ترفض الهيمنة الطائفية وتنشد الوطنية المجردة وفي تلك الحالة تلاحقها صفة الارهاب اينما ذهبت، فأما البقاء في ارض الوطن وهذا يعني القتل والتشريد والتعذيب والاعتقال او الهروب من البلد والابتعاد من خط المواجهة الشريفة، فالعمامة السياسية في العراق دمرت كل المؤسسات الثقافية في العراق التي تعمل خارج اطار ذلك المفهوم الحزبي المتخندق الضيق، والاستقلالية عن ولاية الفقيه تعني العمالة لذا لجأت العمامة الي الاستحواذ علي تلك المؤسسات وتحويلها الي واجهة مزيفة لمنجزاتها الفكرية، وبعد انكشاف أمر تلك العمامة امام الرأي العام العراقي البسيط في توجهاته والمتطلع الي الامان المسلوب، لجأ بعض رجال الدين الي استبدال العمامة بالبدلة مع تقليم وتحسين اللحي وخلع اربطة العنق وملء اصابع اليدين بخواتم الجاهلية واعدادها التي تعني مستوي التدرج والرتبة الطائفية، وبذلك يتحولون الي زعماء سياسيين منفتحين وعصريين، واصبح هذا الطابع ماركة مسجلة لهؤلاء الرعاع المناضلين يستدل بها عليهم وتفتح امامهم جميع الابواب المغلقة والعطاءات والمناقصات في الاعمار الوهمي وبالتالي فالاموال المنهوبة علنا تاخذ طريقها الي خزائن الاحزاب السياسية وتستخدم لبناء القصور وتمويل فرق الموت وشراء السيارات المصفحة، مثال بسيط علي ذلك، قبل ايام وامام شاشات الفضائيات تم تنصيب احد رجال الدين ليكون محافظا لاحدي محافظات العراق بعد قتل زميله من المجلس الاعلي للثورة الاسلامية علي يد معارضيه من التيارات الدينية الاخري. ظهر اثناء التنصيب بالعمامة، وفي لقطة اخري بعد ثوان واثناء المؤتمر الصحفي خلع تلك العمامة وارتدي بدلة ليكون عصريا، ومثال اخر، حاول المدعو جابر الجابري الوكيل الشيعي لوزير الثقافة في العراق بموجب نظام توزيع الحصص المناصبية في المؤسسات العراقية لكونها من حصة السنة العرب اثناء رعايته لمهرجان المربد لدورته السابقة في محافظة البصرة في العراق بمنع الشاعرات العراقيات من المشاركة في ذلك المهرجان واعتلاء خشبة المسرح بكل وسائل التهديد ومنها التصفية الجسدية لأن ذلك يعد من محرمات العقيدة اضافة الي منح نفسه ومعاونيه وزبانيته صفة الرقيب علي كل القصائد التي لا تتماشي مع تلك العقيدة وسلطتها، واثارت تلك السلوكيات حفيظة الادباء العراقيين الوطنيين الشرفاء واثارت زوبعة في رواق المهرجان لكن العصا الغليظة اخرست جميع الالسن، اذن فلنتساءل معا: من وراء تصفية وتهجير العلماء والمثقفين وقتل الصحافيين واساتذة الجامعة؟ تصوروا معي الارض التي انجبت نازك الملائكة والسياب والجواهري والبياتي وعبد الرزاق عبدالواحد والجاحظ ومعروف الرصافي تحكمها عمامة مغولية، فأي مصير ينتظرها.
باسل ياسين كاتب عراقي ـ سورية6