أمراض العقل الجديد لا تقل خطورة عن أمراض الدين القديم

حجم الخط
0

جدلية العقل والدين في المغرب والدولة الجرمانية:

منتصر حمادة

بدعم مادي ومعنوي من معهد غوته الألماني بالرباط والدار البيضاء، صدر كتاب العقل والدين في المجتمع الحديث وما بعد الحديث: نموذج المغرب والدولة الجرمانية، من اعداد وتقديم د. حميد لشهب، متضمنا مشاركة كل من الأساتذة عبد الهادي بوطالب ومحمد سبيلا من المغرب والكاردينال يوسف رايتسنغر بابا الفاتيكان والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس.

يحاول هذا الكتاب أن يعطي فكرة من جهة الي ما وصلت اليه العلاقة الصراعية بين العلم والدين في المجتمعات المصنعة ما بعد الحديثة من خلال المناقشة التي نظمت في بداية سنة 2004 بالأكاديمية الكاثوليكية بميونيخ (ألمانيا) بين أحد أعمدة ممثلي العقل في الغرب حاليا، ويتعلق الأمر بالفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، وبأحد أعمدة ممثلي الكاثوليكية الأوروبية الكاردينال الألماني يوسف رايتسنغر.

ومن جهة أخري يحاول الكتاب فتح حوار مسؤول في نفس الموضوع في المغرب كبلد مسلم يشق طريقه نحو عالم الحداثة والعصرنة، برأي محرر الكتاب، دون أن يدقق في ماهية الحداثة المعنية في هذا المقام. وقد تم اختيار كل من الأستاذين عبد الهادي بوطالب ومحمد سبيلا، باعتبارهما ـ والتقييم دائما للمحرر ـ من أقطاب الفكر المغربي المعاصر. للعودة الي أبرز اجتهادات المفكرين والباحثين المغاربة في موضوع الحداثة، يراجع علي الخصوص كتاب: مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، للباحث محمد الشيخ، حيث اشتغل علي تقييم تعاطي بعض الأسماء، ويتعلق الأمر بكل من عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن ومحمد سبيلا، ويُحسَبُ حقا للباحث، الاجتهاد علي قدر المستطاع في انصاف كل اسم من هذه الأسماء، بصرف النظر عن الاختلاف في المرجعية الفكرية والفكرانية (الايدويولوجية) المميز لهذا الاسم أو ذاك، وبصرف النظر علي الخصوص عن ميزان وثقل ابداع هذا المفكر أو ذاك. وهذا موضوع آخر سيتكفل الزمن الثقافي الاسلامي العربي في الحسم فيه.

ثمة مجموعة من المقدمات التي تدفعنا لأن نركز فقط تمرير ما سطره الفيلسوف يورغن هابرماس والكاردينال يوسف رايتسنغر.

هناك أولا تعود المتلقي المغربي علي تتبع ما يصدر عن الأستاذين عبد الهادي بوطالب ومحمد سبيلا، وهناك علي الخصوص، السبب الأكبر، والمرتبط في وجود فوارق نوعية في طبيعة المقاربة الفكرية لمفاهيم العقل والدين والعلمانية والحداثة بالصيغة التي نطلع عليها في المقاربات التي يحفل بها هذا الكتاب بين ما سطرته الأقلام المغربية ونظيرتها الألمانية، علي الأقل نجد علامات الأمانة العلمية في مقاربات المداخلات الألمانية، حيث كثرة الاستشهادات والمراجع والاحالات الواضحة علي هذا المرجع أو ذاك، مقابل ندرتها أو انعدامها بالمرة في الحالة المغربية.

وان كانت المكانة العلمية للأستاذين تشفع لهما تمرير مداخلات دون العروج علي استشهادات ومراجع واحالات، فنحن نري، بكل تواضع، أن تمرير بعض الرؤي والاجتهادات المحسوبة علي أقلام عربية مرجعية دون ذكرها بالمرة، أمر لا يستقيم من الناحية المبدئية، ان لم نقل أنه مخل بآداب المقاربات العلمية الرصينة.

الهدنة بين العقل والدينبالعودة الي الخيوط الناظمة للكتاب، يري حميد لشهب أن هذا العمل يوفر امكانية رؤية واقعنا من أبعاد أربعة مختلفة في محاولة لتأسيس شيء جديد يمكنه أن يجنبنا خطرين: خطر التشبث الأعمي بالتراث والدفاع الهستيري عنه، الصالح وغير الصالح، وخطر الارتماء الأعمي في أحضان التجربة الغربية كتجربة فريدة من نوعها، استطاعت أن تؤسس ذاتها انطلاقا من مؤهلاتها الداخلية دون اغفال الموارد الغريبة عنها بما في ذلك الثقافة العربية والاسلامية.

بعبارة أدق، ليس هناك تمجيد للتراث ولا دحض له ولا تمجيد للغرب أو رفض له، بل هناك دعوة لتجاوز مرحلة الخوف والترقب الي مرحلة الفعل وبناء شيء جديد بكامل الوعي بأن التاريخ لن يعيد نفسه وبأن مهمتنا الأساسية في العقود القادمة هي تهيئ التربة الصالحة والاندماج في العالم المعاصر عن وعي وعدم انتظار أن يندمج العالم فينا وبنا، ما دمنا لم نعد منذ قرون خلت أصحاب الريادة في هذا العالم.

استطاع الوعي الغربي المعاصر في شقيه العلماني والكاثوليكي أن يصل الي شيئين مهمين لم يسبق أن وصل اليهما من قبل. ولنبدأ بانتباه جزء من هذا الغرب المصنع الي نتائج العلاقة الصراعية التي تجمعه بالمسلمين، وتظهر ملامح رغبة هذا الجزء من الغرب في الحوار مع العرب والمسلمين الذي أصبح ضرورة وجودية ملحة للغرب، اما لأنه خائف من المسلمين أو لضعفه في أخلاقه أو شيء من هذا القبيل كما تزعم العديد من الأقلام العربية والاسلامية، وهذا ما يستنكره بشدة حميد لشهب، والذي يري بأن الأمر لا يعدو أن يكون انتباها من الغرب الي المآسي الانسانية التي سببها للمسلمين منذ حيازته الريادة بفضل حضارته المؤسسة علي منطق العلم والتقنية. أما الشق الآخر في هذا الوعي الغربي، فيكمن في اعادة النظر في العلاقة التي تجمع بين السلطة الدنيوية والسلطة الدينية عبر محاولة عقد هدنة بين الطرفين، من منطلق أن التحديات التي تواجه المجتمعات ما بعد الحديثة لا حصر لها، والخطر أن تؤدي الي القضاء علي العنصر البشري اذا استمر تطور العلم بهذه الوثيرة. والخوف من القضاء علي الانسان هو خوف واقعي، ما دام العلم في تطوره لا يأخذ بعين الاعتبار هذه الاشكالية. ففي الخمسينيات من القرن الماضي تنبأ عالم الاجتماع هلموت شلسكي بظهور دولة توتاليتارية من نوع جديد تتأسس علي الآلة الالكترونية وستنتج حكومات آلية تفرض الطاعة الكلية لها، لأنها ستنتج تنظيما كاملا ودقيقا ضده، لأن كل معارضة ضد الحقيقة المضمونة يقينا ستكون لا عقلية.

نصف قرن من الزمن بعد ذلك، تنبأ الأمريكي بيل جوي بنفس المصير بتأكيده علي أن التقنية النينية ستصبح ضرورة مفروغا منها، وقد تقضي هذه التقنية بمساعدة التقنية الجينية والروبوتيك علي الوجود الانساني برمته. وما يمكن أن يفهم من هذين التنبؤين هو أن سلطة/قوة العلم ستنجح في السيطرة علي الانسان، ويعتبر الكثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع وعلماء الدين والسياسيين النتائج الاجتماعية للعلم خطرا علي المجتمع. وهنا يبرز دور الدين والأخلاق، وبرأي معد الكتاب في تمهيد المبحث، فقد تكون الهدنة بين العقل والدين سبيلا لفرملة العلم ووضعه في حدوده دون امكانية التنبؤ بما سيحصل بعد ذلك بين العقل والايمان، اذا صح افتراض نجاحهما في اعادة توجيه أهداف العلم بطريقة لا تمس بها المصير الانساني.

الدين والثقافة الليبراليةيلاحظ يورغن هابرماس أن النقاش ـ الألماني ـ الدائر اليوم حول اصلاح الدولة والسياسية تجاه الأجانب والحرب في العراق والغاء الخدمة العسكرية الاجبارية، تثبت بأن الأمر لا يتعلق بوثائق فردية بل أيضا بتأويل صارم للمبادئ الدستورية وضمنيا بكيفية فهم الألمان للتعددية وتصورهم للعالم ولمعتقداتهم الدينية علي ضوء تنوع الأساليب الحياتية الثقافية للمواطنين الألمان والأوروبيين. وبالتأكيد، عبر القاء نظرة علي الماضي الأوروبي، يظهر أن الخلفية الدينية المشتركة واللغة المشتركة وبالخصوص الوعي الوطني للسنين الأخيرة هي أشياء كانت مهمة لظهور تضامن شعبي مجرد.

لا يعني هابرماس من هذه القراءة وقراءات ثاقبة أخري نطلع عليها بشغف في هذا المبحث، بأن الدين قد استطاع أن يؤكد نفسه في مجتمع أصبح علمانيا أكثر فأكثر وبأنه يجب علي المجتمع أن ينتظر الي حين استمرار ظهور الجماعات الدينية. منبها الي أن تصورا معياريا ينعكس في الوعي العام للمجتمع العلماني، له نتائج علي التصرف السياسي تجاه المواطنين المتدينين وغير المتدينين.

وبالمحصلة النهائية، يوجه هابرماس تحذيرا الي المواطن العلماني، مفاده عدم أحقية هذا الأخير ـ طالما أنه يقدم نفسه في دوره كمواطن ـ في انكار الصحة الممكنة للتصورات الدينية حول العالم ولا في حرمان المواطن المؤمن من حقه في التعبير بلغة دينية وطرح مواضيع للمناقشة عموميا. ويمكن للثقافة العلمانية الليبرالية أن تنتظر من المواطن العلماني أن يجتهد من أجل ترجمة الدراسات الدينية المهمة الي لغة عمومية وضاحة بالنسبة للجميع.

أمراض العقل والدينلم يبق لنا سوي العروج علي بعض ما حفلت به مداخلة يوسف رايتسنغر بابا الفاتيكان، والذي ينطلق من استعراض مجموعة ملاحظات أفرزتها سرعة التطور التاريخي التي نحيا في اطارها، ونوجزها علي الخصوص في تطور امكانيات الانسان للفعل والهدم علي حد سواء، مما يفرض طرح سؤال المراقبة القانونية والأخلاقية للسلطة. ولهذا السبب يعتبر التساؤل حول كيفية اتفاق الثقافات المختلفة التي تعيش في مجتمع ما، فيما يتعلق بالأسس الأخلاقية التي يتأسس عليها هذا المجتمع، من الأهمية بمكان.

وبالعودة الي جدلية الدين والعلم، يري رايتسنغر بأن العلم لا يمكنه تقديم أي شيء، وبأن تجديد الوعي الأخلاقي لا يمكن أن ينتج عن طريق المناقشات العلمية. واذا كان محقا للبعض في التساؤل عما ان كان الدين في الحقيقة قوة أخلاقية ايجابية، فان الشك في صلاحية العقل، بعدما تقدم، أصبح يطفو علي السطح هو الآخر، لأنه في نهاية المطاف، تبقي القنبلة النووية والاختيار الجيني من نتاج العقل، اللهم ان كان ضروريا أن نصل الي وضع العقل تحت الوصاية، واذا كان ذلك ممكنا، يضيف بابا الفاتيكان الجديد، فمن سيتكلف بذلك؟ أم ألا يجب علي الدين والعقل أن يتكاملا ويلتزم كل واحد منهما بحدوده للوصول الي طريق ايجابي مشترك؟

تكمن زبدة مداخلة يوسف رايتسنغر في الاقرار، بصفته رجل دين، بأن هناك فعلا نوعا من المرض في الدين، وهو مرض خطير جدا ـ ويقصد بذلك الارهاب الذي يرتكب باسم الديانات السماوية، سواء تعلق الأمر باليهودية أو المسيحية أو الاسلام ـ مما يدفع بالضرورة الي استعمال ما يصفه بـ الضوء الالهي للعقل كهيئة مراقبة. ولكن علي الجانب الآخر، يلح الرجل علي أن العقل أيضا مصاب ببعض الأمراض، ومنها هذا النوع الخطير من الاعتزاز بالنفس والذي لا يقل خطورة عن نظيره في الدين، بل يعتبره رايتسنغر أخطر بكثير، كما هو الحال مع السلاح النووي وقضية الاستنساخ، مطالبا باعادة العقل من جديد الي حدوده بأن يكون منصتا للوحي الديني للانسانية، واذا استقل العقل نهائيا ورفض هذا الانصات، فانه سيصبح هداما.

ہ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية