خزعل الماجدي
إذا كان بالإمكان تصنيف أعمال صلاح حسن الأدبية جميعها فيمكننا القول انه شاعر وكاتب مسرحي. فقد اصدر ثماني مجموعات شعرية ثلاث منها للأطفال، وقدمت له تسع مسرحيات اثنتان منها للأطفال. لكنه اليوم يطل علينا بكتاب نثري جديد هو (قربان التاريخ… العراق من لهب العقل إلي رماد النفط). الكتاب اقرب إلي الشهادة الطويلة منه إلي السيرة والمذكرات. فهو يضعنا في ستة فصول (مع مقدمة وخاتمة) في مرحلة زمنية من حياته تكاد تمتد لعقد من السنوات تمتد من 1994 إلي 2004 هي في الوقت نفسه من أكثر سنوات العراق التهابا وضجيجا. لقد عاش صلاح حسن مثل كل أدباء وكتاب العراق المعاصرين سنوات المحنة العراقية في ظل النظام الدكتاتوري السابق وفي ظل الاحتلال الأمريكي المقيت، وقد اختار مقطعا يناسب تراجيديا هربه من العراق المتزامنة مع تراجيديا الحصار والموت والاحتلال للعراق بأكمله.
ظننت للوهلة الأولي إن صلاحا اتبع نظاما دائريا في مخططه السردي عندما وضع الأيام الأولي لاحتلال العراق في بداية الفصلين الأول والأخير، لكني أدركت فيما بعد انه اتبع خطة أكثر تلقائية حين جعل ذاكرته تلتقط ما يصادفها من الأحداث في هذا النسق الملغوم بالأحداث الدرامية، وهو ما جعل طريقة السرد أكثر حرية، واخرج الكتاب من حقل السيرة المنظمة المنضبطة بتواتر الزمن. وهكذا كانت هذه الشهادة أكثر انفلاتا من صاحبها وهي تصطدم بين الحين والآخر بالمفاجآت المدهشة والأحداث الغربية.
لعل أكثر ما يميز كتاب قربان التاريخ هو عفوية السرد، فقد كان المؤلف يتحدث دون تكلف ولم يصطنع لغة بلاغية عالية مفتعلة، بل ترك نفسه لسجيتها تقول كل ما تريد قوله. وقد يستغرب البعض اذا قلت إن أسلوبية السرد عند صلاح تشبه تماما أسلوبية المحكي اليومي وطريقة كلام صلاح.. وهذا لوحده مثار دهشة لا من خلال ما حققه من مقولة (الأسلوب هو الرجل) بل من خلال النبضات الأخاذة الجميلة في طريقته العفوية.. انه يكتب وكأنه يتكلم وهذا احد أسرار الكتاب الخفية.
الميزة الثانية في هذا الكتاب إن هذه الشهادة / السيرة تمضي دون ان تلتفت كثيرا إلي ما يراه البعض اخطاء أو هفوات.. انه يتحدث عن سيرته بثقة ويتفاخر احيانا بمنجزه الشعري وبقدرته علي عبور مخاض الهروب من الوضع القمعي للنظام السابق لكنه لا يخفي مشاعر الخوف والضعف الإنساني والتعب والخذلان والتردد وهو ما يجعلنا نغفر له تفاخره واعتداده. إن هذه المشاعر المختلطة والمتناقضة تكسر بعضها وتجعلنا أمام شخصية حية لها قوتها وضعفها، لها ذرواتها وسفوحها وقرارها، لها انتصاراتها وهزائمها. ولذلك لا نجد أنفسنا ونحن نقرأ هذا الكتاب أمام مناضل أو بطل بل أمام إنسان عاشق للحرية وأمام إنسان ملتبس في كثير من الأحيان، بين الكثير من المشاعر المتضادة وأمام شاعر يحاول ان يتخطي واقعه إلي واقع آخر احتراما منه لمبدأ الحرية الذي هو أساس الشعر. ومن هذا المنطلق نري المؤلف يتحدث بصراحة عن المقابر الجماعية للنظام السابق مثلما يتحدث عن سرقة قوات الاحتلال للمتحف العراقي والنفط العراقي وعن الميليشيات الدينية الجديدة التي تدمر العراق.
ولذلك أقول إن هنالك ميزة ثالثة هي الصدق والصراحة. لقد كانت صراحة المؤلف مبهرة عندما تحدث عن لقائه بجان دمو (أكثر صعاليك الأدب العراقي شهرة) فقد سرد فيها واحدا من أجمل فصول الكتاب، وكانت الصراحة أساس كتابته. اننا ندرك ان كتابا متزمتا عن حياة شاعر لا يمكن ان يعود علينا بالفائدة، لأننا لا ننظر إلي الشاعر كإنسان متزمت بل ننظر إليه كمبشر بالحرية والجمال ونتوقع ان يكون مخاضه في البحث عن الحرية والجمال وفي بلد مكبل ومحاصر مليئا بالمفاجآت والمفارقات. وقد حقق صلاح حسن بعضا من هذا. لذلك كان الكتاب بعيدا عن التزمت وقريبا من الحياة الغضة المليئة بالمفاجآت الصغيرة. فضلا عن ذلك فان ميزة رابعة كانت واضحة للعيان وهي السخرية السوداء والبيضاء معا، فلم يتوقف الكاتب عن جعلنا نبتسم أو نضحك بمرارة أو بمرح طيلة صفحات سرده فقد كان يلجأ إلي المفارقة والسخرية والتعليقات الجميلة في سياق كلامه، وهكذا بدت شهادته الأكثر مرحا في محيط اسود مجلجل بالكوارث والدمار. كانت السخرية أشبه بالكوميديا السوداء التي تعري الأخطاء وتكشف مفارقاتها، وكانت أشبه بشعل تضيء المتن الذي كتبه المؤلف وتجعلنا نتطلع بشغف إلي روحه المرحة أيضا. وهكذا اجتمعت العفوية والصراحة والصدق والسخرية في هذه الشهادة المميزة لتعطيها نمطا نادرا من التشويق وهو ما جعلني اقرأ الكتاب دفعة واحدة دون ملل.
إن التشويق عامل مهم في مثل هذا النوع من الكتب اذ يمكن ان تتحول كثافة الأحداث وصرامتها إلي عائق جدي للمضي في قراءة الكتاب لكن صلاح حسن استطاع ان يمضي بنا في رحلة مشوقة جميلة طرح فيها مأساته الشخصية مثلما طرح فيها المأساة العامة التي كان وما زال يمر بها العراق ومثقفوه وكتابه. لا بد من التنويه إلي أن ما يمر به كتًاب وأدباء العراق اليوم لا يقل اذي عن الذي مروا به قبل سقوط النظام السابق رغم جو الحرية الملتبس الذي يسود اليوم. ولعل هذا يتأتي من كثرة منابر القمع الفكري هناك وهيمنة الغبار الديني والرجعي والتعصب المذهبي الأعمي الذي ينتشر بلا هوادة في بلد محتل ومسير من قبل أكثر من سلطة غالبا ما تكون خفية ومراوغة وعنيفة وقادرة علي إيقاف التداول الثقافي السليم.
لقد استطاع صلاح حسن ان يقدم لنا صورة شاملة للكيفية التي كان يمارس بها النظام الساقط قمعه للحريات الثقافية، مثلما استطاع ان يضيء أحداثا حصلت بعد الاحتلال مثل تدمير ونهب الكنوز الحضارية العراقية كالمتحف العراقي والمكتبة الوطنية والجامعات العراقية والمكتبات العامة والمخطوطات القديمة في وزارة الأوقاف والكتب النادرة في المجمع العلمي العراقي وبيت الحكمة. وشملت شهادته الحديث عن شارع المتنبي الذي سماه شارع الثقافة السرية والذي هو معرض دائم للكتب الحديثة والقديمة.. فهو اقدم معرض للكتاب في العالم منذ تسعة قرون، حيث يمكنك ان تجد فيه أندر وأقدم الكتب الممنوعة والمستنسخة، بل وتجد فيه الأدباء العراقيين وهم يبيعون كتبهم ومكتباتهم علي مدار السنوات المنصرمة وهو ما شكل اكبر وصمة عار علي الحكومات السابقة حيث يصل الادباء العراقيون إلي مستوي من الفقر والحاجة لدرجة انهم يفترشون مكتباتهم الشخصية ويبيعونها لسد رمق جوعهم وحاجتهم.
ولكي اكمل الصورة التي توقف عندها صلاح حسن أقول بأن الإرهابيين أقدموا قبل أشهر علي حرق وتدمير هذا الشارع فوضعوا فيه السيارات المفخخة وفجروها لكي يقضوا علي واحد من أكثر رئات المثقفين والقراء تنفسا. هذه الصورة المأساوية للثقافة العراقية التي ما زالت حية رغم ضعف نبضها نقلها لنا المؤلف بالكثير من الجدية والأمانة وبعرض سردي جميل مشوق. اري ان هذا الكتاب يشكل واحدا من الكتب الجيدة التي تفضح ما تعرضت له الثقافة العراقية من خراب ودمار في العقود السابقة وحتي الآن وأحث من خلاله جميع الكتاب والأدباء والمثقفين العراقيين علي سرد ذاكرتهم التي تفضح جوانب أخري وتضيء مآسي أخري مرت بهم لكي نكمل رسم صورة الخراب الذي طال الثقافة العراقية في عصر يشهد انتعاش ثقافات الشعوب وتطويرها والعناية الفائقة بأدق تفاصيلها. اما الكنز العراقي الذي نهبوه وخربوا ما تبقي منه فلا نعرف علي ذمة من سنعلقه؟ فهم كثيرون وغامضون في أحيان كثيرة، لكن كتابا واحدا مثل كتاب قربان التاريخ سيشير بوضوح إلي قائمة هؤلاء المجرمين. شاعر من العراق يقيم في هولندا