السعودي عبد المحسن يوسف: مقامرة القراءة أثمرت «قامَرَ برأسهِ كأنّه الوردة»

حجم الخط
0

أن تأخذه مقامرة القراءة نحو الاستغراق بعالم جلال الدين الرومي أحد المتصوفين الشعراء، ونساكي الأزمنة، أن يأخذه الطريق إلى اصطياد والتقاط ما يبهر في شعرية الرومي ، من المثنوي، وكتب أخرى، هذه القراءة وهذا الرصد الراقي المكثّف لأشعار الرومي، التي جمعها قطرة قطرة كقصيدة نثرية فاتنة، وكأنه ينتقي هذه الجمل الخاطفة، ينتزعها انتزاعا ضمن كلام، ليقدمها للقارئ العربي، بهذه الصورة الحداثية المدهشة، وكأنها كتبت للتو.
« قامرَ برأسه كأنّه الوردة»، هذا العنوان اللافت، الذي يكثّف مصائر أصحاب الرأي من الشعراء والمتصوفة، الذين يتحرّكون في عالم ملغوم بالجهل، صدر الكتاب عن مؤسسة أروقة للدراسات والنشر.
يقول :»يظنون ألا قراء غيرهم ولا يعرفون أن للدرب نجوما تضيء»، ولأن رحلة القراءة إلى الداخل، حيث فضاء المعنى، فإن عبد المحسن يوسف يبدأ تلك النصوص المقتصدة، التي تعاند الزمن بومضة شعرية لجلال الدين الرومي كأنها كتبت للتو، فتشير إلى ما نحن عليه اليوم، «إنّ النايَ يتحدّثُ عن الطريق المليء بالدماء، كيف بدأته بهذه الصورة….» إن الناي يتحدّث عن الطريق المليء بالدماء.
اختيارات فيها موقف ونبل وانزياح للحب، حيث يعود يوسف إلى أكثر من ثمانية قرون حيث عاش الرومي من (1207 – 1273) وينتقي لنا هذه الومضات .
ينتقل من جمل شعرية تحكي عن الناي والوجع، إلى العشق: «لتسعد/ إذن أيها العشق الطيب يا هوسنا» حتى الجبل بدأ في الرقص وخفّ
هنا إشارة إلى العشق والسعادة، العشق والرقص، خفة الروح، ثم ينتقل إلى الموت عشقا، تكثيف عال لأحوال العاشق، العاشق مقابل المعشوق. ليتوقف بعد ذلك عند وجع الإنسان، فيقول: «كل واحد منا مسيح عصره»، وما تحمله هذه الجملة الشعرية من إدانة للزمن، ولأن الصوفي ابن الوقت، على حد تعبير الرومي، فإن «الدمَ ليتفجر من فمي كلمات»
من هذه الخيارات تستوقفنا انتقائية عبد المحسن لبعض الجمل الشعرية، لاسيما حديث الرومي عن الصورة، الذي يعتبر سابقا لعصره وزمنه
« لتمسك بقدم المعنى فالصورة متمردة الصورة المتمردة أذبها بالألم المعنى بمثابة الجناح على جسد الصورة الكلام كالصورةوالمعنى كالروح
وهنا نمسك بفكر الرومي، وإشاراته الشعرية والفلسفية، للجسد والروح، لقد انبعثت الصورة مما لا صورة له، تفسير الوجود، من الفكرة المطلقة، أو الروح المطلق، الحديث عن المعنى واقترانه بالصورة.

