مسلمو ألمانيا بين المطرقة والسندان

حجم الخط
1

يبدو أن العداء للاجئين والأجانب – خاصة المسلمين منهم – أصبح اليوم ينتشر في مختلف أوساط المجتمع الألماني، أسرع مما كان متوقعا، وبشكل مثير للقلق، أفصح عن مدى استفحال فوبيا الاسلام في المجتمع وتمكنها منه.
فلا يكاد يمر يوم في الآونة الاخيرة بدون ان تتعالى الأصوات الداعية إلى إعادة النظر في سياسة الحكومة الألمانية تجاه اللاجئين والأجانب، وإيصاد الحدود، وحذو سبيل الدول الاوروبية الاخرى في وضع سقف لأعداد الوافدين؛ لاسيما بعد جرائم التحرش الجنسي الجماعي في ساحة محطة القطارات الرئيسية بمدينة كولونيا، حيث تعرضت مئات النساء، ليلة رأس السنة الميلادية الماضية، للاعتداء من طرف نحو ألف لاجئ مخمور، تبدو من سحنات وجوههم ملامح عربية أو شمال أفريقية. وقد أصبح الخناق يضيق مع مر الايام على المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي انتهجت في هذا الشأن سياسة ما بات يعرف إعلاميا «بثقافة الترحيب»، فانتقدت من أجل ذلك انتقادا شديدا، ليس من لدن معارضيها فحسب، بل حتى من أقرب المقربين اليها.
حسب آخر استطلاعات الرأي في ولاية «هِسِّن» على سبيل المثال، فإن مشاكل اللاجئين والاجانب أضحت تشكل هاجسا لدى سبعين في المئة من المواطنين، وتحظى بأكبر قدر من الاهتمام لديهم. ويؤكد حالة الهلع والقلق التي يعيشها المجتمع الالماني، ارتفاع حجم مبيعات الاسلحة وأدوات الدفاع عن النفس، مباشرة بعد انتشار خبر أحداث كولونيا؛ يقابلها في الوقت نفسه ارتفاع وتيرة الاعتداءات العنصرية على المسلمين والملاجئ والمساجد. فلم يشفع للمسلمين، على ما يبدو، سرعة استنكارهم للجرائم، ولا دعاواهم لإنزال أشد العقوبات على مقترفيها.
وقد زاد هذا الموقف تعقيدا وتأزما، ذاك التخبط الذي بدا واضحا على ردود أفعال بعض المسؤولين. فكانت تارة مدعاة للتهكم والسخرية؛ كمنع الرجال البالغين من اللاجئين من دخول المسابح العمومية في مدينة بورنهايم، وتارة أخرى مدعاة للسخط والغضب؛ كهجوم الشرطة على الحي المغاربي في مدينة دوسلدورف، وقيامها بحملات تفتيش واسعة في أوساط الأجانب، لم يسلم منها حتى كبار السن. فبدل أن يهتم المسؤولون بالجريمة في حد ذاتها، وينكبوا على دراسة دوافعها وملابساتها، كما هو معهود؛ نجد ان جل اهتمامهم انصب لحد الآن على قوميات مقترفيها وثقافتهم. وكعادتهم فقد حاول ولا يزال المفلسون من الساسة الالمان، ومن هم على شاكلتهم من المثقفين والإعلاميين، ناهيك عن العنصريين والمتطرفين، من استغلال الاحداث الأخيرة للصيد في الماء العكر، وصب الزيت على نار الحقد والكراهية التي كلما شاءت أن تخبو، أججت لهيبها أحداث ارهابية جديدة متواترة، توشك في كل مرة ان تفتك بالسلم الاجتماعي بين المسلمين وغيرهم في الغرب بصفة عامة.
