موسكو ـ «القدس العربي»: لقد أثبتت المحادثات في جنيف مرة أخرى للمجتمع الدولي أن الأزمة السورية لم تكن على الإطلاق ظاهرة داخلية بحتة، بل هي مثل فوهة قمع «تجر» لاعبين جددا. إنها منطقة تصادم ليس بين المصالح الإقليمية فحسب، بل وبين المصالح الدولية أيضا. لم يستنفد، حتى الآن، أي من الأطراف المتصارعة كل موارده، ومن ثم فلا أحد منها يميل إلى تقديم تنازلات والقبول بحلول وسط. حاول المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في سوريا ستيفان دي ميستورا منذ 1 شباط/فبراير انجاح عملية التفاوض في جنيف، لكن دون جدوى.
تشير صعوبة إطلاق مشاورات جنيف إلى أن المفاوضات بحد ذاتها ستكون في غاية الصعوبة. وقد جعلت الشروط المسبقة التي طرحتها المعارضة السورية موضوع بدء المفاوضات محل تساؤل.
يرى نيكولاي سوركوف، الأستاذ المشارك في قسم الدراسات الشرقية في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، أن الأسباب الرئيسية لانهيار المحادثات في جنيف عائدة إلى عناد المعارضة السورية.
فوفقا له، «يفسر عناد المعارضة ببساطة ـ إلى أن الجهات الراعية لها تضع أمامها مهمة محددة: إزاحة الأسد عن الحكم. وهي تحتاج لتحقيق ذلك إلى البدء في طرح شروط غير مقبولة إطلاقا، ومن ثم تخفيف المتطلبات وإبداء الرغبة في التوصل إلى حلول وسط «.
ويضيف الخبير أن مشكلة هذه المفاوضات تنحصر أيضا في حقيقة أن الأطراف المشاركة فيها قد وضعت نصب أعينها أهدافا متناقضة تماما. فالأسد يريد البقاء في السلطة، بينما ترغب المعارضة ورعاتها في رحيله. وفي الوقت نفسه، فلا أحد يفكر في أن الهدف الرئيسي من المحادثات هو وقف العنف الذي يحصد أرواح الأبرياء.
بدوره، يعتبر فلاديمير أحمدوف، أحد كبار الباحثين في معهد الدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أن مطالب المعارضة قابلة للتحقيق وأنه كان بإمكان نظام بشار الأسد القبول بتنفيذها. ويرى المستشرق أن الوضع الراهن وتعثر المفاوضات السورية يمكن أن يكون مفيدا لكل من الولايات المتحدة وروسيا. وفقا له «تطرح الآن فكرة حول أنه من المفيد للأمريكيين وللروس الحفاظ على الوضع الراهن، لذا فهم يماطلون في المفاوضات. الأمريكيون لا يضغطون على المعارضة، ونحن لا نضغط على النظام. لذلك يبدو أن من المفيد لنا وللأمريكيين إطالة أمد هذه العملية. وإذا ما أردنا التحدث بجدية، فإن شروط المعارضة ليست بالتعجيزية: رفع حصار المدن وإطلاق سراح المساجين من النساء والأطفال. لم يبد أي من الطرفين أو داعميهما، من وجهة نظري، رغبة في تقديم تنازلات مناسبة للمضي قدما في المفاوضات. السؤال الذي يطرح نفسه – لماذا يفعل ذلك؟».
في غضون ذلك، إن تركيبة الوفود المشاركة في المفاوضات هي بحد ذاتها تمثل مشكلة. يعود السبب في ذلك إلى أن موسكو ودمشق لا تعتبران بعض معارضي بشار الأسد الذين وصلوا إلى جنيف معارضة معتدلة. إن هذا يخص تحديدا جماعة «أحرار الشام» والمنظمة التي تمثل مظلة لـ «جيش الإسلام».
ينحصر خطأ موسكو، وفقا لفلاديمير أحمدوف، في أنها لم تتمكن من إقامة اتصالات مع المعارضة المسلحة التي يمكن أن تكون أداة جيدة في يد روسيا سواء في ساحة المعركة أو في عملية التفاوض.
ووفقا لأحمدوف «كانت هناك معطيات حول حدوث مثل هذه الاتصالات، ولكن الجميع تنصل من ذلك فيما بعد. برز في خطاب وزير خارجيتنا في الأسبوعين الأخيرين ما يشير إلى أن مجموعتي «أحرار الشام» و»جيش الإسلام «هما منظمتان إرهابيتان. ونحن الآن ملتزمون بهذا المنطق. إن هذا سوء تقدير، لأن هاتين المجموعتين تضمان عددا كبيرا من الناس – حوالي 70- 80 ألف مقاتل. يمكنني الافتراض بأنه كان يمكن بذل محاولات للتفاوض معهم ومعرفة وجهات نظرهم. أعتقد أنه قد ساد لدينا انطباع بأن أي سلطة غير سلطة بشار الأسد هي خسارة لنا. وإذا ما خسرنا سوريا فإننا سنخسر الشرق الأدنى». ويضيف الخبير أن موقف روسيا في الشرق الأدنى بعد العملية العسكرية في سوريا قد تعقد. فقد اتهِمت روسيا سابقا بأنها تدعم نظام الأسد، وتورد الأسلحة إليه، وتوقفت الاتهامات عند هذا الحد. لقد اعتبر أن المسؤولين الرئيسيين عن المأساة هم الأميريكيون والإيرانيون ومقاتلو داعش. أما الآن وعندما تشارك روسيا هناك عسكريا، فإنها تتهم بإعاقتها لكل عملية التفاوض.
أتت ردة فعل موسكو على تهمة تعطيل المفاوضات على لسان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال جولته في الشرق الأدنى، حيث زار دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان.
وأكد عميد الدبلوماسية الروسية قائلا:» يبدو لي أن بعض أعضاء هذه المجموعة مدللون جدا من قبل داعميهم، وفي المقام الأول من قبل جيراننا الأتراك الذين حالوا بمفردهم دون انضمام قوة مهمة ومؤثرة كحزب الاتحاد الديمقراطي للأكراد السوريين إلى المفاوضات». كما اعتبر الوزير ممثلي المعارضة في محادثات جنيف بـ»متقلبي المزاج».
إن الخبير الروسي نيكولاي سوركوف متأكد من أن موسكو هي الأكثر حرصا على تسوية الصراع في أقرب وقت ممكن.
يعتبر المستشرق أن «روسيا مهتمة بصدق في إنجاح المفاوضات ووقف الحرب الأهلية في سوريا. وعلى أقل تقدير بسبب عملية القوى الجوية ـ الفضائية الروسية والتي تتطلب إنفاق موارد كبيرة. إن هيبة الكرملين على الساحة الدولية تعتمد إلى حد كبير على تغير الوضع في سوريا».
وتصب في صالح هذا الطرح حقيقة أن روسيا والولايات المتحدة أكدتا في محادثات جنيف على استعدادهما للتعاون بشأن الأزمة السورية. لا تريد روسيا الدخول في الصراع منفردة، لأنها بدأت تدرك أن سهام الاتهامات في نهاية المطاف ستطلق نحوها. إن الأمريكيين، وفقا لفلاديمير أحمدوف، لا يريدون التدخل في القضية السورية ويفضلون البقاء في وضعية المراقب.
واستطرد المستشرق قائلا: «لقد أعطانا الأمريكيون سوريا كاملة، تقع كل المسؤولية الآن علينا. لقد نأى الأمريكيون بأنفسهم عن الموضوع. والسؤال هو كالآتي – نحن نحاول ضم الأمريكيين للمساهمة في حل المشكلة، ولكنهم مترددون. هناك شكوك بأنهم يحاولون تنظيم أفغانستان ثانية لنا في سوريا. هم ذاتهم غير قادرين على الانسحاب من كل من العراق وأفغانستان. ها هم يجروننا إلى سوريا كي نقاتل هناك إلى أجل غير مسمى».
بغض النظر عن نتيجة اجتماع جنيف، فهو في حد ذاته مهم جدا، لقد كشفت المحادثات عن النقاط الحساسة، لكنها لم تقدم طرقا للحل. بيد أنه من الواضح الآن أنه من الضروري تمكين أكبر عدد ممكن من الطيف السياسي للمشاركة في مناقشة مستقبل سوريا، دون حرب قوائم المنظمات المسموح لها بالمشاركة في المفاوضات وبدون الإصرار على وسم بعض القوى بـ «المعتدلة» أو بـ «الإرهابية». ويبقى علينا الانتظار فيما إذا كان بالإمكان بلوغ ذلك قبل 25 شباط/فبراير.
فيكتوريا سيميوشينا