الأنبار ـ درعا… و«غسيل السكان»

يطغى مجددا جدل المكونات في المجتمع الاردني لكنه يقفز لصالح الحيرة من المسار السوري لهرم المكونات على حساب الجدل الموسمي القديم الذي كان يتحدث عن الوطن البديل للفلسطينيين في الاردن.
أرقام الاحصاء السكاني الرسمية الاخيرة تبلغ جميع الاطراف في الداخل والخارج بعدم وجود كتلة ديمغرافية فلسطينية حقيقية داخل الاردن هذه الايام يمكن ان تبرر الاستمرار في العزف الموسمي على وتر التوطين.
المفاجأة الابرز هنا وهي سياسية بكل الاحوال ان عدد من يحملون بالمعنى القانوني والرسمي والدستوري في الاردن من الفلسطينيين يقل بالنصف عن عدد السوريين بموجب الارقام الاحصائية والتي تقول بان نحو 15 ٪ من سكان الاردن اليوم من الاشقاء السوريين وهي نسبة تساوي الفلسطينيين والمصريين معا في المجتمع الاردني.
بكل الاحوال عدد السوريين المعترف به رسميا مليون و300 الف يفترض ان اكثر من نصفهم مسجل كلاجىء في الكشوفات الرسمية فيما تقول مصادر مستقلة بان العدد يبلغ مليونا ونصف المليون وتتحدث مصادر موازية عن مليون و 800 الف سوري في الاردن.
موسم الجدل يطال هؤلاء والاعباء تخف عن الفلسطينيين والجميع في الاردن مهووس في التحدث عن خطوات وبرامج سرية لإدماج الديمغرافيا السورية في الاردن، الامر الذي يستمطر بطبيعة الحال كل أنواع الغيوم والرذاذ المتعلقة مجددا مرة بالخوف على الهوية الوطنية الاردنية ومرة اخرى بهواجس نظرية الخزان البشري.
ليس سرا ان الحكومة الاردنية تاجرت سياسيا ومن البداية بقصة فتح الحدود امام حركة اللجوء السوري فالمشاهد التي كانت تنشر للعسكر وهم يحملون العجائز والاطفال كانت عبارة عن يافطة ترحيب كبيرة تنطلق من الواجب الانساني المعروف والمفهوم.
وليس سرا اني شخصيا اصدق رئيس الوزراء الدكتور عبد الله النسور وهو يؤكد بان بلاده لم يكن من الممكن ان لا تفتح ابوابها للاجئين السوريين واصدق بنفس المعايير المفكر السياسي عدنان ابو عودة وهو يعتقد بان الدبلوماسية الاردنية حشرت نفسها من البداية في زاوية التمثيل الدولي المرتبط بأزمة اللاجئين.
اوروبا اليوم نادمة ليس فقط على الفوضى التي ساهمت في انتاجها مع النظام السوري في سوريا والغرب يعاني ويريد ان يتخلص من ازمة اللجوء السوري بعد مناورات الحكومة التركية.. بهذا المعنى يحصل الانفتاح على بلد كالأردن وتجلس عمان بين الاطراف الرئيسية على طاولة مؤتمر لندن.
وليس سرا ابدا القول ان المتاجرة السياسية بقصة اللجوء السوري اردنيا اخفقت في المساحة المخصصة لكل انواع العوائد والمكاسب فقد خدع حلفاء عمان المملكة عندما ضغطوا لفتح ابواب اللجوء على اساس مرحلة سريعة لا تزيد عن ستة اشهر قبل التخلي عن الاردن ودفعه للهاث وراء الدور والتمثيل المنحصر الآن بملف اللجوء السوري.
لا يوجد ما يمنع الغرب من السعي لحل مشكلة جنوب البحر المتوسط عبر ارسال بعض المليارات هنا وهناك إلى الاردن وتركيا وغيرهما بهدف ادماج اللاجئين ومنع سفرهم وارتحالهم ما دامت خيارات الصراع مستمرة داخل الارض السورية.
الفارق عند الارقام فبلد مثل تركيا لا يؤثر فيها واقعيا مليون سوري بقدر ما يؤثر في البلاد مثل الاردن ولبنان.
الاردن سبق ان جازف بسياسة الابواب المفتوحة عندما فتحت الحدود ايضا للعراقيين والنتائج ثمة انقسام في قراءاتها فالبعض من الاردنيين انفسهم يرى بان الوجود العراقي ولاحقا السوري انتجا نوعا من التنويع في النشاط الاقتصادي ولم يشكلا عبئا على البنية الاردنية. في مسألة السكان واللاجئين ودور الاردن الوظيفي بحسابات ومعطيات القوى النافذة والمستحكمة في العالم ثمة نظريتان.
الاولى تتحدث عن استيعاب السوريين كما حصل سابقا مع الفلسطينيين والعراقيين بصورة تساهم في تمدين المجتمع والحفاظ على المصالح العليا للدولة والنظام والشعب في الاردن على اساس ان الجغرافيا الاردنية وان كانت بلا موارد تتسع للمزيد من البشر وتحتاج لسيناريوهات مستقبلية تحت عنوان التوسع المحتمل مرة في جنوب سوريا حيث وجود المياه وابناء عمومة لآلاف الاردنيين ومرة شرقا عبر الامتداد القبلي والاجتماعي الكلاسيكي باتجاه الانبار حيث بعض الغاز والنفط.
هذه النظرية تتعامل مع الواقع الموضوعي وعلى الاساس الوظيفي القديم للدولة الأردنية وتنكر بالنتيجة وجود ملامح لهوية وطنية اردنية لا علاقة لها بأشقاء الجوار ووجود تجربة وطنية ذاتية للقبائل والعشائر الاردنية التي لا يشاورها في الواقع احد عندما يتعلق الامر بالتركيبة وسيناريو المستقبل الديمغرافي للبلاد وهي نفسها القبائل والعشائر التي يقود رموزها وابناؤها في مؤسسات القرار تلك البرامج الواقعية. ثمة ما هو محرج وينبغي الانصات له عندما يتعلق الامر بخوف ابناء العشائر والقبائل من الاردنيين الاقحاح على وطنيتهم ودولتهم حتى بعد اغلاق ملف وظيفة الدولة وهي تتميز بانها عملية قابلة للتحول والتعديل.
وهنا تبرز النظرية الثانية التي يخشى فيها اردنيون وطنيون من تحويل بلادهم إلى خزان بشري وجغرافيا للايجار وللعمل على لوجستيات استيعاب الحرائق التي تندلع في الاقليم والمنطقة في عملية قارنها احد النشطاء أمامي بصورة عبقرية بما يحصل بغسيل الأموال عندما تحدث عن غسيل السكان.
بين النظريتين فارق ملموس وجدل لا يمكن احتواؤه إلا بالحوار الوطني العقلاني المنتج فوجهة النظر التي تتحدث عن الادماج ومصالح الاردن العليا وتحاجج بالحديث عن الدولة والوظيفة المستجدة ينبغي ان تناقش بكل ادوات العلم المسؤولة.
وصوت الوطنية الاردنية الذي يحذر من تحول الاردنيين إلى اقلية في بلدهم صوت ايضا ينبغي الانصات له.
الفارق الأهم في النتيجة ما بين سياسة تكميم الأفواه وفرض التحولات والمكونات الاجتماعية وبين الاقناع والتحاور على اساس حسن النية والوصول بين قوى المجتمع إلى قواسم مشتركة تساهم في تشخيص مصلحة النظام والدولة في الاردن.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية