لا أميل لمشروخة (المؤامرة) في تفسير الأحداث لكن ما فعلته محطة دجلة العراقية الفضائية يثير فعلا الفضول عندما بثت مساء الأحد شريطا عن حادثة حصلت عصر الخميس لكي تثير أزمة بنكهة طائفية بين الشعبين الشقيقين الأردني والعراقي.
الغريب ان المحطة سالفة الذكر بثت شريطا لا مبرر لبثه خصوصا بعد أربعة أيام بالصورة وبدون الصوت وأظهرت سبعة من مواطنيها يضربون بقسوة ناشطا أردنيا تعثر عدة مرات وهو يحاول الإفلات من الكمين الذي نصبه حراس سفير العراق.
الضرب لم يكن بوضوح دفاعيا بل هجوميا ومهينا ومكررا.
وختمت إمرأة عجوز قليلا المشهد المؤذي بأن خلعت حذاءها وإنهالت به على رأس الشاب الأردني وهو بين أيدي حراس ضخام يتلاقفون جسده الضئيل.
حذاء عجوز وفتنة
العجوز التي أثارت دهشة الرأي العام الأردني ركضت برشاقة خلف الشاب الأردني وهي تحمل سلاحها (الحذاء) وتضرب الضحية بحماس بالغ وكأنها عادت صبية لأن أردنيا ما عبر عن تقديره للرئيس الراحل صدام حسين.
أعتقد أن الشعب الأردني أزعجته هذه العجوز حصريا أكثر من أي طرف آخر ففي الأعراف المحلية ينبغي لكل أردني ان يتضارب مع آخرين فيجرح ويصاب ويصيب الأخرين أما التعرض لحذاء إمرأة يحرسها رجال ففيه قمة الإهانة بالعرف الإجتماعي.
طبعا بعض ردود الفعل لا يمكن قبولها والآراء الشوفينية المريضة التي ظهرت في بعض الإعلام الإلكتروني الأردني قابلها آراء أكثر مرضا طالبت الشعب الأردني بإعادة فروقات النفط الذي قدمه الراحل صدام حسين.
لكن الإشكال أنتجته ببساطة محطة دجلة والأسباب غامضة خصوصا مع غياب الصوت عن الشريط المبثوث وهو غياب يفسره المعتدى عليهم بالحرص على إخفاء شتائم من الوزن العراقي الثقيل.
رغم كل ذلك لا أفترض وجود مؤامرة وراء بث الشريط وأرجح أن المسألة تتعلق بطريقتنا المعتادة نحن العرب في العمل بالفضائيات وعلى الأرجح ترتبط بتراخي موظف كسلان أو خطأ إداري عابث وصبياني كلف شعبين ازمة كبيرة.
لكن المشهد يذكرني عمليا بما رواه يوما الدكتور مصطفى حمارنة عندما كان مديرا للتلفزيون فقد أرسل له شريط فيديو مسجل مع أوامر ببثه يتعلق بإعترافات إمرأة (إرهابية) لإبلاغ الرأي العام بالإعترافات.
كان الشريط في طريقه للبث على نشرة الساعة الثامنة وقبل دقائق فقط قرر صاحبنا تفحصه قبل البث وإنطوى الأمر على فضيحة فالمراة المعنية تتعرض للتوبيخ والصراخ من صوت مجهول يشتمها ويحقرها مما يعني بأن منتج الشريط (الأمني) لم يجر عملية المونتاج اللازمة … ثمة ما يقول لي بان قصة شريط محطة دجلة مماثلة.
هل تفعلها حماس؟
لا أعرف سببا يدفع قادة حركة حماس في قطاع غزة لمنع عندليب فلسطين الجديد محمد عساف من العودة لأهله في القطاع بعد تألقه في فضاء الأغنية العربية عبر إم بي سي وبرنامج آراب آيدول.
بعض الزملاء في عمان متخوفون من أن تفعلها حماس وترتكب هذه الحماقة والدعاية المضادة من جماعة حركة فتح طبعا تلعب دورا في الإشارة إلى ان شقة العندليب الشاب الذي إلتهم قلوب العرب وهو يغني لشواطئ غزة وتراب فلسطين جاهزة في رام ألله بأمر مباشر من السيد الرئيس محمود عباس .