فلم تمر سوى ايام قليلة على احداث التحرش الجنسي في كولونيا، وقبل ان تتضح معالم الجريمة، او تؤكد الشرطة هوية الجناة، سارعت وزيرة الاسرة السابقة كريستينا شرودر – عضو الحزب المسيحي الديمقراطي الحاكم – في حوار لها مع إحدى القنوات التلفزيونية الألمانية إلى الحكم على العرب والمسلمين باقتراف ذاك الجرم، داعية إلى كسر التابوهات والتعامل بحزم «مع أنماط الذكورة التي تبيح العنف في الثقافة الإسلامية». ولم يسلم من الانزلاق في هذا المستنقع حتى أكثر الساسة الألمان روية وتؤدة. لا ريب أن المستفيد الأول من هذه الأوضاع المشحونة بالحقد والكراهية هو اليمين المتطرف، وحملات التشويه الممنهجه التي يتعرض لها المسلمون. فكل المؤشرات تدل اليوم على ارتفاع حصة الاحزاب اليمينية من المقاعد البرلمانية في الانتخابات المقبلة. واستطلاعات الرأي تؤكد أن حزب «البديل لألمانيا» المعادي للإسلام استطاع ان يحقق ارتفاعا مهولا؛ في حين فقدت كل الاحزاب الاخرى نصيبا مهما من الاصوات. كما لم يعد يخفى على أحد أن ملف اللاجئين وسياسة الاندماج سيهيمنان لا محالة على هذه الانتخابات، وستضطر الأحزاب الديمقراطية الكبرى إلى الإذعان إلى دعوات الشارع في هذا الخصوص، وستتجه من أجل ارضاء الشعب وضمان ولاء ناخبيها إلى انتِهاج الأسلوب الشعبوي في خطابها السياسي أكثر من أي وقت مضى. كما أن الائتلاف الحكومي المقبل سيعمد بلا شك إلى سن قوانين لن تكون حتما في صالح المسلمين.
إن أخطر ما يحدق بالمسلمين اليوم في الغرب هو استهداف الإسلام نفسه، ففي حين كان من قبل بعض المسلمين فقط في مرمى نيران الانتقاد؛ أصبحت تتعالى تدريجيا أصوات من يتجرأ على تحميل الإسلام مسؤولية اخفاقات الحكومات المتعاقبة في حل كثير من المشاكل الاجتماعية، مستغلة حالة الغضب والاحتقان التي تصحب مثل هذه الأحداث، لتبوح بذلك جهرا وبدون حرج. وقد سبق وزيرة الاسرة السابقة كريستينا شرودر في انتقادها المباشر للثقافة الإسلامية، الصحافي نيكولاس كلاين، النائب السابق لرئيس تحرير صحيفة «بيلد»، أوسع الصحف الألمانية انتشارا، حيث كتب منذ عامين مقالا اعتبر فيه الإسلام، دون غيره من الديانات، عائقا يحول دون اندماج المنتسبين إليه. وقبله نشر عالم الاقتصاد ووزير المالية السابق في ولاية برلين تيلو زاراتسين، كتابه «ألمانيا تلغي نفسها»، الذي كان لمدة طويلة على رأس قائمة أكثر الكتب مبيعا، يتهم فيه المسلمين بتهديد مستقبل ألمانيا وثقافتها.
إذا كان ما ينشر من قبل في هذا السياق يصحبه انتقاد حاد وجدل واسع من طرف المنصفين من الساسة والإعلاميين والمثقفين، فإن هذه السموم تكاد تمر اليوم بدون أدنى اعتراض أو تنديد بشكل يثير كثيرا من القلق. وقد شكلت الأنظمة الديمقراطية ودساتيرها السائدة في ألمانيا ومعظم الدول الغربية طوق أمان للأقلية المسلمة، حمتها بشكل مباشر من شر الحاقدين من الساسة والمسؤولين العنصريين؛ وحالت دون أن يحيق بها مزيد من الأذى والضرر، إلا أن بوادر التغيير لم تعد في مَنأى عنها هي أيضا. فإذا كان المسلمون في ألمانيا يُعوٍّلون على سلطان قانونها الأساسي الذي ما برح يقف حاجزا أمام سن قوانين من شأنها أن تضر بمصالحهم أو تحد من حرياتهم على غرار قانون الإسلام النمساوي الجديد؛ فقد بات اليوم من ينادي بقوة إلى تغييره وإصلاحه. وعلى الرغم من التهديد الذي سيشكله المساس بالدساتير على قيم الحرية والديمقراطية في أوروبا، فإن اللامبالاة والأمية السياسية التي تعاني منها شريحة عريضة من المجتمع الألماني تنبئ بمستقبل قاتم. والتعديلات التي تنادي بها بعض القوى السياسية والإعلامية لن يكتوي بنارها المسلمون فقط، بل كل المجتمع. فهناك نزوع واضح للحكومات المتعاقبة، منذ بداية ما يسمى بالحرب على الإرهاب، إلى الحد من الحريات واستخدام أساليب الدولة البوليسية، كالإسراف في نشر كاميرات المراقبة في الأماكن العمومية، ومحاولات تمييع قانون الخصوصية، وتذليل العقبات القانونية الصارمة لإباحة التجسس على المواطنين، وإجبار شركات الاتصالات على حفظ وتخزين معلومات الزبائن، وكذا إباحة تبادل بيانات المواطنين بين أجهزة الدولة المختلفة، ثم انشاء ما درج على تسميته في الإعلام بـ»المواطن الشفاف».
ليس ثمَّة من سبيل للمسلمين، في ظل هذا الوضع العصيب، إلا أن يتعاملوا مع واقعهم بكثير من الحنكة وبعد النظر، ولا بد أن يتناولوا أحداث كولونيا الأخيرة برَويّة وموضوعية، وأن يفرقوا بين الحقيقة التي لا يشك فيها عاقل، أن الإسلام والمسلمين وثقافتهم بُرَاء مما اقترف في عمليات التحرش الجنسي؛ وبين ما هو شائع لدى الناس في المجتمع من أخبار مشينة حول هذه الأحداث. ولا بد أن يعذروا العامة في المجتمع الألماني في تخوفهم من الإسلام، فهو نتيجة حتمية لتراكم المشاكل والمصائب والإخفاقات بعضها فوق بعض لعقود طويلة: فالصراعات الدامية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وميل كثير من شباب المسلمين إلى التطرف والغلو، وصــــور القتــــل والذبح البشعة التي تقترف باسم الاسلام، والتي فاقت بشاعتها مشاهد الرعب السينمائية، وتعاقب الأحداث الإرهابية في الغرب التي أودت بحياة العشرات من الأبرياء في عقر دارهم، وتهدد الأمن والأمان، وازدياد حدة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والديموغرافية المترتبة عن نزوح أعداد هائلة من اللاجئين إلى أوروبا، وطغيان الصورة النمطية السيئة للإسلام في الإعلام الغربي، وفشل سياسات الاندماج، كل هذا كرس مشاعر الخوف والريبة تجاه المسلمين ودينهم.
وإذا كان هذا الوضع الذي يعيشه مسلمو المانيا مؤشرا على مدى استشراء فوبيا الاسلام في المجتمع؛ فإنه في الوقت نفسه مؤشر على مدى ضعف المسلمين، وسذاجتهم، وقلة حيلتهم، وعمق انقسامهم على أنفسهم، وانعدام تأثيرهم في المجتمع الألماني. وما دام المسلمون عازفين عن دخول غمار السياسة، نائين بأنفسهم عن أَزِمَّة القيادة، وغائبين عن مواطن اتخاذ القرارات، فإن شيئا في هذا الوضع لن يتغير، بل قد يزداد سوءا وتعقيدا.

٭ كاتب مغربي ـ رئيس رابطة
الجمعيات الإسلامية في ألمانيا

عبد الكريم أهروبا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية