في الأيام الأخيرة طرحت ثانية مسألة تهديد الانفاق من غزة، وفي الاساس ما الذي يتوجب عمله من اجل منع تحقق التهديد النابع منها. أولا، سنتحدث قليلا عن تاريخها. الانفاق كمشكلة بدأت في الظهور بعد تنفيذ اتفاقات اوسلو في 1994. ومع خروج الجيش الإسرائيلي من اجزاء كبيرة من غزة واعادة انتشاره في قطاع ضيق على حدود مصر. سكان رفح والتنظيمات الإرهابية تجاوزوا الحدود عن طريق الأنفاق بتعاون مثمر مع سكان سيناء.
في أعقاب الانسحاب أحادي الجانب في 2005 اتسعت شبكة الانفاق هذه بصورة دراماتيكية واضيفت اليها شبكتين اضافيتين هما متاهة تحت ارضية متشعبة تحت القطاع، هدفها تمكين حماس من الصمود امام الجيش الإسرائيلي إذا حاول احتلال القطاع. وشبكة انفاق هجومية من تحت القطاع إلى داخل دولة إسرائيل. قبل حوالي سنة ونصف اكتشفت خلال حرب الجرف الصامد حوالي 30 نفقا ويمكن التقدير أن الحديث يدور اليوم عن عشرات من الانفاق الهجومية.
الأنفاق كانت معروفة كمشكلة قبل العملية. ففي سنة 2006 تم خطف جلعاد شليط على يد قوة جاءت عبر نفق، وكما يبدو هناك اربعة انفاق تخترق الحدود تم اكتشافها قبل العملية. احدها على عمق اكثر من كيلومتر داخل إسرائيل. وحتى أن السكرتير العام للامم المتحدة قام بجولة في احد هذه الانفاق. لهذا لا يمكن الادعاء أنها فاجأت الجيش الإسرائيلي، رغم أنه يبدو أن ماهية التهديد وقوته لم يتم استيعابها أو فهمها كما يجب. من الممكن أن هذا هو السبب في أن الجيش الإسرائيلي لم يأتِ إلى العملية في صيف 2014 وهو مستعد كما يجب للتعامل مع الانفاق. لم تكن لديه الوسائل المناسبة لاكتشافها والسيطرة عليها وتدميرها. ومع ذلك فان القرار الذي تم اتخاذه قبل وقت قصير من بداية العملية وتم تنفيذه بعد بضعة ايام القيام بعملية مخصصة لتدمير الانفاق، كان قرارا صحيحا. كان يجب ألا يتم انهاء العملية بدون المس بصورة كبيرة بالانفاق التي كانت معروفة حتى لو أن تدميرها كان جزئيا.
الآن حيث أن من الواضح أن حماس تقوم بتحديث شبكة الانفاق الهجومية، يطرح السؤال ما العمل، وكما قيل تسمع اقوال تدعو إلى شن عملية لتدميرها. وهو ما يسمى في الادبيات «هجوم استباقي»، أي عملية هدفها ضرب العدو قبل أن يكون مستعدا بشكل جيد لتنفيذ مآربه. مسألة الحرب الاستباقية ليست مسألة جديدة. فهي تحلق في فضاء عملية اتخاذ القرارات في إسرائيل تقريبا منذ اقامتها. على الاقل هناك عملية كبيرة واحدة، حرب السويس في 1956، تم شنها كحرب استباقية خلال استغلال العملية البريطانية الفرنسية من اجل الحصول على غطاء دولي مريح.
ما أقلق متخذي القرارات في حينه (في الاساس بن غوريون كرئيس للحكومة وكوزير دفاع وموشيه ديان كرئيس اركان) كان صفقة السلاح الكبيرة بين التشيك ومصر، التي كان تنفيذها سيعطي مصر قدرة كبيرة جدا على مهاجمة إسرائيل. من المقبول أن نفكر بأن حرب لبنان الاولى في 1982 يمكن ادراجها تحت هذا الاسم، أي الحرب الاستباقية، نظرا لأن مناحين بيغن كرئيس للحكومة شعر بأن م.ت.ف تتعزز إلى درجة أنها ستبادر إلى شن حرب ضد إسرائيل. وستنضم اليها دول عربية اخرى. إن تدمير قوة م.ت.ف في لبنان كان من شأنه أن يمنع الحرب الكبرى.
الحصول على هدوء
إن من طبيعة الحروب الاستباقية أنها تصعب الامر على متخذي القرارات لأنها حروب «غير ملزمة»، حيث إن العدو لم يهاجم ومن كان يعرف إذا كان سيهاجم. على متخذ القرارات أن يرسل الجنود ليقتلوا في ساحة الحرب على اساس امكانية لا يعرف أحد إذا كانت ستتحقق. الثمن يدفع فورا. في المقابل، في حين أن الامر الذي سيتم منعه كما يبدو يلفه ضباب المستقبل.
في قاعدة النقاش المهني البارد الخالي من المشاعر يطرح السؤال كيف يتم استغلال الزمن بصورة أصوب. من الجانب الاول يصر مؤيدو هذا النهج على أنه على دولة إسرائيل كدولة كتب عليها ان تقف دائما على حد السيف، لفترة طويلة من الزمن، أن تحاول استغلال هذا السيف من حين إلى آخر ولفترات متباعدة بقدر الامكان، وفي الاساس لأن فترات الهدوء تُمكن الدولة من التطور والتعزز ـ وكلما زادت هذه الفترات يكون ذلك افضل. حسب هذا الرأي فان المهمة الاساسية للحكومة هي خلق فترات هدوء طويلة قدر الامكان. وأن يتم استغلال هذه الفترات بصورة افضل من العدو ـ من اجل أن نكون اكثر قوة في الحرب القادمة.
في مقابل هذا النهج يأتي الرأي الذي يقول إن على إسرائيل أن تختار وقت شن الحرب حين تكون افضليتها النسبية أقوى، والعدو لم يصل بعد إلى قمة قوته. كدولة صغيرة على متخذي القرارات اختيار الاوقات الافضل واستغلال افضليات ومزايا الجيش الإسرائيلي من اجل منع حدوث كارثة عندما يكون العدو مستعدا وأقوى منا. المشكلة الاساسية في هذه المقاربة هي الشرعنة ـ في العالم وداخل إسرائيل ـ التي من الصعب الحصول عليها عندما تشن دولة حرب استباقية بدون سبب ظاهر للعيان وبدون أن يسفكوا دمها أو يمسوا بها قبل ذلك.
الآن لنعود إلى قطاع غزة والانفاق في هذه الايام. بهدف النقاش نفرض أن الجيش الإسرائيلي مستعد الآن بصورة افضل للتعامل مع الانفاق، ولكن لنفرض ايضا بنفس القدر من التأكد أن العدو في القطاع تحسن وحصل على قدرات اضافية، في الاساس في مجال اطلاق الصواريخ وفي الدفاع عن الخط الاول، خط مداخل الانفاق الهجومية. النتيجة هي أن عملية لتدمير الانفاق سينظر اليها من جوانب كثيرة كعملية جرف صامد. الحديث عن عشرات القتلى في جانبنا وبضعة آلاف من القتلى في الجانب الفلسطيني. لكن في هذه المرة سيتم تدمير الانفاق نهائيا. من الواضح أن لا أحد في العالم بما في ذلك الأمم المتحدة التي ادانت مؤخرا حفر الانفاق، سيصادق ويتفهم عملية كهذه. إسرائيل ستتلقى ادانات من كل صوب وستتضرر قدراتها لشن عمليات اكثر اهمية في المستقبل.
داخل إسرائيل سيتم سماع انتقادات أشد على «المغامرة» وعن الاستعدادات لشن عمليات كان بالامكان الامتناع عنها، والتي خلالها «تقريبا شهرين» اطلقت عشرات الصواريخ على إسرائيل (رغم أنه تم اسقاط اغلبها).
اضافة إلى ذلك حتى إذا تم تدمير كل الانفاق بصورة كاملة بفضل الوسائل التي طورها الجيش الإسرائيلي منذ الحرب السابقة (كان هذا افتراضا لغرض النقاش) فانه من المعقول أنه في أعقاب هذه العملية يمكن لحماس أن تقوم بحفر، حتى لو كان ذلك ببطء أكثر، انفاق اخرى. إذا كان هذا هو الوضع فما هو المنطق في عملية كهذه الآن؟.
باختصار، عندما تقف اسئلة كهذه امام متخذي القرارات يتوجب التعمق في التفكير قبل اتخاذ القرار. إذا كنا نعرف كيف تبدأ العملية فان نهايتها لا تكون معروفة تماما. وعندما يكون على الكفة الاولى من الميزان موضوعة حياة البشر والمكان الدولية لإسرائيل، فانه يجب اتخاذ القرارات بعد أن يكون واضحا (بقدر ما يكون الوضوح ظاهرا لأن الواقع والمستقبل سيبقيا دائما ضبابيين) ما هي الفائدة الكبرى من العملية، ما هو ثمن التورط فيها وما هو الخطر الذي يكتنفها. صعبة هي حياة متخذ القرار، لكن من المحظور عليه أن يتحرك من قبل اعتبارات قريبة المدى أو من قبل التهجمات والشعارات.
إسرائيل اليوم 5/2/2016
يعقوب عميدرور