مصادر ومراجع

حول المصادر والمراجع التي استند إليها الشاعر السعودي عبد المحسن يوسف في جمعه وتقطيره العالي لشعرية جلال الدين الرومي، يقول: جمعت الرومي قطرة قطرة من عدة ينابيع، وأنهر، فالرومي يكتب بنفس عميق جمله الخاطفة، التي لم تكن جملا شعرية مستقلة، هي ضمن كلام كثير، انتزعتها انتزاعا، بدت وكأنها قصيدة نثر معاصرة، استندت إلى أكثر من ثمانية مراجع، منها المثنوي، وأشعار مولانا، ونتف من هنا وهناك، واستغرق العمل ست سنوات.
قلت له، ما الدوافع لجمع هذا العمل؟ هل هي روحك المتصوفة، عزلتك، أم التوق إلى هذه الينابيع؟
قال لي: في البدء كانت متعة قراءة، نزهة الروح في بساتين الرومي، القراءة التي ملأتني بحدائق النور، بثراء اللغة، وغنى الخيال، وتحليق الأجنحة في فضاءات واسعة، بعد ذلك سألت نفسي لماذا نترك هذه الكنوز مهملة أو منسية في هذه المجلدات الضخمة البعيدة عن متناول الناس، وهذه التجربة الشعرية الرائدة، تخيلي شعرا حديثا مكتوبا منذ أكثر من ثمانية قرون، ولك أن تحسبي معي تلك السنوات
تابع: قصيدة النثر، قصيدة الومضة، أدهش وهي بين ركام من الكلام الذي لا يعنينا كثيرا، إنما يعنينا الشعر، الشعر الفاخر الذي يبقى ويحلّق في الزمن، من دون أن يذبل أو يصاب بالوهن، أو تنطفئ أقماره الناضجة.
ـ أثناء هذه الرحلة في عوالم مولانا، هل وضعت يدك على من تأثر من الشعراء بالرومي من دون أن يشير؟
ـ بالتأكيد، قال، جلال الدين الرومي ترك بصمة عميقة على أسماء كبيرة في المشهد الشعري العربي والعالمي، هناك من أفاد بوضوح من هذه التجربة في اللغة وبنية النص والرؤيا ذاتها، أستطيع أن أسمي من دون تردد، أدونيس، قاسم حداد، سركون بولص، الذي وضع عنوانا لديوان له فقرة مأخوذة بقضها وقضيضها من جلال الدين الرومي. أيضا لا أنسى سان جون بيرس، لقد تجلى جلال الدين الرومي في مناراته بوضوح تام، وكأن الغرب يقول لنا بضاعتكم ردت اليكم، خاصة حينما قام أدونيس بترجمة تلك المنارات، أعني تجربة سان جون بيرس، كل هؤلاء يظنون لا قراء غيرهم ولا يعرفون أن للدرب نجوما تضيء..
ـ ما المبررات لعودتك للرومي اليوم؟
ـ لم أكن معنيا وأنا أقرأ تجربة الرومي العريضة الواسعة العميقة، بالأيديولوجيا ولا بالسياسة ولا بالحكمة، كنت معنيا بالبروق الشعرية المغايرة المتحققة منذ قرون بينما نحن العرب وتحديدا في بلادي كنا نتخاصم ونتعارك على مفردة «الحداثة»، أليس هذا الأمر يعني فيما يعنيه أننا جئنا إلى الحداثة متأخرين؟ محض سؤال… أتركه معلقا في الهواء كطائر هرم ..وبينما أنا أقرأ تلك المجلدات، كنت أضع خطا بالقلم الرصاص تحت أي ومضة مدهشة أو التماعة مغايرة.. أكثر ما كان يدهشني تلك الصور الشعرية الجديدة والطازجة التي لم تجتر صورا قديمة ولم تقلد أفقا سابقا، ولم تُحِك قميصها على مقاس محدد سلفا. أيضا كانت تستفزني بنية تلك الومضة وطريقة صوغِها، كل هذا كان يحدث وأنا أقرأ بين السطور، بين تلال هائلة من الكلمات بروق مثمرة وغيوم مقمرة وتوق إلى البوح المغاير للسائد والمتفق عليه من حيث اللغة وكذلك المضامين.
يتابع بلغة المسحور قائلا: «كنت أضع خطا تحت ومضة قصيرة واحدة في صفحة كاملة، كنت كمن يبحث عن وردة في حقل واسع مليء بالأشجار والأعشاب والحشائش وسواها من الكائنات، كان قلبي يختار وروحي تصطفي وقلم الرصاص ينتقي ويخط تحت ما يروق لي، بعد هذه المهمة القرائية العميقة عدت من جديد لنقل تلك البروق برقا برقا.. وتلك الغيوم غيمة غيمة.. وتلك المياه الحصيفة قطرة قطرة في دفتر كبير، تركته زمنا ثم عدت إليه لأصطفي منه ما يقطر شعرا، شعرا يعيش في الزمن ويحيا ويتنفس ويضيف ويدلنا على ما يمور في الأعماق وما تهجس به الروح وما تتوق إليه.
شعر غير قابل للموت والفناء والانطفاء لأنه نابع من ذات نورانية تواقة إلى التحليق ومسكونة بالتجليات، تتجاسر على هاجس الفناء والعدم بالكلمات، وبالكلمات تحيي وجودا جديدا ليس قابلا للعدم، وتجعل من العدم وجودا آخر، يستعصي على الموت، وتحتفل به في بوح آسر بوصفه حياة تتجدد، تنحاز للروح وتجعل الجسد يتجاسر على خياناته وطينيته وعتمة الطين الذي فيه، كما تجعل الطين يرقى لأن يكون نورا، تمنحه الكثير من الأجنحة كي يعلو ويحلق ويطير وينأى عن الحضيض ..ذلك الحضيض الذي لا يطير فيه سوى الذباب.
يقول الرومي:
«لا تمضِ نحو حيّ اليأسِ فهناك آمالٌ ولا تمضِ صوب الظلمةِ فهناك شموسٌ»

كاتبة سورية

فاتن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية