يحيي اليحياوي
يميز الدارسون لـ ظاهرة المحافظين الجدد بالولايات المتحدة، بين الآباء المؤسسين الذين بنوا للظاهرة اياها فكرا وعقيدة وايديولوجيا فيما بعد، وبين مريدين لهم ساروا علي هدي نفس الخط، لكنهم عظموا من شانه بمراكز الدراسات والبحوث، بالاعلام الجماهيري الواسع، كما عبر ممثلين لهم بلغوا اعلي مراتب السلطة، بزمن رونالد ريغان، كما بفترات حكم بوش الاب والابن الطويلة.
وعلي الرغم مما قد يبدو تمايزات ضمنية بين جيلين، كان للاول الفكرة المؤسسة، وللثاني التطويع بارض الواقع، فان الغايات والاهداف متطابقة بينهما لدرجة التماهي احيانا، يخال للمرء معها ان السلوك الامريكي المترتب عن الفكرة، يكاد يكون تنفيذا حرفيا لدفتر تحملات محدد الآمال والآجال:
ـ فهم مقتنعون لدرجة الايمان المطلق، بان العالم يبحث عن قائد، وان امريكا هي القائد الحتمي. ولذلك يتعين علي الغرب وغيره من العالم، ان يتوحد تحت القيادة الامريكية لاعادة تشكيل النظام العالمي الجديد، سيما بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وانتفاء مبررات الحرب الباردة، و نهاية التاريخ بانتصار الديموقراطية الليبيرالية، ومنطق الاسواق الكونية، واندحار ما سوي ذلك من تنظيمات سياسية واقتصادية واجتماعية وغيرها.
ـ وهم مقتنعون، لدرجة تحول الاقتناع الي قناعة، بان فشل امريكا في استغلال فرصة قيادتها المنفردة للعالم حاليا لاعادة تشكيله، سيؤدي الي الفوضي بدول العالم المنظم، والي العشواء بجهات العالم المتشظي اصلا، بسبب طغيان الدين او المذهب او الطائفة او العشيرة او القبيلة او ما سواها.
ـ وهم مقتنعون، لدرجة التطرف في الاقتناع، بان قوة امريكا العسكرية هي اداة رئيسية لنجاحها في قيادة العالم، وان السلام الحقيقي هو الذي ياتي كنتيجة للانتصار في الحرب. ولذلك يجب استخدام هذه القوة في مشاريع حاسمة وطموحة لصناعة نظام عالمي، تسيطر عليه الولايات المتحدة دون سواها، دولا كانت ام مجموعات ام تكتلات دول. يقول جورج تينيت، مدير وكالة الاستخبارات الامريكية السابق: ان اسلحة الدمار الشامل لم تكن السبب الحقيقي وراء الحرب، بل ايديولوجيا المحافظين الجدد واصرارهم علي اطاحة النظام سبب الحرب علي العراق… لتكون نقطة تحول في الانظمة في الشرق الاوسط.
ويؤكد بمذكراته، ان ريتشارد بيرل (وهو احد صقور المحافظين الجدد) قال له باليوم التالي لهجمات 11 ايلول (سبتمبر): علي العراق ان يدفع الثمن… هم يتحملون المسؤولية. ـ وهم مؤمنون، بسياق كل ذلك، بـ ضرورة الالتزام المطلق بدعم القوة العسكرية الامريكية، وتحديث وتطوير وتسليح القوات الامريكية لخدمة اهداف كبري، مثالية في العالم… باتت محاربة الارهاب ومنذ احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، الهدف الاكبر والاسمي ضمنها جميعا.
ـ وهم رافضون بالتالي، لاي تردد او تخاذل، باعتبار الواقعية والتردد يمثلان مرضين خطيرين يحولان دون قيادة امريكا للعالم، ومن شانهما تركها فريسة ابتزاز القوي الصاعدة، او تهديد الجماعات الارهابية المنتشرة.
وعلي هذا الاساس، فلما كانت الفكرة نبيلة، والمناخ الدولي العام موات، والمسوغات الكبري متوفرة (سيما المقتنية لطروحات الحرب علي الارهاب ) والادوات، كل الادوات، الخشن منها كما الناعم، جاهزة، فان الطريق بات سالكا بكل المقاييس لاعمال مبدأ اخلاقية القوة المروج له علي نطاق واسع:
ـ بغرض تغيير انظمة الحكم في كل مكان تريده امريكا. وكذلك كان بافغانستان، كما بالعراق كما بالصومال (حيث طردت المحاكم الاسلامية، وقد اوشكت علي بلوغ السلطة هناك) كما ما سواها.
ـ بجهة تحقيق ذات التغيير بالقوة العسكرية المباشرة، بشكل احادي، ودونما اللجوء الي التردد او المساومات السياسية (ارتكازا علي ما يطلق عليه بفلسفة الاحادية العدوانية). وكذلك كان ايضا بالعراق كما بافغانستان كما بغيرهما. ـ علي خلفية من احتقار للوسائل الدبلوماسية، ومن التجاوز علي صلاحيات هيئة الامم المتحدة. وهو ما وقع ايضا عندما تجاوزت الولايات المتحدة علي صلاحيات الهيئة اياها، وغزت العراق ثم احتلته، دونما موافقة او تفويض او تزكية. ـ وعلي اساس من تبني مبدأ الضربة الاستباقية او الاجهاضية ضد اية دولة صاعدة، منافسة للنفوذ العالمي لامريكا، واعطاء هذه الاخيرة حق التدخل السياسي او العسكري او الامني دون استشارة حلفائها في اي مكان تري فيه ذلك (وهو ما يسميه الرئيس كارتر بـ التدخل الاقتحامي ). لم تات خطورة طرح المحافظين الجدد من مجرد افكار تم ترويجها ونفوذ الامبراطورية يتزايد ويتقوي، بل تحديدا من نجاحهم في اختراق مستوي صنع القرار، وتوجيهه وفق ما يتماشي مع تصوراتهم، وطموحاتهم، والنزوات الشخصية للعديد منهم… لا، بل وتشديدهم عليه بان اي تردد او ارتخاء في بسط نفوذ الامبراطورية، سيكون من شانه هزيمتها وانزواؤها، وفسحا في المجال لغرماء لها متربصين.
يقول وليام كريستول، احد رواد الجيل الثاني (جيل ما بعد انتهاء الحرب الباردة المتحمس للجوء للقوة) بعدما برع ابوه في قيادة الرعيل الاول، رعيل ما بعد هزيمة فيتنام: انه لا مفر امامنا من اثبات قدرتنا علي النجاح في العراق. لان فشل المشروع الامريكي في العراق، سيشكل انتكاسة كبري للمحافظين الجدد. ولكنهم لن يختفوا من المسرح السياسي الامريكي.
ولذلك فعلي الرغم من توريطهم للادارة الامريكية في غزوتين عسكريتين متتاليتين، ودفعها لاحتلال دولتين قائمتين، فان المحافظين الجدد لم يتنكروا بالمرة لمواقفهم، بل لا زالوا يعتقدون اذا لم يكن بحتمية ازدهار الديموقراطية بالعراق وافغانستان، فعلي الاقل بتوفقهم في صد هجمات القاعدة و مطاردة خلايا الارهاب، حيثما حل عناصرها وارتحلوا.
يقول السيناتور الجمهوري بات روبرتس: في خوضنا الحرب العالمية ضد الارهاب، نحتاج لكبح ما يفاقم الغرائز المسيحية. نحتاج الي نوع من هندسة اجتماعية عالمية، تشعر من خلالها الولايات المتحدة انها مكلفة ومجبرة علي تشجيع الديموقراطية، بالقوة عند الضرورة.
قد يسلم المرء بدواعي ودوافع امريكا الموضوعية في ضرب افغانستان والعراق، واحتلالها لهما بقوة النار والحديد. وقد يسلم بـ نبل غايات ما اسس له المحافظون الجدد، وروجت له اجيال مفكريهم وساستهم. لكنه لا يستطيع الا ان يسلم بان ما جري ويجري بالعراق تحديدا، وهو المختبر المعول عليه لنشر الديموقراطية والحرية بالمنطقة وبالعالم، انما يشي بفشل مصممي المشروع الامريكي الجديد، ومتاهات صناعه ومنظريه:
ـ فالعراق تحول، بالنسبة للامريكان، الي مستنقع حقيقي، يستنزف من بين ظهرانيه العراقيون دون شك، لكنه عازم بالآن ذاته، علي استنزاف مقدرات الامبراطورية، وتمريغ الهيبة التي آمن بها المحافظون الجدد، وحذروا من مغبة تقويضها بالمرة في حال ما استهدفت الامبراطورية من جديد، علي شاكلة ما وقع بالحادي عشر من ايلول (سبتمبر) او اكثر.
بهذه النقطة، لا يبدو لنا انه من الدقة القول بان الامريكان عجزوا عن ضبط فوضي العراق المتزايدة، بل هي لربما من فعلهم، علي اعتبار انها كانت احتمالا قائما في حال ما اعترضت خططهم منغصات، او واجهت مشاريعهم بالمنطقة اكراهات، او طاولها سوء التقدير.
ـ والعراق طاوله التشظي وتناحر علي غنيمة سلطة تحت الاحتلال الاخوة قبل الغرماء، ولم يعد للعملية السياسية من افق كبير يذكر، بالاحتكام اليه يتم التحاجج والتنافس. الكل بالعراق المحتل اضحي مع الكل ضد الكل، تساوي بظل ذلك الاقتتال بين الطوائف، كما داخل الطائفة الواحدة سواء بسواء.
بهذه النقطة ايضا، يبدو ان ادارة المحافظين الجدد لم تتستر فقط خلف مسوغ ان التشظي اياه تاتي من هويات متعددة قائمة، بل وراهنت ايضا علي تدمير القائم تدميرا شاملا ليتسني لها هندسة القادم، وفق ما يبدو لها ويظهر.
ان متاهات المحافظين الجدد وعجزهم عن ادارة عراق ما بعد الاحتلال، انما تأتت اصلا وبالمحصلة من استعلائهم المبالغ فيه، من استهتارهم بقدرة العراقيين علي رد الفعل، ومن نجاعتهم في تقويض الحسابات القائمة.
يقول فرنسيس فوكوياما، الذي لطالما حاجج لفائدة المحافظين الجدد: بعد جهود امتدت قرابة اربعة اعوام، وصرف ما يعادل نصف ترليون دولار، ومقتل الآلاف من الجنود الامريكيين، لم تنجح الولايات المتحدة في تهدئة الاحوال في بلد صغير يبلغ سكانه 24 مليونا، ناهيك عن المضي به صوب اي هدف بعيد، مثل ديمقراطية ناجحة. ليس ثمة من شك، فيما يبدو لنا، ان المقاومة العراقية هي صاحبة الفضل في كل ذلك. فهي لم تنجح فقط في التنغيص علي المشروع الامريكي الطموح بالمنطقة ولربما بالعالم، بل اسهمت بقوة في اندحار الصقور ضمنهم (من قبيل رامسفيلد وولفويتز وريتشارد بيرل ودوغلاس فايث وغيرهم) ودفعت غلاتهم للاعتراف وان علي مضض بحقيقة المستنقع، بعدما سلموا بخطأ الحرب في البدء.
لو نجحت المقاومة اياها مستقبلا في كسر مدهم الايديولوجي بالعراق، فستكون بذلك قد اراحت العالم كله من شرور مرجعياتهم، من استعلاء سلوكهم، ومن الضغينة الصارخة التي يضمرونها لشعوب الارض.