متحف بيت الزبير: إرث عريق وتجسيد لحياة العمانيين وتاريخ السلطنة

حجم الخط
0

مسقط ـ«القدس العربي»: على مقربة من قصر السلطان قابوس بن سعيد وسط مسقط القديمة عاصمة سلطنة عمان، وغير بعيد عن حصون وقلاع عريقة حمت البلد من الغزوات الخارجية في أزهى عصوره وأكثرها تقدما وتطورا، يتموقع بشموخ وعزة متحف بيت الزبير المعلم الخاص الوحيد بين مجموعة من المتاحف العامة التابعة لوزارة التراث والثقافة العمانية، التي تشمل المتحف العماني والمتحف الوطني ومتحف التاريخ الطبيعي ومتحف الطفل والمتحف الفرنسي.
وفود من السياح كانت تصل من دون توقف، وحافلات تقل زوارا من جنسيات عدة تركن في باحته الخلفية تكسر صمت المكان وتملأه حياة وتنعش الصرح الذي يبث فيه من روحهم باحثين عن سبر تاريخ بلد يعمل أهله في صمت ويخططون لمستقبل أبنائهم بعيدا عن صخب الإعلام ومن دون تكلف. بلطف أصيل استقبلنا المشرفون على المتحف مرحبين بكل زائر مع استصدار تذاكر رمزية تساهم في دفع جزء من تكاليف رعاية الصرح ليفسح له المجال لسبر أغوار جزء قيم من تاريخ هذه السلطنة التي هيمن أهلها على مدار قرون خلت على الملاحة في المنطقة وسادوا أرضا خصبة وطوعوا تضاريسها القاسية. مسؤولة المعروضات تحدثت وهي تقف وسط مجموعة من المهتمين عن تاريخ المتحف الذي فتحت بوابته الخشبية المزخرفة لترحب بزواره في عام 1998 وهو منذ ذلك التاريخ يستقبل آلاف الزوار الذين مروا على الصرح الذي موله بالكامل مؤسسيه، عائلة الزبير ضمن مؤسسة تضم مشروعات أخرى متعلقة بالثقافة والفنون وخدمة المجتمع والتاريخ والنشر . وبحسب ما تؤكده المسؤولة يعرض المتحف المجموعات التي تملكها الأسرة من التحف العمانية الممتدة عبر قرون، وتعرِّف بالمجتمع العماني ماضيا وحاضرا. وبفخر واعتزاز تكشف لنا عن الاستحقاق الذي حازه المعلم في عام 1999 بالحصول على جائزة السلطان قابوس للتميز المعماري، وكانت تلك المرة الأولى التي تمنح فيها هذه الجائزة.

بيوت عمانية عريقة

خلال جولة استكشافية داخل المتحف يقف الزائر مشدودا أمام أربعة مباني مستقلة، هي: بيت الباغ، وبيت الدلاليل، وبيت العود، وبيت النهضة، بالإضافة إلى الحديقة التي تحتوي عددا من الملامح التقليدية العمانية.
استهللت رحلتي في رحاب تاريخ عمان الذي يبرز المتحف شذرات منه من بيت الباغ (ويعني بيت الحدائق)، وهو المبنى الأساسي للمتحف الذي شيد في عام 1914 كبيت خاص من قبل الشيخ الزبير بن علي، الذي عمل مع ثلاثة سلاطين كوزير ومستشار. يؤكد لنا أحد القيمين على البيت أن المكان الواسع الذي تتجاوز مساحته مئتي متر كان في أيامه ملتقى للنخبة من أبناء المجتمع. وهو لا يزال حتى الآن يحافظ على طابعه الأصيل والعريق بالرغم من عمليات الترميم التي شملته وطعم بالعناصر التقليدية لتراث عمان المعماري. وتضم المعروضات معلومات عن السلالة البوسعيدية مع صور للسلطان قابوس بن سعيد وعدد من أفراد أسرته.

مجوهرات وحلي نفيسة وخناجر عريقة

الطابق الأرضي من المتحف بما يحتويه من نفائس لا تقدر بثمن، تجعل الزائر يقف مطولا في صالات عرضه الست الرئيسية حتى يوفيها حقها ولن يكون بوسعه أن يبرح مكانه حتى يسمع من المرشد السياحي المعلومات الوافرة عنها ويكوّن فكرة عامة عن نمط حياة العمانيين وطبيعة عيشهم في هذه الحاضرة التي استوطنوها منذ القدم. في ظلال نماذج الخناجر العمانية والأزياء التقليدية النسائية والرجالية، والسيوف والأسلحة النارية التقليدية، وقف المرشد يعدد أهميتها وهو يسعى جاهدا ليلفت انتباهنا لغناها وتنوعها وأصلها واختلافها عن النماذج المتواجدة في دول المنطقة واستخداماتها في المناسبات. ننتقل من المكان بأريحية لنغوص مجددا في جناح خاص عن المتطلبات المنزلية بالإشارة إلى أن المنزل يلعب دورا محوريا في حياة ابن المنطقة مع ما يشتهر به العمانيون من حسن الضيافة. وهي عادة راسخة في المجتمع مع إيراد مساحة لدلال القهوة التي يتم تصميمها بشكل فريد وأغلبها من النحاس وعليها نقوش تقليدية جميلة وتصنع حتى الآن النماذج الحديثة بالمواصفات نفسها في نزوى. ويؤكد الدليل أن السلطان قابوس بن سعيد أهدى دلة من هذا النوع إلى منظمة الأمم المتحدة ويبلغ ارتفاعها 137 سنتمترا وتزن 5 كيلوغرامات. وغير بعيد عن الردهة الرئيسية ينتصب بشموخ بيت الدلاليل (نسبة إلى حارة الدلاليل التي يقع فيها بيت الزبير) فقد أعيد ترميمه وتجديده بحرص، ليجسد الفن الحقيقي للمعمار التقليدي في عمان. ويمكِّن هذا المعلم الزوار من الرجوع إلى الوراء والإحساس بالحياة التي عاشها بعض العمانيين قبل أكثر من مئة عام. ويتكون البيت من مجلس وغرفة نوم ومخزن للتمر. وتم تصميم الجناح ليضم مكانا عاما يمكن للزوار الجلوس فيه والاستمتاع بمذاق القهوة العمانية الأصيلة والاستماع باهتمام لحديث المرشدين عن الأجنحة الأخرى ومشاهدة الأعمال الفنية والاستجمام في مكان جميل وهادئ محاطين بالكتب المفيدة وعبق التاريخ.
وخلال جولتنا توجهنا إلى الطابق الأول من المتحف الذي يضم قاعات عرض دائمة تعرض فيها خرائط أوروبية قديمة لشبه الجزيرة العربية ونماذج من الأثاث الذي كان مستخدما في البلد. أما الطابق الثاني فيضم قاعات تحوي رسوما قديمة لشبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا مع صور قديمة لمسقط، بالإضافة إلى مجموعة من الكاميرات التاريخية.

أسلحة وذخائر

بعد استراحة قصيرة وارتشاف كوب القهوة يقترح المرشد أن نواصل جولتنا في ربوع المتحف لتقابلك مجددا مجسمات تحاكي أبرز القلاع والحصون التي يشتهر بها البلد، وكانت مصدر فخر أهله ووسيلة دفاعهم الأصيلة عن أرضهم ضد الغزاة في الماضي بما تحتويه من أساليب مبتكرة لصد أي عدوان خارجي ولتأمين حياة الناس خلف تلك الأسوار الشاهقة وضمان سلامتهم وراء الحصون العالية. وشكلت أهم القلاع التي ما زالت بعضها حتى الآن قائمة ركيزة احتفاظ العمانيين بتراثهم التليد الذي يضم متحف الزبير نماذج مشرقة منه وتتضمن كل مستلزمات الرجال والنساء والأطفال وتشكل عنصر هويتهم الأًصيل.
وتحدث مرشدنا مطولا عن أبرز الأسلحة الموجودة في القاعة على غرار كتارة وهي سيوف بعضها مذهب ويعود تاريخ النصل إلى القرن السابع عشر مع الترس وهو الدرع الملازم للفرسان ويصنع من الجلد السميك لفرس النهر أو وحيد القرن ويعود ذلك إلى كون العمانيين اشتهروا عبر تاريخهم في استخدام السيف للمبارزة في الحروب وتستعمل حاليا في المهرجانات الشعبية وكانت مسقط في أواخر القرن التاسع عشر مركزا للعتاد الحربي والمتاجرة به.

أزياء من مناطق السلطنة

حتى لا يظل الزائر حبيس أركان قاعة الأسلحة، ينقله المرشد برحابة صدر إلى صالة عرض الأزياء التقليدية العمانية حيث
نماذج لملابس نسائية من مختلف المناطق العمانية. وتظهر بشكل جلي الفروقات بينها تبعا لعادات وتقاليد كل جهة تجسد ترجمة واقعية لحياة الناس وميولهم الفكرية وسعيهم الدائم للمحافظة على الموروث ونقله للأجيال الحالية، وتعتني المرأة العمانية في المناسبات والأعياد والحفلات بارتدائه وإبرازه.
ومن جناح الأزياء انتقلنا إلى الطابق الأول الذي يضم خمس صالات عرض تشتمل على الطوابع والعملات القديمة والمخطوطات والوثائق التاريخية ومكتبة مرجعية متخصصة تضج بمقتنيات أثرية عريقة حافظت عليها أسرة الزبير وعرضتها لزوارها ليكتشفوا ثرائها ويطلعوا على جوانب من تاريخ بلدهم. وتتواصل الرحلة صعودا ونزولا حيث يغادر السائح برفقة مرشده المبنى إلى الساحة الخارجية ليقف في الحديقة الخلفية على نموذج بيت تقليدي من جريد النخيل، وفلج (نظام تقليدي وقديم لتوزيع المياه اشتهرت به السلطنة)، وغير بعيد عنه نموذج لسوق عماني، ونماذج لقوارب وبيوت حجرية.
وتتعدد أقسام المتحف وتتنوع لتشمل أيضا بيتا من ثلاثة طوابق، صمم من وحي بيت الأسرة الأصلي في مسقط حيث سكن الشيخ علي بن جمعة (والد الشيخ الزبير بن علي) وعائلته في القرنين التاسع عشر واوائل القرن العشرين الميلاديين، إلى أن هُدم البيت في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي لتيسير مرور السيارات إلى القصر. ويضم هذا الجزء من المتحف قاعة عرض كبيرة صممت لإقامة معارض زائرة، في الطابق الأرضي . وإلى جانبه بيت النهضة الذي يضم أربعة طوابق، وتمت تسميته بهذا الإسم تيمنا بالنهضة التي يقودها السلطان قابوس بن سعيد. ويهدف هذا المبنى الذي يحتوي على المجموعة الفنية المتنامية لمتحف بيت الزبير إلى تطوير الفنون في سلطنة عمان. حيث يحتوي على قاعة متنوعة الإستخدامات تتسع لأكثر من ثلاثمئة وخمسين مقعداً مجهزة لإقامة مختلف أنواع الفنون الأدائية والاجتماعات. ويعرض البيت بشكل دائم في قاعاته المتعددة لوحات لأكثر من ثلاثين فناناً من الفنّانين العمانيين المتميزين بالإضافة إلى بعض الفنانين من خارج البلد، كما قام عدد من المحترفين برسم لوحات خاصة لبيت النهضة الذي يضم أيضاً لوحات من صور خلابة التقطها محمد الزبير من أماكن مختلفة من العالم تحت عنوان «عالمنا الجميل». وتدور اللوحات التي تم جمعها خلال عدة سنوات حول العديد من الأفكار والمفاهيم الفنية المختلفة.

متحف بأبعاد فنية حديثة

ويضم غاليري سارة تشكيلة واسعة من اللوحات ومجموعة كبيرة من الصور التي تعد نافذة للحركة الفنية المتنامية في السلطنة، وتسهم في دعم الفنانين الشباب على المستوى المحلي والعالمي. ويسعى القائمون على المتحف أن يلعب الصرح دوراً هاماً في إثراء الساحة الفنية العمانية عبر استضافة فنانين عالميين وإتاحة الفرصة للفنانين المحليين للاحتكاك بهم وتبادل الخبرات والمعارف، ولم يظل المعلم غارقا في دوائر التاريخ بل تجاوز حدودها إلى راهن عصره بإطلاق أول موقع الكتروني مخصص للتجارة الالكترونية بحيث يكون بمثابة نافذة للفنانين والمصورين الفوتوغرافيين في السلطنة لعرض أعمالهم وبيعها عبر الموقع للأسواق العالمية.

حماية التراث العماني

حين استفسرت من أحد المشرفين على الأجنحة عن الهدف من تعزيز المتحف والرسالة التي يرغب في نقلها كان جوابه أن عائلة الزبير أخذت على عاتقها تجميع وحماية وتقديم التراث الثقافي العماني الفني من خلال عرض مجموعتهم المختارة بعناية جنبا إلى جنب مع المعروضات القديمة والتاريخية لتضاف إليه قيمة جديدة. وأردف قائلا أن بيت الزبير عرف في المنطقة بإحدى محطات الفن والثقافة في عمان حيث يقدم العديد من الخبرات الثقافية للناس سواء المواطنين والقاطنين الأجانب والسياح بمختلف الأعمار. اختتمت جولتي في المتحف باستراحة أخيرة قبل مغادرته في الحديقة التي تجري فيها وديان وأنهار اصطناعية بما تمنحه من أنس لرواده وهي تنقل لهم في مساحة ضيقة نماذج مشرقة عن حياة العمانيين منذ القدم والتي يحاول ويسعى أبناء البلد حتى الآن على المحافظة عليها وصونها وتوريثها للأجيال المقبلة وتعريف العالم والمهتمين بجزء من خزان تراثهم الغني والثري.

سليمان حاج إبراهيم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية