لندن ـ «القدس العربي»: هل لا يزال تنظيم «الدولة» في العراق والشام القوة الضاربة التي لا تقهر أم أن التراجعات الأخيرة في ساحات المعارك تعلم لمرحلة من مراحل تراجعه في مناطق نفوذه السورية والعراقية؟
وما هي أسباب هذه التراجعات وماذا نفهم من استعداد دول عربية مثل السعودية والإمارات العربية لدخول المعركة البرية ضده؟
جزء من الجواب على هذه الأسئلة نابع من أن تراجعاته مرتبطة بمشاكل مالية صعبة وانشقاقات وهروب داخل صفوفه وقلة تدفق المقاتلين.
وفي هذا السياق أشارت صحيفة «واشنطن بوست» إلى سيطرة المقاتلين الأكراد والقوى العربية المتعاونة معها على عمليات طرد الجهاديين من مناطق واسعة في أجزاء من سوريا والعراق والتي أعلنت عليها «الخلافة» عام 2014.
تخفيض الرواتب
وترى الصحيفة أن خسائر التنظيم مرتبطة بمشاكل توفير رواتب الموظفين واستبدال المقاتلين الهاربين بآخرين جدد، خاصة أن القوة القتالية تعتمد على المقاتلين الأجانب.
وينقل التقرير عن جاكوب شابيرو، الخبير في تنظيم «الدولة» في جامعة برنستون قوله «تقترح هذه القضايا أن «الدولة» ككيان مصمم على الاحتفاظ بالأراضي ليس قابلا للبقاء».
وتعلق الصحيفة أن «الدولة الإسلامية» كان يننظر إليها قبل عام تقريبا كقوة ضاربة لا يمكن الوقوف أمامها وتقضي على أعدائها في سوريا والعراق بسرعة ووحشية مدهشة.
إلا أن التنظيم أظهر تراجعاً في زخمه في الأشهر الأخيرة. ويقدر المسؤولون الأمريكيون خسائره من أراضيه بحوالي 40% في العراق وحوالي 20% في سوريا.
وأثرت الغارات الجوية التي شنها التحالف الذي تقوده واشنطن على البنى التحتية خاصة النفطية منها والتي تعتبر المورد الرئيسي للجهاديين.
كما أن خسارته مناطق حرمته من موارد الضريبة التي يفرضها على السكان. وأدى تراجع موارد «الدولة» المالية لتخفيض المساعدات والرواتب المخصصة للمقاتلين والبيروقراطية التي تشرف على الأمور اليومية.
ومع ذلك فلا أحد يتوقع هزيمة مفاجئة للتنظيم المعروف بتصميمه وهجماته المفاجئة ضد أعدائه. وسيواصل من أجل البقاء استغلال المشاعر الطائفية التي وسعت من تأثيره خاصة بين القطاعات السكانية السنية في البلدين، وهو ما عقد هزيمته.
وترى الصحيفة أن تعليق محادثات جنيف يوم الأربعاء الماضي للتوصل إلى تسوية للحرب السورية المستمرة منذ خمسة أعوام يؤثر على الجهود الدولية لهزيمة تنظيم «الدولة» والقضاء عليه.
وتشير إلى أن كلاً من الولايات المتحدة وروسيا تدعمان أطرافا تواجه بعضها البعض في النزاع الذي قتل فيه أكثر من ربع مليون سوري مما يزيد من قوة تنظيم «الدولة».
هروب
ورغم ذلك يسجل مراقبون حالات من هروب المقاتلين وفي الحالة السورية انشقاقات إلى تنظيمات أخرى بحسب فيرا مينوروفا الخبيرة في الجماعات السورية المسلحة في مركز بيلفر بجامعة هارفارد.
وتقول إن تخفيض الرواتب وقطع العلاوات أديا بالمقاتلين من أجل المال للبحث عن «صفقات أفضل» لدى جماعات أخرى. وقالت إن التنظيم يكافح كي يملأ صفوفه من المقاتلين الأجانب والذين يندفعون للمشاركة في حرب «الدولة» بدافع أيديولوجي ولكنهم يموتون بأعداد كبيرة بساحات المعارك.
وأدت القيود المشددة التي فرضتها دول الجوار السوري مثل تركيا لإبطاء تدفقهم فيما قرر البعض تحويل الوجهة من سوريا إلى مراكز يبدو فيها التنظيم قويا مثل ليبيا. وتقول ميرونوفا التي أجرت أبحاثا شملت على لقاءات موسعة مع مقاتلين إن التنظيم «في أزمة كبيرة».
ورصدت مجموعة «الرقة تذبح بصمت» التي تقوم بمراقبة وتوثيق ما يجري في الرقة التي تعتبر «عاصمة الخلافة» مطالب عدد المقاتلين المساعدة في الهروب من سوريا.
ونقلت عن أحد مؤسسي المجموعة محمد صالح قوله «هناك أعداد كبيرة تحاول وبشكل متكرر الفرار وليس من الرقة» بل من المناطق الأخرى الخاضعة لتنظيم «الدولة» في شرق سوريا.
وأضاف أن «جزءًا من الموجة هي تعب وملل الأشخاص الذين انتقلوا من مدن حية مثل لندن وباريس إلى الرقة، فلا كهرباء والقصف متواصل، ويكتشفون أن الحياة فيما يطلق عليها الخلافة ليست كما توقعوا».
ضربات في الخارج
ويرى الباحثون أن المشاكل التي يواجهها التنظيم في داخل مناطقه دفعته لتبني أساليب جديدة من مثل القيام بهجمات في الخارج بما فيها هجوم باريس في تشرين الثاني/نوفمبر 2015 والذي قتل فيه 130 شخصاً.
وترى نيلي لحود، الخبيرة في الإسلام السياسي في معهد الدراسات الدولية والإستراتيجية أن الضربات الخارجية هي جزء من محاولة التنظيم تأكيد أنه في حالة هجوم مستمر. وتعلق «لقد بالغوا في تصوير انتصاراتهم الأولى باعتبارها آية من الله، ومكافأة لهم على إيمانهم».
وفي محاولة لمنع تسرب المقاتلين أعلنت قيادة التنظيم في تشرين الأول/أكتوبر عن عفو عام عن الأشخاص الفارين. ويرى أيمن التميمي أن العفو هذا هو إشارة واضحة عن المصاعب التي تواجه الجهاديين لشن الحروب.
وهناك تقارير تتحدث عن استهداف «الدولة» للأحداث وتجنيدهم للقتال في المعارك. ولاحظ مراقبون عمليات إعدام للمقاتلين الذين فروا من المعارك مع مقاتلي البيشمركة في شمال العراق والقوات العراقية بمدينة الرمادي. ويعلق شابيرو أن تطبيق إجراءات متطرفة هي إشارة عن فقدان التماسك وتراجع في القوة القتالية. ورغم الحديث عن التقدم في الحملة ضد تنظيم الدولة إلا أن هزيمته تظل رهنا بالتدخل العسكري.
وذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأسبوع الماضي أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما يتعرض لضغوط من أجل توسيع الحملة العسكرية ضد الجهاديين في أفغانستان وليبيا والعراق وسوريا.
وأعلنت السعودية يوم الجمعة عن استعدادها لإرسال قوات برية. ويوم الأحد قال أنور قرقاش، وزير الدولة في الخارجية إن الإمارات مستعدة لتقديم قوات برية وتدريب في حالة قادت الولايات المتحدة هذه الجهود. وقال قرقاش إن موقف الإمارات كان واضحا منذ البداية وهو أن وجود قوات برية ضد تنظيم الدولة.
وأكد أنه لا يتحدث عن قوات بالآلاف ولكن قوات تقود وتدرب. وتأتي التصريحات في ضوء الإحباط من عملية التقدم على الأرض رغم ما حدث من تقدم بسيط ضد داعش في العراق.
عام الدم
وفي هذا السياق قيم الخبير الإستراتيجي ديفيد كيلكلن في كتاب جديد سيصدر تحت عنوان «عام الدم: الدولة الإسلامية وفشل الحرب على الإرهاب» تقييما للحرب ضد تنظيم «الدولة».
وقال في مقال نشرته صحيفة «صنداي تايمز» إن الولايات المتحدة شعرت بعد 15 عاماً من الهجمات التي نفذها تنظيم القاعدة على أراضيها ان الحرب على الإرهاب باتت تقترب من نهايتها.
وكان هذا قبل ظهور تنظيم «الدولة» وقبل أن تعود طالبان من جديد وقبل أن تبدأ جثث اللاجئين السوريين بالوصول إلى شواطئ الدول الأوروبية. وكان هذا قبل أن تسقط أول قنبلة عنقودية روسية على قرية سورية. ويعلق أن الدول الغربية تواجه اليوم عدوا موحدا وقادرا ومتوحشا في منطقة غير مستقرة ومفككة.
وتعاني من تنافس جيوسياسي ومخاطر الحرب أكبر من تلك التي شهدتها مرحلة ما بعد هجمات 9/11.
ويتساءل كيلكلن قائلاً «أين نمضي؟ «والجواب أن علينا الإعتراف بأن هذه الحرب هي حرب طويلة «فلا توجد هناك قنبلة سحرية أو حل سريع لها ولن تنفع معها الحلول العسكرية والدبلوماسية والتكنولوجية مجتمعة من أجل إعادة «الجني إلى القمقم».
ويقول إن معظم مقاتلي تنظيم «الدولة» هم أبناء الرجال الذين سجنهم الأمريكيون أثناء الإحتلال الأمريكي ومعظم المقاتلين الذين يقاتلون في صفوف حركة الشباب الصومالية وأنصار الشريعة في ليبيا وبوكو حرام في نيجيريا هم من الشبان الصغار.
وأصبحت طالبان اليوم أكثر شباباً وتجربة ومراساً في الحرب من جيل العقد الماضي في عام 2001 ولدى مقاتليها الطاقة والوقت الكافي للتحضير. وعليه فالأزمة لن تختفي في أي وقت قريب ولن تنتهي سريعاً وبطريقة سلمية «نظيفة». ويعتقد الكاتب أن حرباً جيلية متعددة الجوانب جارية ضد عدو قوي.
كما أن العنف الذي نواجهه اليوم في الشرق الأوسط ليس انحرافاً عن الواقع بل هو الأمر الطبيعي. ولا يمكن تخفيض الخطر أو عزله لأننا نعيش في زمن أصبح فيه الناس مرتبطين بالتجارة والسياحة والتحاور الحر.
ويحذر الكاتب من أنه في حالة الفشل بمواجهة الخطر اليوم خاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا فسيضطر الغرب لمواجهته في عقر داره.
والكاتب هنا لا يتحدث عن فشل في التعامل مع قضية واحدة مثل سوريا التي أدت لتدفق آلاف المهاجرين ولكن عن حالة تجذب إليها المحرومين والمحبطين- سواء كانت «القاعدة» أو «داعش» فوجود هذه الحالة يعني استمرار الخطر.
وكلما طال أمد التعامل مع مشكلة تنظيم «الدولة» تجذر وتوسع في العالم مما يعني صعوبة قلع شأفته وتأثيره على الشبان حول العالم. ومن هنا يعتقد الكاتب أن النقطة الرئيسية التي يجب على الغرب التفكير بها وهو يخطط للمرحلة المقبلة.
ويرى ان الفشل في القيام بشيء ضد الخطر لا يعني عدم وجود حل له. ويقول إن الدروس التي تعلمها من العراق وأفغانستان وليبيا وسوريا تؤكد أنه من الخطأ التفكير بأن هذا هو أسوأ ما يمكن أن نصل إليه. واليوم هناك من يعتقد أن تنظيم «الدولة» هو أسوأ ما حصلنا عليه. وهذا كلام غير دقيق نظراً لوجود عدد من التهديدات الأخرى التي تجعل منه يبدو «حملاً وديعاً».
وكليكلن يدعونا لأن نفكر أبعد من الوصفة الأمنية والإرهاب، فمهما حصل اليوم من مذابح فستؤثر على المستقبل. ويعتقد أيضا أن القدرة على القتال لا تتم بدون استغلال القدرات التكنولوجية المتوفرة لدينا، ومهما كانت وسيلة القتال بالحجارة أو بالطائرات الموجهة، فالحرب تظل حرباً: فعل قوة يهدف إلى إجبار العدو على الإذعان لأوامر المنتصر. ولن تتغير طبيعة الحرب أياً كانت التكنولوجيا المستخدمة.
وعلى صناع السياسة الإجابة على التساؤل الآتي: هل نحن مستعدون أن نضيف للهيكل العظمي لحماً؟ بمعنى هل نحن مستعدون لكي نقتلهم وان نقتل؟ وإذا كان الجواب بلا فعلينا أن لا نتورط في هذه الحروب منذ البداية. أما إذا كان الجواب بنعم فنحن بحاجة لقادة لديهم الموقف الأخلاقي والإستعداد للتعامل مع الحرب كما هي بدون تردد.
وعليه فلا يمكن للتكنولوجيا أو الموقف الأخلاقي والفكري الانتصار ولكن الشخصية والإرادة وهذا ما يفهمه تنظيم الدولة وطالبان والقاعدة.
مفكر استراتيجي
وتنبع أهمية موقف كيلكن من كونه المنظر الإستراتيجي في إدارتي جورج بوش وباراك أوباما وهو الذي هاجم بشدة موقف جورج بوش المتهور في احتلال العراق وموقف أوباما الضعيف تجاه سوريا.
وكان كيلكلن الذي يتحدث الإنكليزية بلهجة استرالية جنرالا في الجيش الأسترالي قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه في الانثربولوجيا السياسية واعتمدت عليه وزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاغون نظرا لخبرته في مكافحة الإرهاب.
وعمل مع كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة وقائد القوات الأمريكية السابق في العراق الجنرال ديفيد بترايوس والجنرال ستانلي ماكريستال، قائد القوات الأمريكية السابق في أفغانستان. ويعمل اليوم في برنامج مستقبل الحرب في معهد «نيو أمريكا» بواشنطن ويقدم نصائحه للحكومات من كولومبيا إلى روسيا ويعمل في أمريكا اللاتينية وأفريقيا.
وبرز عندما صعد تنظيم «الدولة». وقال إن إدارة بوش استدعته عندما وجدت نفسها بورطة في العراق وبحثت عن حل. ويقول في مقابلة أجراها معه توبي هاردن بصحيفة «صاندي تايمز» إن جورج دبليو بوش لم يهتم بالقرارات السياسية والحرب في العراق إلا في الفترة الثانية من ولايته، فحتى عام 2005 ظل يترك القرار لنائبة ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد.
ويلاحظ أن مجموعة أوباما هي على النقيض حيث تتمركز فيها آلية اتخاذ القرارات. وهذا كان ضعف الإدارة لأن أوباما انتخب لكي يكون النسخة المضادة لبوش.
ويقول إن أوباما مسؤول عن الخروج من العراق والتردد في سوريا لكن هذا ليس مهماً لو لم يقم بوش باحتلال العراق عام 2003. وعن التطورات المتعلقة بتنظيم الدولة لا يستبعد تصعيداً منه وحالة عدم استقرار في أوروبا هذا العام.
ويقول إن تظاهر إدارة أوباما بأن كل شيء على ما يرام هو عكس ما يراه الجمهوريون من أن العالم يقترب من نهايته. وكلاهما مخطئ في نظرته «فعلينا أن نعترف بأن سلسلة الحملات العسكرية منذ 9/11 هي عبارة عن مجموعة من الهزائم».
وفي سوريا على الغرب أن يلتزم بقوات عسكرية أكبر لهزيمة تنظيم الدولة. ويرى أن إنجاز أوباما الكبير وهو قتل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن أدى لزيادة الأمور سوءا. فقد كان بن لادن معزولاً وضعيفاً لكن أوباما وأركان إدارته لم يقاوموا الرغبة بإظهار الغطرسة.
وقال إن «الأثر الذي تركه التخلص من زعيم «القاعدة» أدى لحس بأن الأمور أصبحت سهلة ويمكننا أخذ راحة». وهو ما أدى إلى سلسلة من الأخطاء مثل الفشل بالتعامل بطريقة جيدة مع ليبيا والنظر للربيع العربي بطريقة دونية والحديث عن جدول زمني للخروج من أفغانستان وكذا صعود تنظيم «الدولة» الذي كان في جوهره تشكلاً جديداً للقاعدة.
و»أصبح السلام في سوريا أبعد منه الآن من ذي قبل، ولديك سلسلة من حروب الوكالة السنية- الشيعية في كل أنحاء الشرق الأوسط. وكنا نعتقد أن القاعدة هي أسوأ ما حصلنا عليه والآن نعتقد أن تنظيم الدولة هو الأسوأ وهناك شيء آخر يمكن أن يكون أسوأ من تنظيم الدولة».
إبراهيم درويش