.. إذا فعلها عباس فعلا وتبنى نجم فلسطين الشاب الجديد ستكون عمليا أول شقة تصرف من أموال الشعب الفلسطيني في مكانها الصحيح بعدما وزعت الشقق والفلل وبطاقات الشخصيات المهمة على كل من هب ودب بلا تدقيق.
وإذا فعلتها حماس ومنعت العندليب من العودة لأهله وقطاعه تكون للأسف قد حفرت حفرة عميقة لنفسها بين قوى الظلام خصوصا عندما يتعلق الأمر بالأغنية التي يمكنها أن تكون بحجم الصاروخ عندما تقاوم ولنا في قصيدة راحلنا الكبير محمود درويش مثلا حيا عندما قاوم كما لم يفعل الأخرون وأطلق قذيفته النووية الخالدة (عابرون في كلام عابر).
إسرائيل كيان مؤقت وعابر فعلا ومعاد للحقيقة ومقاومتها بالثقافة والأغنية والوعي والموسيقى لا تقل أهمية عن مقاومتها في الرصاصة.
وزير داخلية حركة حماس يخفيفنا وهو يصدر تعميما يتضمن منع الإختلاط أثناء التجمع لتأييد عساف ومنع الإحتفالات في الشوارع ومواكب السيارات ..هذا قرار ظلامي بإمتياز ولا مكان له في العالم العصري الحديث ولا يليق بشعبنا الفلسطيني العظيم وأملنا كبير بـأن يستدرك عقلاء حماس ويتراجعون عن ما يخطط بعضهم له.
كوارث ومناسف
زميل يعمل مع محطة سي إن إن الأمريكية تصادف انه زار عمان وسأل عن عشرة مسؤولين وبرلمانيين بنفس الوقت فقيل له أنهم منشغلون معا في جاهة عرس لأحد الزملاء الصحفيين.
الذهنية الأمريكية في التفكير إشتغلت فورا عند الزميل الضيف فسارع للإستفسار بإستغراب: ماذا إذا حصلت كارثة أو زلزال أو حرب لا سمح الله؟
.. لم يعجبنا أنا وعصابة النميمة السؤال فإستزدنا بحثا عن تفسير وإذا بالرجل يتحدث عن المناسبات النادرة في أمريكا التي تتطلب وجود الرئيس وأركان الدولة معا في نفس اللحظة .. إحتياطا يتم تخبئة نائب الرئيس او أحد الوزراء حتى يتولى الحكم إذا قتل الجميع في تلك اللحظة.
ألله لا يجيب كوارث ولا حروب أولا.
ثانيا صاحبنا لا يعرف بان الأردن سيعمل أفضل بدون هذا الحشد من المسؤولين والسياسيين من جماعة المولينكس.. تلك طبعا علامة إستقرار في الدولة الأردنية أما الدولة الأمريكية فمرتجفة وخائفة وأعدائها كثر .. للعلم فقط لا يفتقد أحد في بلادي جميع المسؤولين على الإطلاق لو غابوا في أي لحظة فجميع المسؤولين والسياسيين في الواقع موظفؤن ليس أكثر وهم ليسوا أصحاب قرار ولا معلومات لديهم من حيث المبدأ عن ما يجري.
لذلك نحن مطمئنون كشعب أردني ولن نفتقد أحدا من هؤلاء وفي حالات الحروب والكوارث لا سمح ألله سنتصرف بشكل أفضل لو كانوا منشغلين بعرس أو حفلة طهور أو تناول (منسف) لأن وجودهم يعني الإسترسال في الإعاقات التي لا معنى لها لأي إنتاج.
خلافا لذلك المهمة المفضلة للسياسي الأردني الفاعل والمتقاعد خطبة عروس أو حضور جاهة عشائرية أو التحلق حول وعاء ضخم من الطعام مع إطلاق عبارات غامضة عن أي موضوع والإفتاء بطبيعة الحال بكل الملفات .
مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان