فاروق يوسف
كما لو كانت المنافي حدائق خلفية للوطن، ظل عدد كبير من مثقفي الشتات العراقي ينظر الي العالم من ثقب ضيق في باب وهمي. حلم العودة المخيب افترس سنوات التمرد والقدرة علي الفعل الايجابي لدي البعض منهم، اما البعض الآخر فقد ظل حبيس تقنيات محلية في التفكير، بالرغم من أن العبء النفسي الذي تحمله جراء انهماكه اليومي في تفسير اسباب التفوق الغربي كان عظيما، غير أن النقد المقارن اغتصب قدرته علي أن يتخطي ذلك التفسير الي التعرف علي موقعه باعتباره مثقفا في قلب العلة. بطريقة أو بأخري فان المثقف العراقي إلا فيما ندر لم يكن مستعدا للقبول بالتحول من كائن مؤسساتي (الوطن، الدولة، الحزب، القبيلة، العائلة) الي كائن مشرد، منزوع الحماية، منبوذ، هامشي، مهمل، مستقل، متمرد، اشكالي، خطواته تصنع حدود عالمه الفردي وأوهامه. كان الربع الاخير من القرن العشرين هو الزمن الافتراضي للمنفي العراقي، ولكن هل عاش المثقف العراقي المنفي ذلك الزمن حقا؟ أشك في ذلك. فلو عدنا الي النتاج الادبي والفني الذي قدمه فنانو وأدباء الشتات لما استطعنا أن نلمس فيه إلا فيما ندر أيضا أي أثر للقطيعة، بل اننا لا نشعر بتأثير المكان الذي حل المبدع فيه غريبا وتائها ومنقطعا عن اسباب الحنان والرحمة. كان المثقف العراقي يفعل في الشتات ما اعتاد علي القيام به يوم كان داخل الوطن. لم يتغير أي شيء، لا الفكر ولا التقنية ولا الاسلوب ولا الشكل ولا الموضوع ولا حتي المزاج. هل كان المثقف العراقي بشكل عام غائبا عن الوعي ولم يستيقظ إلا علي دوي القنابل التي مزقت أبواب وطنه وفتحته للاغراب من كل جنس ونوع؟ كرر المثقف العراقي في نهايات القرن العشرين ما فعله فائق حسن يوم ذهب في ثلاثينات ذلك القرن الي باريس ليحتمي بجدران متحف اللوفر ولينقل روائع ديلاكروا فيما كانت شوارع باريس تعج وتضج بالسرياليين من دعاة تغيير الفن والحياة معا. أتساءل أحيانا بأسي ماذا كان يحدث للفن العراقي لو كان ذلك الفنان قد خرج من المتحف قليلا لينصت الي الصيحات المتمردة والهدامة التي امتلأت بها المقاهي والحانات والشوارع والجامعات الباريسية؟ بالنسبة لغالبية المثقفين العراقيين كان الوطن هو حيز متخيل عن ذلك المتحف الذي لاذ بصمته الفنان الرائد الذي عاد الي العراق محملا بهدايا الموتي من الانطباعيين. وحين انهدم ذلك الفضاء المتحفي (المسمي وطنا) اكتشفوا أن عطاياهم كلها لم تكن سوي أسلاب في مقبرة. كان الوطن اثناء غيابهم قد عتق وبلي وبان هزاله وتهدم وامحت اجزاء كثيرة من سيرته الجغرافية والعاطفية، حتي اذن له الاحتلال بالزوال. 2كان ثمن الحرية غاليا: ضياع وطن. ولم تكن تلك الحرية إلا وعدا من لص، له من السوابق الموثقة ما صنع تاريخا مظلما تفوح من بين صفحاته روائح الشر والفساد والاجرام والنهب وانظمة الطغيان، المقنع أو السافر علي حد سواء. لذلك قد يكون غريبا أن بعض مثقفي الشتات العراقي كان يردد جملة مستوحاة من أجندة اليمين الامريكي مفادها أن قرار الغزو كان صحيحا. الان يضيف ذلك البعض الي جملته المخزية تلك جملة جديدة تقول “غير أن اخطاء وقعت هي التي أدت الي أن ينحرف ذلك المشروع عن أهدافه”. هذه الجملة المضافة بمكر غبي هي الاخري مستلهمة من المصدر عينه. حتي بعد أن أستدعي المحتل تنظيم القاعدة الي العراق وفتح أبواب البلد أمام الميليشيات المدربة في ايران ونهبت المتاحف وأحرقت المكتبات وأبيدت مدن بأكملها وحرم السكان المدنيون من أبسط الخدمات كالكهرباء والماء الصالح للشرب والمدارس والمستشفيات وصار العراق حسينية للطم وتكية لمختلف صنوف الظلاميين وتحول العراقي ايا كانت ملته أو طائفته أو عرقه الي مشـــروع جثة ممكنة في أية لحظة، لا يزال هناك من بين أولئك الرهط المتأمرك من يردد جمــلا هي من السذاجة و الغباء بل ومن الانحطاط بحيث يشعر القائمون علي المشروع الامريكي أنفسهم بالحرج ازاءها. فالحرية لم تعد مطلبا، الديمقراطية لفقت بطـــــريقة تجعلها أسيرة عمامة رجل الدين والاحزمة الناســـــفة التي يتزنر بها أتباعه، اما استقـــرار العراق فان الامريكيين يعترفون أنه لم يكن من بين الاهداف التي دفعتهم الي الغزو. صورة العراق اليوم بعد أكثر من أربع سنوات من الاحتلال هي نموذج للعار الذي ينطق باثم البشرية كلها، وليس المحتل الامريكي وحده. المجتمع الدولي كله، شعوبا ودولا ومؤسسات ومنظمات وشركات، مسؤول عما انتهي اليه العراق والعراقيون. العراق اليوم هو أزمة ضمير تقف البشرية كلها عاجزة امام امكانية ردم الفجوة التي صنعتها تلك الازمة بين الفكر والفعل، بين المبادئ والمصالح، بين الماضي والمستقبل، وبين الانسان ونفسه. ومع ذلك فقد أصدر مئة مثقف عراقي ذات مرة بيانا يتصدون من خلاله لاوضاع بلدهم المأساوية من غير أن يرد فيه أي ذكر للاحتلال! لقد كشف ذلك البيان وسواه من الكتابات التي لا تزال تمتليء بها الصحف والمواقع الالكترونية أن المثقف العراقي هو كائن منقرض ومباد، دمره ادمانه علي نوع من العبودية لا يستطيع منه فكاكا، وبالاخص حين زال النظام الذي كان بالنسبة لمثقفي الشتات الحبل السري الذي يزودهم بأسباب الخوف والذعر التي كانت تعفيهم من المساءلة التاريخية. لقد ظهر مثقفو الشتات العراقي علي حقيقتهم: كائنات طفيلية مذلة ومستعبدة لا تجرؤ علي اعلان اي نوع من المقاومة. ولو كانوا كائنات سوية لفكروا مليا في أن من يقيم منهم في السويد أو بريطانيا أو النرويج أو فرنسا أو كندا أو نيوزلندا أو استراليا أو حتي في امريكا لن يخسر شيئا علي الاطلاق لو أعلن بصريح العبارة أن ما جري للعراق هو جريمة عظمي يجب أن يتحمل المحتل تبعاتها. وهذا ما فعله مثقفون كبار من امريكا وفرنسا وايطاليا واستراليا وكندا والنمسا والسويد وسواها من بلدان اللجوء العراقي. حتي هذه الامثولة والسابقة الصريحة بدلالاتها لا ينظر اليها المثقف العراقي بألم وحسرة وندم واسف. فاذا كان لا يري ما يجري من حوله فكيف يكون في امكانه أن يري ما يجري هناك في العراق، البلد الذي محيت أجزاء كثيرة منه؟ مثله مثل أي عابر سبيل لم يلتقط المثقف العراقي المقيم في احضان الشعوب الاوروبية جوهر المعادلة التي صنعتها تلك الشعوب من أجل أن تكون كرامتها مصانة وحريتها بعيدة عن كل شبهة أو لبس أو اختراق. لقد اصطف الكثيرون منهم مع المحتل وهو ما يعني انهم كانوا موافقين علي كل هذا الخراب الذي لحق بالعراق وكل هذا الموت الذي لف العراقيين بعتمته. كما لو أن لسان حالهم يقول أن الكرامة والحرية والحياة الحديثة لا تليق بأهلهم. عقوق بلغ بالبعض منهم الي درجة الوشاية بكل من يرونه واقفا عند الخط الاحمر الذي يصون الوطن والامة والمستقبل. لقد عاد الكثيرون منهم الي العراق مع أول بسطال امريكي حاملين قوائم لتصفية المثقفين الذين بقوا داخل العراق يقاومون الطغيان والحصار الامريكي لسنوات طويلة. يا لحظ العراق السيء بابنائه الذين لم يدرسوا في اوروبا إلا فنون الانحطاط التي مارستها محاكم التفتيش. 3الان عادوا من حيث أتوا. ولكن بعد تخريب مفهوم المثقف وتشويه صورته. كان حضورهم جزءا من دعاية اراد من خلالها الاحتلال أن يطبع وجوده ثقافيا. جوقة مصفقين يسعي أفرادها الي خيانة اللغة ومن خلالها الي تدمير حقيقة الاستثناء التي ينطوي عليها النموذج العراقي، من جهة تنوعه وتسامحه وقدرته علي التماهي مع حيوية ابنائه. فعلوا اسوأ ما يمكن أن يقوم به انسان عاقل عاش الجزء الاعظم من حياته في اوروبا حين التحقوا بنظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي فرضه المحتل. فعلتهم تلك عبرت عن انكار مزدوج يكشف عن خفتهم وتدني مستوياتهم المعرفية. فلا هم عرفوا العراق الذي انجبهم وعاشوا فيه ردحا من الزمن ولا هم عرفوا أوروبا التي أوتهم واحتضنت اولادهم بحنان مبالغ فيه. لقد صنع العراق عبر تاريخه معني نادرا لفكرة العيش الراقي (عند الحافات الثقافية المتقاطعة) التي خص الله بها البشر من بين كل مخلوقاته اما أوروبا فانها اليوم تعيش معجزة التلاقي بين أمم الكون كلها في نسيج هيليني متقدم. قبل أن يكتشفه بوش عاش العراق سحر تنوعه الافا من السنوات وكان دائما مصدر النحل والملل والفرق فكيف ارتضي اولئك العائدون اليه من أبنائه أن يكونوا أبواقا لضلالات لا تري من العراق إلا بئر نفط؟ لقد خدعوا أنفسهم وهم يسعون الي خداع الآخرين وتزوير التاريخ حين أنكروا مفهوم المواطنة الذي هو مفهوم عراقي قبل أن يكون أوروبيا. صاروا يتحدثون بفخر عن المرجعية الدينية وهم الاتون من بلاد اعتبرتهم قوانينها مواطنين بغض النظر عن دينهم وعرقهم. كان سلوكهم ذاك يعبر عن خيانة معرفية، غير أنه في الوقت نفسه عبر عن استخفاف بمعني أن يكون المرء عراقيا. لقد حملوا معهم المعني ذاته الذي حمله المحتل: العراقي مادة للقتل. فهو ارهابي يقف بين المحتل وبين بئر النفط. لذلك فان صورة العراقي قتيلا لا تهزهم. الرسام الامريكي ريتشارد سيرا وجد في وقائع الرعب في (أبو غريب) سيرة الهام مضاد لم يعثر عليها أي رسام عراقي. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد