هل يمهد الانتهاك الاسرائيلي للأجواء السورية الطريق أمام دمشق لفك ارتباطها بحزب الله؟

حجم الخط
0

محمد فتوح

في البداية كان الخبر يتعلق بقصف جوي ثم تحول بعد ذلك بفترة قصيرة الي اختراق جوي فعاد السوريون الرسميون ليعلنوا أن ذخائر ألقيت دون أن تؤدي الي أي أضرار، لنصل في نهاية المطاف الي المعلومات بشأن قصف أهداف داخل الأراضي السورية ربما تكون أسلحة مرتبطة بأنشطة حزب الله.. أو مواقع ذات صلة بأنشطة نووية أو كيماوية.. كما أخبرنا الأمريكيون أخيراً.

النقطة الرئيسية هنا ـ باعتقادنا ـ لا تكمن في الغموض الذي ما يزال يلف ما حدث فجر السادس من الشهر الجاري، أو في تضارب التصريحات التي خرج بها المسؤولون السوريون أو المحللون المرتبطون بهم بشأن ما حدث، فالسوريون معتادون علي ذلك والأمر تكرر مراراً بعد كل انتهاك اسرائيلي للأجواء السورية خلال الفترة الماضية، كما أن الحديث حالياً لا يتعلق بالرد السوري (الرسمي) المنتظر علي الاعتداء الجديد، فالحكومة السورية حسمت أمرها علي ما يبدو بعدم الرد بذات الطريقة الاسرائيلية.. بل ان ما نود الخوض فيه هنا هو: كيف سيكون الموقف السوري الرسمي علي المدي البعيد، أي ما اذا كانت دمشق ستلجأ الي طي صفحة ربما بات الساسة السوريون يرون أنها تجلب لهم المتاعب، ونعني بذلك العلاقة مع حزب الله والمنظمات الفلسطينية، لا سيما أنها المرة الثانية التي تستهدف فيها مواقع سورية خلال أعوام قليلة علي خلفية علاقات دمشق بهذه التنظيمات، هذا عدا عن الانتهاكات الاسرائيلية المتكررة للأجواء السورية.

وفي الواقع أن زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم الي تركيا بعد الغارة الاسرائيلية جاءت لتؤكد تردد النظام السوري في اتخاذ رد حاسم تجاه الاسرائيليين. فلقد بدا أن دمشق تريد أن توحي بانطباع مفاده أن الدول التي زارها المعلم نصحت بالتروي و ضبط النفس وعدم القيام برد عسكري ضد اسرائيل، وهو رد لم تكن لتقدم عليه دمشق بأي حال.

ان من المتوقع الآن أن السوريين يدرسون رداً علي صعيد آخر، فلعل دمشق ساعية الي التفكير بسد الباب الذي يأتيها منه الريح وتستريح. وفي هذا السياق قد تستغل الحادث الجديد لافهام حزب الله بشكل خاص أن الممر الآمن للسلاح الايراني الموجه الي الحزب لم يعد آمناً، وأن عليه أن يبحث عن بديل آخر يجنب السوريين مأزقاً أو احراجاً جديداً. وبالطبع في هذه الحالة سيجد أي قرار سوري بهذا الاتجاه نوعاً من التفهم وربما القبول في كثير من الأماكن التي ما زال أهلها مقتنعون بشعار الصمود والممانعة الذي يرفعه النظام السوري.

فلقد عمدت السلطات السورية الي الحد من نشاطات الحركات الفلسطينية في سورية بعد قصف منطقة عين الصاحب في تشرين الأول (أكتوبر) 2003 الي تقييد حركة التنظيمات، كما أن اغتيال (أو محاولة اغتيال) عدد من مسؤولي حركة حماس في دمشق دفع بقادة الحركة للحد من حركتهم في سورية.

وفي ظل استمرار عدم قدرة الحكومة السورية علي الرد علي الاعتداءات العسكرية الاسرائيلية بذات الطريقة، فان الأمر يغدو محرجاً للنظام السوري اذا استمر الحال علي ما هو عليه، أي اذا ما استمر الدعم لحزب الله والتنظيمات الفلسطينية وما قد يجره ذلك من استمرار للهجمات الاسرائيلية. وبما أنه ليس قادراً علي مواجهة الاسرائيليين عسكرياً فان النظام السوري قد يلجأ الي الخيار الآخر، وهو وقف الدعم أو الايواء للتنظيمات الفلسطينية وحزب الله، رغم مرارة هذا الخيار وصعوبته بالنسبة لدمشق لأنه يفقدها ورقة مهمة في علاقتها مع الأمريكيين أو في سياساتها الخارجية بشكل عام، وحتي سياستها الداخلية، الا أن هذا الخيار يبقي الأخف ضرراً (بالنسبة لدمشق). فالمزيد من الهجمات الاسرائيلية في ظل عجز النظام السوري عن الرد عليها سيفقده الكثير من هيبته (وتالياً قبضته) داخلياً وخارجياً، في حين أن الرد علي الاعتداءات الاسرائيلية عسكرياً سيكلفه الكثير أيضاً نظراً الي الميزان العسكري بين سورية واسرائيل. ويبدو أن الاسرائيليين يدركون هذه المعادلة جيداً لذلك هم مستمرون في انتهاكاتهم للسيادة السورية بلا رادع.

ولنتذكر هنا جيداً كيف تعاملت دمشق مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان عام 1998. فعندما اشتد الضغط التركي مع التلويح بعمل عسكري اتخذ السوريون قراراً بطرد أوجلان من بلادهم وهو ما سهل القبض عليه لاحقاً في كينيا، رغم أن أوجلان وحزبه المسلح كانا يحظيان بدعم دمشق ورعايتها في مواجهة الحكومة التركية. ولنتذكر هنا أيضاً أن اتفاق أضنة الذي أنهي هذه الأزمة بين دمشق وأنقرة لم يفض الي طرد أوجلان والتوقف عن دعم الانفصاليين الأكراد في تركيا فقط، بل وافق أيضاً الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ضمن اطار هذا الاتفاق علي عدم المطالبة بلواء الاسكندرون الذي طالما دأب السوريون علي الحاقه بلفظ السليب في اشارة الي اقتطاعه من سورية وضمه الي تركيا علي يد الفرنسيين. وفي وقت لاحق اختفي اللواء كجزء من الأراضي السورية من الخرائط الرسمية في سورية.

هذا المثال السوري ـ التركي هو تماماً ما يسعي اليه الاسرائيليون علي ما يبدو (وربما يتوقعونه) من خلال الغارات المتكررة علي سورية. فبنظر الاسرائيليين أن وضعهم لا يختلف كثيراً عن وضع الأتراك قبل اتفاق أضنة، فهناك أرض سورية يحتلها الاسرائيليون (الجولان) وهناك حركات مناهضة لاسرائيل تحظي برعاية دمشق وايوائها. فهل سيصل الاسرائيليون الي ذات النتيجة التي وصل اليها الأتراك؟8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية