الاستفزاز الذي خلقته افلام الشباب اوجدت تيارا مضادا ضدها:
القاهرة ـ “القدس العربي” ـ من كمال القاضي: موجات الاستفزاز التي خلقتها تجارب سينمائية توصف بانها سينما للشباب تحت العشرين فقط اوجدت تيارا مضادا من الوعي تجاه الافلام التي تنتمي لمصطلح السينما الجديدة او الشبابية، فبرغم الاقبال الشديد عليها وتحقيقها لايرادات غير مسبوقة الا ان هناك من يقف علي الجانب الآخر رافضا ان تتحول السينما الي تجارة وان يقتصر دورها علي مجرد الربح، وقد انطلق الفريق الرافض من قناعات فلسفية لدور الفن عموما والسينما خصوصا في تقويم المجتمع واذكاء عاداته الحسنة بدلا من الهبوط به الي ما يفشي الجهل، وقد رصدت بعض الاقلام النقدية العديد من الظواهر السلبية فبعد ان تجاوزت السينما المصرية عامها المئة وبلغت ذروتها من النضج والتألق بدت عليها بوادر التغير السلبي، ليس علي مستوي الشكل فحسب وانما تأثر المضمون ايضا بموجات التجديد والتحديث، كما في الادب والشعر وكافة اوجه الابداع علي اعتبار ان ذلك كله يصب في النهاية داخل خانة التجسيد السينمائي الذي يستفيد من مجموع العناصر الفنية ومكوناتها سواء علي مستوي اللغة او الصورة او التشكيل او الموسيقي، لذا فان ما طرأ علي هذه المفردات الجمالية منفردة من تحول قد انعكس تأثيره الكلي علي السينما بشكل عام، فكان من بين الملاحظات التي اخذت علي كتاب السيناريو والمخرجين في هذا المضمار الاخلال بالثوابت الفنية والاجتماعية في عملية البناء الدرامي التي تجسد الواقع وتنقل الصورة المعادلة له في كثير من التجارب، ومما يشار اليه تحديدا في هذه القضية ثقافة المأكل والملبس وسُبل الرفاهية التي باتت سينما الالفية الثانية معنية بها اكثر من عنايتها بالقضايا الاساسية، وهو ما يترجم فنيا بتغليب العرض العام علي الجوهر الخاص للاشياء، ومن ثم تفقد الرؤية الدرامية جزءا كبيرا من وظيفتها ودلالتها، حيث يتم التركيز علي ما يسمي بعناصر الجذب، فيما تهمل تماما الصورة الواقعية لتصبح العملية الابداعية ملائمة اكثر للهدف التجاري وشروط السوق والتوزيع الخارجي، وعليه تراجعت المفاهيم الحقيقية والانطباعات الواقعية عن شكل الحارة وعادات وتقاليد ابناء الاحياء الشعبية وبرزت سلوكيات الطبقة الطفيلية كملمح اساسي للمجتمع الجديد الذي بدا مع عصر الانفتاح الاقتصادي وامتد تأثيره حتي الآن، وقد تناولته السينما نفسها بالنقد والتحليل في فيلم اهل القمة قبل ان تنقلب علي نفسها وتتخلي عن صيغة الاستهجان في رصدها للظواهر السلبية، فضلا عن انتهازيتها في الاستفادة من حالة التدهور بانتاج مجموعة من افلام المقاولات التي كرست لهذا السوء واعتبرت الانهيار تطورا طبيعيا لحركة المجتمع، مما ادي الي فقدان التوازن واستحداث انماط جديدة لحياة لا توجد الا في خيال المنتج والسيناريست والمخرج، ذات الانماط التي تعيد فكرة الطبقية وتنشط نوازع التقسيم الاجتماعي لتظل هناك فوارق في المأكل والملبس والمشرب والمسكن والسفر والرحلات ونوع السيارة، وتنسحب الفكرة بالضرورة علي الخصال الاساسية للبشر المنتمين للطبقات العنصرية فيبدأ المجتمع الاستهلاكي في تطوير نفسه في هذا الاتجاه وتتلقف السينما كالعادة اشارات التغيير والتحول لتعكسها في افلام تتبني هذا الخطاب وتتولي مهمة ترويجه من خلال دور العرض الفاخرة الملحقة بالمراكز التجارية المولات ليتحقق التجانس بين الصنف والمعروض ومكان العرض والجمهور المستهدف، وهذه الآلية هي المعمول بها بالفعل منذ دخولنا زمن الالفية الثانية، فالمراقب لحجم الانتاج ونوعيته يمكنه حصر الافلام الموجهة بدقة والتي لا يخرج معظمها عما اشرنا اليه، حيث يغلب علي اجوائها وقضاياها ذلك الهوس بالثراء الفاحش والقصور المنيفة والسيارات الفارهة و البلاجات والمنتجعات السياحية.
وبالطبع لا تبتعد المضامين الدرامية عن هذا التهويم فاول ما تعتني به الافلام الاستثمارية مشكلات الحب والهيام وحرية النساء والفتيات وتداخل العلاقات بين الجنسين ورجعية المجتمع وتكسير التابوهات الاخلاقية وغيرها من ذرائع التغيير ورغبات التفكيك والتضليل، ولعل هناك عينات عُرضت ولازالت تعرض من هذه الافلام ينطق عليها بعض الوصف او كله نذكر منها حريم كريم، آخر الدنيا، استغماية، عيال حبيبة، ثُمن دستة اشرار، عمر وسلمي، العشق والهوي، غاوي حب. وهكذا تتعدد الاسماء والاشكال والابطال وتبقي المفاهيم ثابتة عند نقطة واحدة يتفق عليها جميع الاطراف بما يشبه التواطؤ الجمعي تتمثل في كيفية تفريغ وتسطيح الافكار والنزول بالفن البناء الي الدرك الاسفل لتسود ثقافة الفرجة بعيدا عن سياسة النقد وتصبح السينما اداة ترفيه فقط لا تمارس دورها الاجتماعي ولا تتدخل فيما لا يعنيها من شؤون الوطن والمواطنين، فتنفصل عن ماضيها وتتنازل عن دورها ولا حرج في ان تتنكر لانتاجها السابق حين كانت تعي مسؤوليتها وتعرف حدود التماس بين الابداع الفني ووجهة النظر السياسية، لقد خلفت السينما المصرية خلال المئة عام الماضية مئات الافلام شكلت بانوراما متكاملة لشكل الحياة وطبيعتها، كان في القلب منها العمال والفلاحون وابناء الطبقة الوسطي، وربما ترجمت افلام مثل الارض والحرام والبوسطجي وشيء من الخوف والقاهرة 30 الانحياز السياسي في تلك الفترة للقاعدة العريضة من الشعب وقد صدقت اغلب الرؤي في تصوير الحارة الشعبية بكل ما تحمله من قيم كقوام اساسي لمجتمع صحي خال من امراض التعالي والطبقية، بيد ان الاتجاه لانتاج نوعية اخري من الافلام الخفيفة لم يتوقف نهائيا اذ حرصت المؤسسة الثقافية الرسمية علي دعم المنتج الترفيهي دونما الانزلاق في هوة الاستخفاف، وللمرحلة الستينية خصوصية بالغة في الحفاظ علي الفلكلور والتراث، لا سيما انها خاضت غمار التحدي في مواجهة ما كان سائدا من الوان الفن والثقافة قبل قيام الثورة، لذا جاء القرار باستخدام السينما كوسيلة تثقيفية وترفيهية متسقا مع شروط اقامة حياة مختلفة عن تلك التي كانت ايام عصر الملكية، حيث استقت السينما غالبية افكارها من المجتمعات الغربية ولم تخرج عن هذا الاطار سوي تجارب ضئيلة تعد علي اصابع اليد الواحدة حين تطرق بعض كتاب السيناريو الي نقد المجتمعات الارستقراطية وفضح الظواهر المتصلة بها مثل لعب القمار والسهرات الحمراء والاسراف في الشرب والسكر واعتبار الانحلال الاخلاقي نوعا من الترفع عن التقاليد البائدة وارتقاء فوق المفاهيم الرجعية حسب الرؤية الارستقراطية لعلية القوم آن ذاك!
وانطلاقا من قاعدة الرفض التي اتبعتها روافد الابداع حذت السينما الحذو نفسه في الاتجاه للواقعية فعملت علي الاخذ بيد الفئات البسيطة ومحو اميتها الثقافية وملامسة مشاعرها الانسانية، لذا نجحت في احداث تأثيرات ايجابية مهمة ادت الي تحولات جذرية في عقل ووجدان الجماهير التي توطدت علاقتها بالقيادة السياسية علي خلفية الثقة المتبادلة بين الطرفين والتي آلت نتائجها الي منجزات شتي في مختلف المجالات، لا شك كانت الثقافة واحدة منها، حيث تمخضت عطاياها عن ذلك الارشيف السينمائي الزاخر المصنوع بايد ماهرة ظلت ترسم صورا مضيئة في افق الابداع الممتد عبر سنوات الاصلاح والتطهر قبل ان يطمسها الجهل وتغيب ملامحها بفعل الغبار الآتي من شبابيك التذاكر المفتوحة علي مصارعها لحصد ايرادات السلع الرخيصة من عينة كركر وبوحة واللي بالي بالك، تلك التنويعات الاستهلاكية التي ادت الي تراجع واضح في انتاج سينما النجوم الكبار واحالتهم مبكرا الي التقاعد ليلوذوا بالدراما التليفزيونية كحصن اخير كي يظلوا تحت الاضواء وامام اعين الجمهور، ويمثل هذا التوجه رد فعل سلبي لكونه انسحابا سريعـــا من الساحة وتسليما بالهزيمة امام الوجـــوه الجديدة التي قادت السينما الي المنحي الخطر!2