أمجد ناصر
شاكر العبسي:
بلحية هي خليط بين جيفارا وأسامة بن لادن ظهر، فجأة، شاكر العبسي. الرجل معروف في محيطه الصغير. كان مقاتلا في حركة (فتح) الأم ثم منشقا في (فتح ـ الانتفاضة). لم يكن شبحا بلا ظل ولا صاحب خوارق تجعله يتواجد، في الوقت نفسه، في مكانين مختلفين. له والدان واخوة في الاردن وأقارب في فلسطين والشتات. هناك أطباء وكتاب وموظفون وعمال يحملون الكنية نفسها، ولن يكون مرورهم في الدوائر الحكومية، المطارات، ومكاتب العمل سهلا. ستضعهم تلك الكنية التي ترددت في مقدمة نشرات الاخبار نحو شهرين في حال من الشبهة والالتباس، مثلما وضعت كنية زعيم القاعدة كل من يحمل اسم عائلته تحت مجاهر القوي العظمي والصغري وشرائحها الاليكترونية. أفكر، الآن، مثلا، في ابراهيم العبسي وقصصه القصيرة، في حسن العبسي ودكانه الذي يبيع كل شيء في الزرقاء، في ديوان آل العبسي في جبل الزهور، وفي عبسيين كثر لا ناقة لهم ولا جمل بفعلة شاكر العبسي، ولكنهم لن يستطيعوا، علي الأغلب، تفادي جريرة الاسم.
في أزمنة الانكسار وانعدام اليقين وتوالي الضربات من كل حدب وصوب، يصبح الفرق بين حرب (الغوار) الثورية والأحزمة الناسفة مقدار شعرة، وقد ينعدم الفرق فينقلب (الغواري) قاعديا. فلا عجب في أزمنة عربية صار الواقع فيها أغرب من الخيال، وانحط الخيال الي الدرك الأسفل. إنها أزمنة الواقعية السحرية المبتذلة التي يجد فيها عمال النظافة أطفالا مقمطين في حاويات القمامة، ويصبح الزعران أبطالا، ويرث الآباء ابناءهم وتلد البغال أمهارا محجَّلة، وتنبت ناطحات سحاب من رمل الصحراء، وتختفي الانهار والغدران، وتأكل الناس برادة الحديد.
في ازمنة الواقعية السحرية المبتذلة ظهر العبسي فجأة في مخيم نهر البارد. اختفي كما ظهر. جاء واختفي في مخيم تهدم عن بكرة أبيه، ولم نفهم لماذا جاء وكيف اختفي. قيل، اولا، انه قتل. زوجته قالت هذه جثته، لكن تقرير الطب الشرعي قال انه ليس هو. فمن يكون ذلك الذي رأينا جثته ممددة علي الارض بين القتلي؟ وكيف اقام اهله بيت عزاء له في عمان؟ فإن لم يكن صاحب الصورة تلك هو العبسي فأين ذهب العبسي؟ وكيف تمكن من (الفرار) وقد احاط الجيش اللبناني بالمخيم احاطة السوار بالمعصم؟
أهم من ذلك. ماذا جاء يفعل العبسي في مخيم نهر البارد؟ لماذا تنصلت جميع الاطراف منه ولم يبق احد من هيئة اركانه ليقول لماذا حصل ما حصل، وكيف اصبح مخيم آهل بالسكان حقل رماية مفتوحاً، ليعود منه جيش يبحث عن انتصار مكللا بأغصان الغار؟ اعجوبة اخري مثل (جند السماء) الذين هبطوا، فجأة، بالقرب من الكوفة ولم يبق منهم من ينقل خبرا عنهم.
صورة وصورةنحن نعرف تلك الصورة. وهي لا تشبه الصورة المعتادة لآخر جندي مستعمر ينزل علم الاحتلال عن السارية ثم يطويه ويتواري عن الانظار. الصورة الاولي تختلف. نحن الذين عشنا وهج السبعينات واحلامها الانتصارية يصعب ان ننساها: طائرة عمودية امريكية علي سطح سفارة بلادها في سايغون تخلي بعض ما تستطيع من (عملائها) قبل وصول (الفيت كونغ) الي السفارة. السينما الامريكية، ذاتها، صورت هذه اللحظة الدرامية كيوم حشر طويل.
الصور تعود دائما. نظن أن الصور يتقادم بها الزمن ويلفها غبار الارشيف وتكف عن أن تكون دليلا صالحا علي ما تحبل به الأيام. لكننا نخطيء. فالزمن ليس خطا مستقيما لا يعود الي الوراء. الزمن ليس عداء مسافات عليه ألا يلتفت الي الخلف، بل، فقط، الي الامام. ليست هذه آية الزمن ولا هي من طبائعه. وإذ لا يعود الزمن نفسه الي الوراء البتة، كمياه النهر التي لا نسبح فيها مرتين، فإن لحظة تشبهه في ظروفها واحكامها تنبعث من مقبل الايام، فتذكّر به ويصحو التاريخ من رقاده. لكن التاريخ لا يعلّم، علي مايبدو، احدا. فلا احد يستطيع تغيير الماضي، ولأن الانسان لا يستطيع ان يعيش الماضي والحاضر معا، فهو ينتصر للحظته لأنه ابنها. هذا ما فعله جورج بوش في خطابه الذي استعاد فيه حرب فيتنام. لكن بوش نسي تلك الصورة. هو نفسه لم يكن جنديا. ولم يعرف الحرب الا علي شاشة تلفزيون. يقولون ان الصورة لا تكذب. لأنها لا تنقل الا ما تراه عين الكاميرا، اما الكلمة فيمكن ان ينطق بها الصادق والكذاب. فماذا يمكن ان نسمي تلك الصورة التي تنطق بحقيقة غير قابلة للتغيير او الاستئناف؟ ليس لها اسم سوي اسمها، وليس لها حقيقة أخري غير حقيقتها التي تفضحها الأيدي الممدودة برجاء مرعب الي حيث تربض طائرة النجاة المستحيلة. حاولت الكلمات أن تتلاعب بالتاريخ، بالحقيقة، فعادت الصورة لتكذّب الكلمات، لتعيدها الي رشدها. هذا ما فعلته الصحافة ما ان حاول بوش اعادة (ترتيب الماضي) وفق ضغط الحاضر وهلاوسه. كان يمكن ان ننتصر في الفيتنام لو صبرنا قليلا! هذا ما قاله. لكن الصورة أبدت وجها آخر للتاريخ، وجها آخر للحقيقة. غدا ستكون صورة الرجل ـ الشبح، أو الرجل ـ التمثال، برأسه المغطي بكيس من الخيش ويديه اللتين تنتهيان بسلك كهربائي، هي الصورة الباقية من العراق. ستكون هناك، علي الاغلب، حماقة اخري، تكرار آخر للتاريخ، فتنبعث الصورة مجددا. رجل الصورة ـ التمثال ما يزال علي قيد الحياة. انه يدعي علي القيسي. لقد رأيته علي شاشة تلفزيون عربي يتحدث في مؤتمر عن الحرب في دولة آسيوية. وجهه مزيج محير من الشباب والهرم معا. سيموت هذا الرجل، كما سيموت غيره، لكن صورته ستبقي. صورته التي لا تحتاج مثَّالا لاستلهامها ستكون أصدق من الكلمات التي يغريها الكذب.
حالة حشرلم يستقطب حدث في العالم، ربما، ما استقطبه 11 أيلول الأمريكي من اهتمام وردود فعل، لا لضخامة الفعلة (وهي ضخمة بحق)، ولكن لأنه حدث في أمريكا وليس في أي مكان آخر في العالم. حدث 11 أيلول الأمريكي هائل في حجمه، فهو يشبه قيامة صغيرة رآها الناس لحظة بلحظة علي شاشة التلفزيون. القيامة الحقيقية لن يشهدها الناس. فهم سيكونون، كلهم، في (حالة الحشر)، ولن يبقي هناك من (يغطيها). لن تكون هناك كاميرا تنقل، مثلما رأينا في (منهاتن)، الانهيار البطيء، ثم المتسارع لأكبر نصبين في العالم، ولن تبقي صورة لدخان عظيم يتصاعد من جوف الأحياء ويسد الآفاق، ولن تُري صورة الذين ظنوا ان أيديهم أجنحة فحلقوا في السديم الكبير، ولن يبقي هناك تاريخ. بهذا المعني كان انهيار البرجين التوأمين (بروفة) لشيء يشبه القيامة في شدة عصفها وفي مشهد الدمار الملحمي العريض وفي ذهول الأعين وحيرة الألباب. لكن هذه (القيامة الصغيرة) لم يكن ممكنا لها ان تحدث هذا الوقع الكوني الكبير لو لم تقع في أمريكا: القوة الكاملة، النظام الكوني الجبار، روما العصر الحديث. فالكمال يغري بمحاولة انقاصه، والقوة التي تبلغ هذا الحد من احكام طوقها علي العالم تغري بمحاولات النيل منها وستجد مهللين، ومتواطئين، لمن يقومون بفعل التحدي. هذا ما استنتجه المفكر الفرنسي الراحل جان بودريار في تصديه الألمعي، الجريء، لـ (غزوة منهاتن). يقول بودريار: عندما يكون الموقف محتكرا، علي هذا النحو، من قبل القوة العالمية، وعندما نكون حيال هذا التركيز المذهل لكل وظائف الآلية التكنوقراطية والتفكير الأحادي، فأي طريق أخري يمكن سلوكها غير التحويل الإرهابي للموقف؟
ثم يضيف: ان السستم (النظام) نفسه هو الذي ولد الشروط الموضوعية لهذا الرد المباغت العنيف، فباستئثاره بكل الأوراق يرغم الآخر علي تغيير قواعد اللعبة. وقواعد اللعبة الجديدة ضارية لأن الرهان ضار! الشروط الموضوعية التي (ولدت) حدث منهاتن الإرهابي موجودة، وهي تتمثل في احتكار مطلق للقوة واستئثار شبه مطلق بالقرار العالمي، ولو لم تقم به (القاعدة) لقام به غيرها من (المتضررين). ومن نافلة القول ان هذا ليس تبريرا للإرهاب، ولا للعمل الإرهابي الذي قامت به (القاعدة) ولكنه محاولة للتفكير في أسئلة انتابت، وما تزال، ربما، تنتاب الكثيرين حيال 11 أيلول من نوع: لماذا وكيف حدث ما حدث. كانت هناك شروط موضوعية، إذن، هي التي استجلبت الحدث، وهذه الشروط الموضوعية ما تزال قائمة، وفي رأسها تبرز (العولمة) التي تصاحب، عادة، كل انتشار كوني للقوة. وكما قالت الماركسية يوما ان الرأسمالية تحمل بذور فنائها في رحمها، فلا تبدو (العولمة) بطبعتها الأمريكية بعيدة عن هذا (القانون). هذا صدي أيضا لم يقوله بودريار. وتبرز في تحليلات المفكر الفرنسي الراحل فكرة مهمة، ولكن قلما جري تحليلها علي هذا النحو وتتعلق بمقولة (صراع الحضارات)، انه لا يري الأمر صراع حضارات او صدام أديان بقدر ما هو صراع يجري في داخل العولمة نفسها وضدها. فهو يقول لو ان الإسلام كان القوة المسيطرة علي العالم، اليوم، لنشط الإرهاب ضد الإسلام. كل (سيستم)، كل قوة مسيطرة، كل استئثار كامل برسم صورة للعالم يستجلب، بالضرورة، ردا. كأن قوانين الفيزياء تسري في عالم الاجتماع البشري! ولكن هل وعت النخبة الأمريكية التي تتحكم في إدارة السيستم هذه الحتمية؟
هل هناك اعتبار لما جري؟ أخبار العراق وأفغانستان (وأمكنة وجبهات أخري أقل سخونة) تخبرنا العكس. فأمريكا محكومة، علي ما يبدو، بالشروط الموضوعية الخارجة عن (إرادتها) بوصفها القوة الأقوي في العالم التي ينبغي ان تواصل الانفراد بالعالم الي ان تبرز قوة بديلة أو قوة رادعة. وهاتان قد تلوحان في الأفق ولكنهما غير موجودتين علي أرض الواقع. قد لا يتكرر حدث 11 أيلول مرة أخري في أمريكا ولكن استنزاف القوة العظمي جار. نخر أطراف الامبراطورية المترامية يعمل علي قدم وساق، فيروس الإرهاب يقضم خلايا الهيكل، فالتاريخ لا تصنعه الاحداث العظمي فقط، وهو لم يحل الي التقاعد، كما أفتي مبشرو الليبرالية الأمريكية وسدنة المحافظين الجدد. للمفارقة فقد عاد بعضهم عن حمية السكرة الأولي ورأي أن الواقع الكوني اكثر تعقيدا من أن يلغيه كتاب.