مجتمع القمع… حالة الإمام الطبري

حين نتحدث عن القمع فإنه يتبادر إلى ذهننا ذلك النوع من السيطرة، الذي تمارسه السلطة والمرتبط بكبت كل نشاط أو فكرة مناوئة، لكن هناك ما هو أقسى من ذلك، وهو ما يمكن تسميته بالقمع المجتمعي. هو أقسى لأنه لا ينتظر، كما السلطة، ولادة أفكار جديدة ليبدأ في قمعها، ولكنه يعمد إلى منع ولادة أي أفكار جديدة، سواء في ذلك مجال العادات أو العبادات.
في عصور الإسلام الأولى لم يكن هناك اهتمام بدراسة التاريخ، إلا على سبيل التحقق من الروايات المرتبطة بالسنة النبوية أو الدراسات الإسلامية. هذه الحالة من تجاهل علم التاريخ استمرت عبر الأجيال ويظهر تأثيرها السلبي بوضوح في تناقض واختلاف الروايات وعدم وجود منهج موضوعي متفق عليه للتأريخ، ليس فقط في الأزمنة القديمة، ولكن حتى في الوقت الراهن الذي كتب فيه تاريخنا المعاصر، إما على يد المستشرقين أو المستعمرين أو من تتلمذ على أيديهم. العلاقة بين التاريخ والقمع تبرز من خلال قصة العالم الأشهر في هذا المجال ابن جرير الطبري، الذي شكل كتابه «تاريخ الأمم والملوك» نقلة بارزة في مجال التوثيق للأحداث بسرده لقصة الخليقة منذ بدايتها وحتى قبيل وفاته في بداية القرن الرابع الهجري. كان الطبري بلا شك مثقفاً موسوعياً وأشهر جامع للروايات في التاريخ الإسلامي، حتى أنه عرف أيضاً بلقب شيخ المفسرين، إلا أن جهوده تلك لم تلق في عصره التقدير ولا التوقير اللائقين.
هذه القصة تعيدنا إلى تلك الرغبة العميقة عند المسلمين لاحتكار الصواب، ففي الذهن الجمعي هناك رأي وحيد صالح لأن يكون حقاً، أما غيره فهو الباطل المحض. ربما يعود ذلك للتفسير القاصر لحديث الفرقة الناجية الوحيدة، والذي يجعل البعض يحتكر النجاة ويدمغ الآخر، سواء كان جماعة أو فكرة، وسواء كان الاختلاف متعلقاً بجانب أساسي أو فرعي، بالخروج عن الصراط المستقيم.
المشكلة لا تنتهي هنا، بل في أن تلك الرؤية ينتج عنها في الغالب تعدٍ لفرض الرأي «الصحيح» بالقوة. نجد أنفسنا هنا أمام مفارقة تاريخية عجيبة هي أن الإمام أحمد بن حنبل، الذي عانى ما عانى في محنته الشهيرة من أجل الثبات على منهج السنة. ذلك الشيخ الذي تخلى عنه معظم أتباعه وسكت الغالب من علماء عصره عن نصرته، سيتحول بعد انتهاء المحنة، خاصة بعد وفاته وتحول أقواله وكتاباته إلى مذهب شهير، إلى إمام يتبارى الأتباع في الانتساب إليه ويتنافسون أيهم أقرب إلى فهمه ومدرسته. دخل الطبري بغداد بعد وفاة الإمام أحمد وقد كانت تلك هي بداية ظهور الحنبلية، وقبل الاحتفاء به تقدم إليه علماء الحنابلة بقصد امتحانه فسألوه أسئلة عن موقفه من منهج إمامهم، وعن تفسيره للمقام المحمود ولإجلاس النبي على العرش وعن غيرها من القضايا التفصيلية. كان واضحاً أن الغرض كان التوقف عند أي اختلاف من أجل تبرير الهجوم عليه وإظهاره بمظهر المخالف للسنة. وقد تحقق لأولئك ما أرادوا حينما أنشد الطبري قائلاً: سبحان من ليس له أنيس.. ولا له في عرشه جليس. اعتبرت هذه الكلمات انكاراً لإجلاس النبي على العرش وتحقيراً لمذهب الإمام أحمد بن حنبل، وانتشر في لحظات وفي عموم المدينة أن الطبري قد استهزأ بالإمام الأكبر، وهنا قام المئات وفي إحدى الروايات الألوف من الناس برمي الحجارة عليه حتى صارت على بابه، بحسب تعبير الرواة، كالتل العظيم.
لم يكن الطبري يستطيع إيصال صوته للغوغاء المجتمعين خارج داره، إلا عبر الاعتكاف والتأليف ونقل أفكاره لمن يرغب في الاستماع إليه من التلاميذ، الذين نقلوا لاحقاً كلماته التي تفيض باحترام الإمام أحمد وما يمثله من تحرٍ لفهم السلف، وهو ما ظهر في كتابه «اختلاف الفقهاء»، الذي حرص فيه على شرح تعلية قيم التسامح والاختلاف وتقبل الآراء، الكتاب الذي لم ينسخ للأسف إلا بعد وفاته.
ابن الأثير يذكر شيئاً أكثر إيلاماً متعلقاً بوفاة الطبري في 310 هجرية، وهو أن العامة حاولت منع دفنه لأن مثله لا يستحق الدفن برأيهم، في حين اقترح آخرون أن يدفن في جنح الليل. من الصعب إيجاد نقطة الخلاف التي ولدت كل ذلك القدر من الكراهية. البعض، كابن الأثير، يرد سبب الخلاف لتجاهل الطبري للإمام أحمد عند حديثه عن الفقهاء وقوله عنه، إنه لم يكن فقيهاً وإنما كان محدثاً مما أثار حفيظة تلاميذ ابن حنبل.
في ذات الوقت برزت بضع أسماء منصفة كابن خزيمة، الذي كان يعرف في ذلك العصر بشيخ الإسلام، والذي قال حينما طالع كتاب «التفسير» للطبري: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من أبي جعفر، ولقد ظلمته الحنابلة. لكنه أيضاً كان العصر الذي أصبح فيه البربهاري شيخاً للحنابلة، وقد كان من الأسماء التي صنف بسببها ابن الأثير فصلاً سماه «فتنة الحنابلة في بغداد»، حيث شكل الحنابلة الذين اكتوى شيخهم بنار الظلم والكيد شرطة دينية موازية للشرطة الرسمية، بحجة الأمر بالمعروف ومحاربة الفسوق والبدع، وتوسعت هذه الشرطة حتى شكلت رعباً لأهل بغداد.
لم يكتف البربهاري بذلك، بل وضع منهجه في كتابه الشهير «شرح السنة» الذي اعتبر أن من آمن به بكل ما فيه فقد نجا وإلا كان، حتى لو أنكر حرفاً واحداً منه، من أصحاب الفرق الضالة، ثم لخّص منهج السلف بقوله: «إن الدين إنما هو بالتقليد» وقوله «قلّدهم واسترح»!
يقدم صاحب السنة نفسه كممثل وحيد لفقه الإمام أحمد ومنهجه، الذي هو منهج الصحابة والتابعين الذين أخذوه بدورهم من النبي الكريم الذي بلغ رسالة ربه عبر كتاب الله وسنته المباركة. هكذا يخلص للقول، وإن بطريقة غير مباشرة، أن كتابه ذاك مقدس لأنه منقول عمن نقلوا كلمات الله. البربهاري لم يكن نموذج التشدد الوحيد فقد أعلن أتباع أبي بكر المروزي الحنبلي الحرب، أعني الحرب الفعلية، على كل من ينكر إجلاس النبي على العرش، كتفسير وحيد للمقام المحمود في الآية، لاسيما أولئك الذين يعتبرون أن المقام المحمود ينحصر في الشفاعة. الغريب هنا ليس الحرب بين المسلمين بقدر ما يكمن الاستغراب في سبب الحرب والنزاع.
تمددت هذه الحالة الفوضوية واستسهال التكفير لتطال علماء كابن حبان الذي تحول في غمضة عين من شيخ خراسان إلى متهم بالزندقة لقوله إن النبوة إنما هي العلم والعقل وكان من أشهر من دافع عنه من المتأخرين الإمام الذهبي، الذي بعد شرحه لمكانة ابن حبان، قال إن الخلاف لا يستوجب التكفير، فقصد ابن حبان في الغالب لم يكن إنكاراً للنبوة وهو ما لا يقوله من يعرف الرجل، وإنما استعمل أسلوباً بلاغياً استعمله النبي قبله حين قال، إن «الحج عرفة» فهل كان ذلك حصراً للحج بعرفة أم تنبيهاً لأهمية الوقوف بعرفة كركن من أركان الحج؟ لكن في وقت الطبري وابن حبان لم يكن هناك وجود لمثل هذا المنطق، حيث علا صوت الفتنة على كل صوت.
الطبري لاحقه اتهام آخر وهو أن كتابه كان مليئاً بالروايات عن الشيعة وغيرهم، وفيه الكثير من القصص التي في سندها إشكال وتلك حقيقة، لكن أولئك لم يقرأوا ما قاله الطبري نفسه عن منهجه في البحث، الذي ينحصر في تجميع الروايات على علاتها حيث أن الوقت لا يكفي لمن يحمل هم مشروع موسوعي كمشروعه ليتحقق من كل رواية وتفصيل ولكنه يضع القصص إلى جانب مصادرها كما نفعل اليوم في البحوث العلمية ويترك للقارئ ولطلاب العلم مهمة البحث فيها والتحقق من سلامتها، وفي هذا يقول القولة التي نستخدمها كثيراً اليوم: العهدة على الراوي.
لماذا يسرد أحاديث الشيعة ورواياتهم؟ هل كان رافضياً؟ هذا هو السؤال الذي طرح بقوة لقرون، وهو لا ينم إلا عن جهل صاحبه الذي لم يكلف نفسه مشقة القراءة التي يمكن أن توضح له حقيقة عقيدة ومنهج صاحبها. ما حدث هو أن الطبري استند على المرويات القليلة التي كانت متاحة في عصره وقد كانت للأسف في غالبها للشيعة، الذين اهتموا أكثر من أبناء السنة بالتأريخ والتوثيق للأحداث التي رووها بشكل يدعم وجهة نظرهم، التي تنتقص من الصحابة ومن شخصيات كمعاوية وغيره، لكن الطبري وهو يعد كتابه الكبير الأشبه بالمكتبة الشاملة لم يكن يملك خياراً سوى جمع ما تحصل عليه مع التنبيه لضرورة إخضاعه للتحقيق والتدقيق.
هناك درس يمكن الاستفادة منه هنا وهو: إن كان الاهتمام بالقرآن والحديث هو الأصل الذي لا حياة بدونه، إلا أن قصر الجهود على الاشتغال بهذا العلم وتجاهل ما سواه، كما حدث مع تجاهلنا القديم لعلوم التاريخ بدعوى الانشغال بالعلوم الشرعية، ذلك القصر المخل وغير المطلوب، أدخل على أمتنا مفاسد عظيمة قديماً كما سردنا أعلاه وحديثاً، حيث تهتم أجيال بما تسميه علوماً شرعية اهتماماً يجعلها تنفصل عن حاضرها وواقعها. هذا الانفصال يجعل من الصعب عليها أن تفهم أن علوماً كالتاريخ والأدب والاجتماع وغيرها من العلوم النظرية أو التطبيقية قد تكون هي الأخرى «علوماً شرعية»!

٭ كاتب سوداني

د. مدى الفاتح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية