تغيرُّ الأفكار أم تغيٌّر الأخلاق؟

حجم الخط
0

تغيرُّ الأفكار أم تغيٌّر الأخلاق؟

د. علي محمد فخروتغيرُّ الأفكار أم تغيٌّر الأخلاق؟في عزلته التأملية الشهيرة عن العالم كتب الكاتب الأمريكي ثورو: بأن الأشياء لاتتغيًّر وإنما نحن الذين نتغيًّر وهذا ما يصدق علي وزير خارجية فرنسا فهذا الرجل قد خرج في المظاهرات الطلابية الفرنسية عام 1968 وهو يهتف بسقوط الأنظمة الظالمة ويطالب بالمساواة بين البشر والشعوب وبعد بضع سنين ساهم بحيوية الإنساني المثالي في تكوين جماعة الأطباء بلاحدود التي تذهب إلي كل بقاع العالم لتداوي ضحايا الحروب والنٍّزاعات والنكبات فهل تغيًّرت الأشياء حتي تتغيًّر ثوابت الوزير ونزعات جوارحه من أجل العدل والحرية والرحمة؟إذا كان النظام السياسي الذي كان يحكم فرنسا عام 1968 ظالماً ومستبداً، كما هتف هو وأخوة له آنذاك، فهل النظام الذي يحكم العالم بأسره اليوم أصبح أكثر عدالة وأقلًّ وحشية؟ هل أصبحت أنياب الحكم اليميني الأصولي المتطرف في واشنطن أصغر وأقلًّ قدرة علي العضٍّ والتمزيق من أنياب حكومة ديغول أيام شباب الوزير الفرنسي؟ وآلام وأوجاع الملايين من ضحايا سطوة الإحتلال الأمريكي للعراق وعهر استباحة الأرض الفلسطينية ومن عليها من قبل الاستعمار الصهيوني، ومن ضحايا النزاعات التي تؤجٍّجها قوي بالغة القسوة في كل مكان، هل هذه الآلام والأوجاع أقل من آلام البشر عندما تكوُّنت جماعة الأطباء بلا حدود؟إذن ما الذي تغيُّر في هذا العالم حتي يغيٍّر وزير خارجية فرنسا أفكاره ومبادئه وثوابته؟ والجواب هو : لاشيء، فالنظام السياسي والإقتصادي والاجتماعي الظالم المجنون لم يتغيًّر، بل ازداد سوءا وتيهاَ وخطراً الأشياء لم تتغيُّر وإنما الرجل إيًّاه قد تغيًّر وها هو منذ أسبوعين يحمل السُّيف الأمريكي في يده ويلوٍّح به، لا في وجه القوي الدولية التي تمارس احتلال بلدان العالم ونهب ثرواتها، وإنما يلوٍّح به في وجه إيران المسلمة، ويعدها بشٍّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّن الحــرب إن لم تنصع للإرادة الدولية ( الدولية أم الأمريكية؟ ) كذا، انقلب الشاب الثوري المفعم برغبة تغيير العالم والرجل الإنساني المملوء حناناً ورقة إلي أداة حرب استعمارية يعرف هو قبل غيره الأهداف الأمريكية الصهيونية الخفيًّة من وراء التلويح بها ويعرف بوضوح الأهوال التي ستأتي بها تلك الحرب علي الشعب الإيراني وعلي شعوب منطقة الخليج العربية، بل علي العالم كله بغضٍّ النظر عن الإتفاق أو الإختلاف مع بعض السياسات الإيرانية في منطقتنا، وبعيداً عن الجانب السياسي في تصريحات وزير خارجية فرنسا فان الذي يهمنا هو ظاهرة تغيُّر البشر التغيرٌّ ليس عيباً، بل إن الكاتب الألماني وولف بيرمان يصُّر علي ان الذي يتغيُّر هو وحده الذي يبقي أميناً مع نفسه . والواقع أن الإنسان يستطيع أن يجد مبرٍّراً لمن يغيٍّرون أفكارهم تغييراً جذرياً بسبب تغيُر الأحوال في محيطهم وبالتالي انتقالهم لتبنٍّي قناعات جديدة تستوجب الانقلاب علي ماضيهم لكن أن ينقلب الفرد علي ثوابت أخلاقية وإنسانية كانت تحكم حياته ويتبنُّي نقيضها فهذا أمر لايندرج إلاُ تحت ممارسة الانتهازية وبيع الذًّات أو الإنخراط في لعبة النفاق المذمومة هؤلاء ينطبق عليهم قول أحد القائلين : يضعون في سلُّة الفقراء فلساً بيد ليأخذوا باليد الأخري ديناراً. وزير خارجية فرنسا ليس الوحيد الذي يفعل ذلك، إذ هناك الألوف المؤلفة من مفكري ومثقفي وسياسيٍّي العرب الذين فعلوا ويفعلون ذلك لقد كانوا مناضلين ومحاربين في سبيل الحرية والعدالة واجتثاث العفونة من عالمهم واليوم يقفون مع الاستعمار والاحتلال والظلم وغول العولمة بانتهازية قلًّ مثيلها كل هؤلاء وأمثالهم أعطوا فيما مضي لأممهم وللبشرية القليل من نقاء ضميرهم ليعودوا اليوم فيساهموا في عملية نهب وسفك دم تلك الأمم والمسحوقين من البشر هؤلاء ينخرطون في عدمية فلسفة مابعد الحداثة : كل شيئ نسبي، الحقوق والأخلاق والمبادئ والقيم والإلتزامات الإنسانية في سوق نخاسة الضمير كل شيئ جائز الإنقلاب عليه. 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية