البارزاني والانفصال الكردي… هل بدأ سيناريو تفتيت العراق؟

حجم الخط
19

طالب مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان العراق في بيان امس باستغلال ما سماه «فرصة ذهبية» لعقد استفتاء على حق تقرير المصير في الاقليم تمهيدا لاقامة «دولة مستقلة» في شمال العراق.
وبدا واضحا في تصريحات البارزاني انه يشعر بثقة كبيرة في الحصول على تأييد شعبي لخيار الانفصال، ما يمثل ضغطا سياسيا على الحكومة المركزية في بغداد، خاصة بعد ان استغل الاكراد الفراغ الذي تركه انهيار الجيش في الموصل بعد الهجوم الكاسح الذي شنه تنظيم الدولة منتصف 2014 وفرضوا سيطرتهم على معظم محافظة كركوك الغنية بالنفط وغيرها من الاراضي العراقية.
ولا يمكن قراءة تصريحات البارزاني بعيدا عن استمرار الخلافات بين القوى السياسية الكردية. وكان البارزاني عقد مؤخرا اجتماعا مع ثلاثة من الأحزاب الكردية، وجرى تشكيل لجنة لتقريب المواقف بين الأحزاب لحل أزمات الاقليم وتحريك اجراءات الاستفتاء على تقرير المصير وتفعيل البرلمان، لكن دون جدوى. ويمثل الحديث عن الاستقلال في هذا التوقيت فرصة اضافية للبارزاني للهروب الى الامام.
اما على ارض الواقع، فان الزعيم الكردي المخضرم يدرك جيدا ان القضية اكثر تعقيدا من استفتاء يستغل المشاعر الوطنية والقومية للسكان، ويتعلق بتوازنات وارادات اقليمية لن تسمح له في النهاية بتشكيل خطر على مكوناتها الديموغرافية.
وحسب تصريحات الرئيس العراقي فؤاد معصوم، وهو احد ابرز القيادات التاريخية الكردية كذلك، فانه ليس هناك مشروع متّفق عليه بين الكرد انفسهم في إعلان إستقلال لأن به مشاكل كثيرة، وعلى الرغم من وجود اجماع كردي على فكرة الاستقلال، الا ان هناك خلافات سياسية عميقة بين الاحزاب الحاكمة للاقليم حول تقاسم السلطة.
ومن اللافت ان البارزاني الذي تحدث عن الاستفتاء كخيار سلمي «ديمقراطي» في الوقت الذي يتشبث فيه بالسلطة، ما ادى لتفاقم الخلافات السياسية في الاقليم، حتى انه طرد حزب غوران، ثالث الاحزاب الكردية، من اربيل، عاصمة اقليم كردستان بسبب هذه الخلافات.
ومن الاسباب التي تجعل البارزاني يرى ان «الوقت مناسب» للانفصال عن حكومة بغداد كذلك، انه تمكن من اقامة تحالفات خارج نطاق الدولة العراقية مع تركيا والولايات المتحدة، في تكريس لمعطيات الانفصال التي اسس لها خلال السنوات الماضية، حتى ان بعض المراقبين يعتبر ان «الدولة الانفصالية الكردية» تكاد تكون قائمة بالفعل ولا ينقصها الا الاعلان عنها رسميا.
اما الدعم بل الحماس الاسرائيلي لانفصال الاكراد في العراق فلم يعد سرا، فيما تعتمد تل ابيب على اربيل في الحصول على 75 في المئة من احتياجاتها النفطية. اما الاسباب فتحتاج الى مبحث مستقل، وان كان كافيا مجرد تصور المكاسب الاستراتيجية الهائلة لاسرائيل من الحصول على رأس جسر عسكري واستخباراتي في شمال العراق. كما ان تفتت العراق الى دويلات طائفية واثنية سيكون انتصارا مهما للمصلحة الاستراتيجية الاسرائيلية الهادفة الى القضاء المبرم على الدول العربية الاساسية وخاصة تلك التي خاضت حروبا ضدها.
وتعول القيادة الكردية حتما على هذا الدعم الاسرائيلي في مواجهة التحفظ الامريكي ورفض دول اقليمية رئيسية للانفصال.
وبديهي ان قيام البارزاني بتوجيه الطعنة الاولى الى ظهر الدولة العراقية المتهاوية سيفتح الباب امام انهيارات جديدة ضمن سيناريو تقسيم البلاد الى دويلات الذي دعا اليه الكونغرس الامريكي العام الماضي.
ولعل الانباء التي رشحت امس عن استعدادات امريكية لتشكيل قوة امنية سنية مستقلة لنشرها في المحافظات السنية في العراق تكرس التوجه الانفصالي نفسه، مهما تحدثت واشنطن عن تمسكها ببقاء العراق كدولة موحدة. ولن يبقى الشيعة بمنأى عن هذه الانهيارات بالنظر الى مطالبات من محافظات كالبصرة بالتحول الى اقليم يحظى بالحكم الذاتي.
وفي المحصلة، لا يمكن لهذه التطورات مجتمعة الا ان تدق ناقوس الخطر من ان سيناريو التقسيم الذي طالما حذر كثيرون منه اصبح يقترب بسرعة من التحول الى واقع، قد ينتهي معه العراق كما عرفناه الى الابد .

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية