محمد كريشان
مع أن نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة في المغرب أثبتت أن عامة الجمهور هناك بات يميل إلي اليمين، علي رأي أحد الكتاب المغاربة، إلا أن هذه الميل، إذا ما تأكد علميا نظرا لنسبة المشاركة الأضعف في تاريخ البلاد، لم يأت في نهاية الأمر في سياق الميلة الواحدة بمعني أنه لم يكن تصويتا كاسحا وغير مسبوق لإسلاميي حزب العدالة والتنمية مفضلا عنه تنويعا لم يستثن حزب الاستقلال العريق الذي يصنف بدوره علي أنه وطني محافظ وذو مرجعية إسلامية هو الآخر. العبرة هنا أنه قد لا يكون دائما دقيقا القول بأن أي انتخابات حرة وشفافة في البلاد العربية لا يمكن إلا أن تأتي بالتيار الإسلامي إلي السلطة، خاصة ذاك التيار المصنف في الغالب علي أنه غير قادر علي الانفتاح علي بقية العائلات السياسية، بما فيها العلمانية واليسارية، وكثيرا ما يزعم احتكاره للصواب الديني والسياسي معا. ومع أنه من غير الإنصاف وضع العدالة والتنمية المغربي في هذه الخانة بالضرورة، فإن الحزب لم يبرر للحقيقة حصوله علي عدد أقل من المقاعد التي كان يأملها لنفسه أو يقدرها له بعضهم باستسهال اتهامات التزوير وإنما عزا ما حصل إلي ما سماه من ناحية المال السياسي، وهو التعبير المهذب لظاهرة شـراء الأصـــوات، ومـــن ناحية أخري إلي ما وصــفه الحــياد السلبي للسلطة. لقد ظل كثيرون يلوحون باستمرار بالفوز الأكيد والعارم للإسلاميين في أي انتخابات عامة تشهدها إحدي الدول العربية سواء كان هؤلاء الإسلاميون منظمين في أحزاب سياسية أو لا، حتي صوروا الأمر تقريبا كـ حتمية تاريخية لا فكاك منها. وقد كان هؤلاء المروجون لذلك خليطا من نوعين: محللون وكتاب مستقلون رأوا حقا مثل هذا المآل وقالوه أو كتبوه علنا، ومسؤولون يتحدثون بشأنه في السر أكثر من العلن، ومع الأجانب أكثر من شعبهم، حتي بات تخويفا مشهودا، حتي لا يقال ابتزازا مفضوحا، بمعني اتركونا في الحكم وغضوا بصركم عما نفعل لأنه إن ذهبنا نحن فسيأتي مكاننا من لا قدرة لكم علي الحديث إليه ناهيك عن التفاهم معه. قد تعيد الآن الانتخابات المغربية بعض التعقل لهؤلاء أو أولئك فأي موعد انتخابي يظل محكوما في النهاية بظروف كل بلد علي حدة والمزاج الشعبي العام المسيطر في هذه المرحلة أو تلك بحيث يغدو أي تعميم لا سند له نوعا من التسطيح وحتي التضليل. صحيح أن القانون الانتخابي في المغرب معقد وذو خصوصية يستحيل معها تقريبا أن يظفر أي حزب مهما كان بأغلبية ساحقة تطلق يده في البرلمان والحكومة لكن الصحيح كذلك أن ميل الناس العام إلي التدين لا يعني بالضرورة تصويتا آليا لتيار سياسي معين دون غيره أي أن ما حصل عليه كل من حزبي الاستقلال و العدالة والتنمية معا هو ما يمكن اعتباره، بالمعني العام الواسع وليس الحزبي المنضبط، تصويتا للإسلاميين ولكن بتضاريس مختلفة مع مسحة من الوطنية المحافظة والاعتراف بفضل حزب الاستقلال في معركة التحرر الوطني ضد الاستعمار الفرنسي. ومن هنا اعتبر البعض ما حصل عليه حزب العدالة والتنمية انعكاسا حقيقيا لحجم الحزب في المجتمع بالمعني الحزبي التنظيمي الصرف بعيدا عن أي تدين عام في المجتمع ليس من الحتمي أن يصب بالضرورة لمصلحته هو دون غيره من الأحزاب. وتبقي في النهاية ملاحظتان هامتان قد يساهم التوقف عندهما في إدراك الأبعاد الحقيقية أو المحتملة لنتائج انتخابات المغرب الأخيرة: الأولي مكانة مؤسسة الملكية في المغرب أو المخزن كما يعرف هناك في ضبط إيقاع نزيه عموما للانتخابات علي أساس أنه ليس هناك من حزب للملك الذي يظل فوق الأحزاب جميعا، وهو ما تفتقر إليه معظم الدول العربية حيث رئيس الدولة هو رئيس الحزب الحاكم الذي سيظل بناء عليه حزبا حاكما طالما بقي صاحبه متربعا علي قمة هرم السلطة، الثانية هي ضرورة سبر أغوار النسبة الضعيفة لإقبال الناس علي الانتخابات الأخيرة وإذا ما كانت تعكس، ولو جزئيا، كفرا عاما بالأحزاب والانتخابات والتداول السلمي علي السلطة، لأن ذلك، إذا ما تأكد أولا وإذا ما تعاظم شأنه ثانيا، قد يتحول إلي إعصار يعصف بالجميع لأن مثل هذا المنطق هو الذي يغذي في النهاية الحركات الإسلامية المتطرفة في البلاد والتي أطلت برأسها المخيف أكثر من مرة عبر تفجيرات مرعبة سقط فيه عدد كبير من الأبرياء. 9