المزيد والمزيد من الإسرائيليين مثلي والبالغين 40 ـ 60 سنة، والتابعين للطبقة الوسطى، يسألون انفسهم إلى أين نحن ذاهبون؟
أي اولئك الذين يُسمون المركز السياسي. يوجد هنا من يعتبر أن العنوان موجود على الحائط وهو واضح بما فيه الكفاية، واختاروا الحياة في الخارج بدون الصهيونية، واولئك الذين بقوا هنا مثلي، والذين يعتبرون أن هناك أملا، ينظرون إلى ما يحدث، ويطرحون الكثير من الاسئلة المهمة.
اسباب ذلك كثيرة ومتعددة: التمييز الآخذ في التعمق بين التعليم العلماني والتعليم الديني الحريدي المسيحاني والمنفصل والذي يحظى بالمزيد والمزيد من المصادر على حساب التعليم العلماني. وتراجع اجهزة المملكة التي بات الكثير من رؤسائها غير مناسبين ولا يملكون المهارات، وتراجع وتبخر أي حديث عن حل سياسي حقيقي.
تراجع مكانة إسرائيل إلى درجة الخوف من أن تتحول إلى دولة تمييز عنصري في نظر العالم. النموذج البيزنطي الذي يزداد يوما بعد يوم في السلطة على اختلاف مستوياتها. وفوق كل شيء غياب المعارضة السياسية الحقيقية، حيث الواقع السياسي أحادي القطبية، وحيث تصبح لا حاجة إلى التوجه إلى الجمهور من اجل الحسم. ويبدو أن هذا يبشر بالتحول في القريب حيث تتحول الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط إلى اوتوقراطية رأسمالية.
الاوتوقراطية الرأسمالية هي كيان سياسي جديد نسبيا، وهي مناقضة للنظرة القديمة التي كانت تقول إن هناك تناقض بنيوي بين الاقتصاد الحر في النظام الديمقراطي وبين النظام المركزي الذي يؤدي بالضرورة إلى الاقتصاد المركزي الغير قادر على منافسة السوق الحرة.
في الواقع، الصين الضخمة وسنغافورة الصغيرة، هما مثالان على ذلك. ايضا تايلاند، تركيا، انغولا وجزء من دول الخليج، وهناك من يعتبر روسيا ايضا اوتوقراطية رأسمالية فيها نظام مركزي واقتصاد حر في نفس الوقت. إذا كان هناك قاسم مشترك بين جميعها فانه يكون الاوتوقراطية الرأسمالية التي تنجح في منح الخاضعين لها امكانية المبادرة الاقتصادية، مقابل الانصياع والمحافظة السياسية.
من الواضح اليوم أن الحديث ليس عن ظاهرة هامشية. والسؤال هو هل الاوتوقراطية الرأسمالية هي النموذج الذي يسيطر في السنوات الاخيرة على عدد من الدول. وسؤال آخر هو هل الاوتوقراطية الرأسمالية هي البديل للديمقراطية الغربية القديمة والمتعبة.
يزداد السؤال حدة بناء على التصرفات التي تميز الكثير من دول الغرب. حيث تعاني من قطبية اجتماعية آخذة في التعمق، نتيجة لتنقل الشعوب من الشرق الاوسط وافريقيا باتجاه اوروبا وأمريكا اللاتينية ومن جنوب شرق آسيا إلى الولايات المتحدة. وتواجه هذه الدول ايضا مصاعب اقتصادية، لا سيما دول جنوب اوروبا، وكذلك الإرهاب الذي هو نتاج للصراع التدميري بين الإسلام المتطرف والعالم المسيحي.
يضاف إلى كل ذلك الفاعلية الصينية في السوق العالمية، وصعود القوة الديمغرافية والاقتصادية للهند والصين يشير إلى ازدياد الثقافة السياسية الجديدة التي تتميز بوجود النظام المركزي والاقتصاد الحر.
في كل الاحوال، يصعب التغاضي عن الشعور أنه في اماكن كثيرة في العالم فان الرغبة في النمو الاقتصادي والابقاء على الاتحاد القومي العرقي والديني تتغلب على التمسك بالديمقراطية. وفي نفس الوقت يزداد الجانب اليميني للخارطة السياسية في جزء من دول الغرب بما في ذلك الاكثر حضارة وتطور.
لا يمكن الاستمرار في انكار الخوف والقلق من أن إسرائيل تسير في هذا الاتجاه. بعض السياسيين ومنهم وزراء سيقولون إنه من غير الممكن الاستمرار في ادارة إسرائيل مع مشاكلها المختلفة دون تقوية الحكم. وراء هذا الادعاء تختبيء النية لتركيز الصلاحيات أكثر فأكثر في أيدي السلطة. وسيقول آخرون إنه على ضوء الضغط الدولي والاقليمي مطلوب تضامن سياسي أكثر وضوحا. وهناك من سيقول إن الواقع ثنائي القومية والانقسام الاجتماعي الديني في إسرائيل يفرضان قيام نظام أكثر اوتوقراطية.
الخلاصة هي أن إسرائيل تنزلق شيئا فشيئا في المنزلق الذي يؤدي إلى تحويلها إلى اوتوقراطية رأسمالية مثل سنغافورة أو تركيا. التغيير لن يحدث في يوم واحد، بل بحركات صغيرة لا يمكن الشعور بها تقريبا إلى أن تتشكل الكتلة المطلوبة التي ستحول واقع حياتنا. عندها سنقف جميعا، من اليمين واليسار، ونقول كيف أننا لم نفهم أن ديمقراطيتنا التي هي أساس حصانتنا قد تلاشت. كيف لم نفهم إلى أين يأخذنا هذا.
هآرتس 8/2/2016
حاييم تومر