المكسيكيّ أوكتافيُو بَاثْ شاعر الحبّ والمتاهات والأحلام

حجم الخط
0

غرناطة – «القدس العربي»: يُعتبر الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث (الفائز بجائزة نوبل في الآداب عام 1990) من أكبر شعراء أمريكا اللّاتينية بدون منازع، إنّه مبدع كلمات، ناثر صمت، كاتب شفّاف، شاعر المتاهات، الحبّ، والحرب، والمرايا، والأحلام، عمِلَ باث على مدّ جسور متواصلة الحلقات بين السياسة والثقافة، ولم يترك الغلبةَ لأيٍّ منهماعلى الأخرى عليه، إنه يقول:
أن تُحبّ معناه أن تُحارب
إذا تحابّ اثنان
العالمُ يتغيّر
وتتجسّدُ الرّغبات
وينسجمُ الفكر
وتخفقُ الأجنحة
الخمرةُ هي الخمرة
والخبزُ يغدو له طعمَ الخبز
والحبّ يعني أن تُحارب
وأنْ تفتح جميع الأبواب

قصائد باث وأفكاره هي مزيج واتحاد بين ثقافتين يصعب التلاقي بينهما، ولكنّهما مع ذلك أعطيا ثمارهما، إنهما الثقافة الهندية الأصلية السّابقة للوجود الكولومبي، والثقافة الاسبانية المعاصرة الغربية، كلّ ذلك نجد صداه في مختلف أعماله الدراسية والإبداعية الشعرية على وجه الخصوص. شعره مبطّن بتيّارات وشطحات صوفية ومشرقية. أمّا وصفه وتحليله ومعالجته لهويّته كمواطن «مكسيكي» وأمريكي لاتيني فقد ضمّنها في كتابه «متاهات الوحدة» (1950)، كما أنّ شعره مفعم بأرقّ معاني الحبّ وتباريح الجوى والصّبابة، وهو ذو نزعة إنسانية وغنائية في أسلوب قشيب، رشيق العبارة ذي موسيقى متميّزة. إننا نجد في آخر قصائده الكبرى التي تحت عنوان «حديث الشجرة»(1987) تأمّلات عميقة حول الحياة والموت، وتطلي أشعاره ألوان سوريالية زاهية واضحة ومبهمة في آن، تقوم على وحدة بنيوية متراصّة ومتينة.

«الأبيض» والقصيدة الحسيّة

تاريخ الشّعر في أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، كما يقول الناقد المكسيكي إدواردو ميلان: «إنّما هو قصّة التناوش والتداخل في أشكال الحياة في هذه القارّة المتعدّدة الوجوه»، لقد جعل الشعراء من هذه القارة، خاصّة في العقود الأخيرة من اللغة شغلهم الشاغل، وأصبحت إشكالية اللغة عندهم تحتلّ مكانة أولوية ليس في تحليلاتهم ودراساتهم اللغوية والنقدية وحسب، بل في الشعر ذاته بشكل خاص، لقد عملوا على تفجير اللغة واستغلال إمكانياتها الهائلة، وطاقاتها المخزونة، إنّ الشّعراء في هذه المنطقة من العالم تناولوا اللغة الشعرية في ذاتها بشكل مبهر.
لقد كان لرامبو وبودلير وملارميه تأثير كبير على العديد من شعراء أمريكا اللاتينية، وفي طليعتهم أوكتافيو باث، وقد برز هذا التأثير في ظهور حركة شعرية أطلق عليها «القصيدة الحسيّة» التي ظهرت في الخمسينيات من القرن الفارط في ساو باولو في البرازيل، أسّسها ثلاثة شعراء هم: أوغوستو دي كاميو، وديسّيو ليبغناتاري، ورولدو دي كامبوس. وقد أحدثت هذه الحركة الشّعرية تأثيرات بليغة في مجموع الشّعر الأمريكي اللاتيني، كان من نتائجها ما أطلق عليه في ما بعد الشّعر أو النثر الملغومين، ووصف أحد شعرائه وهو رولدو دي كامبوس بالشّاعر الذي ليس له نظير بين شعراء أمريكا اللاتينية.
إنّ المغامرة الشعرية لهؤلاء خلقت اتجاها فكريّا جديدا في هذه القارة، ويعتبر النقاد المكسيكيون شعر أوكتافيو باث امتداداً لهذا التيّار المؤثّر، بحيث أنّهم لا يستغنون عن شعره لدراسة هذه الحركة، ولقد تجلّى هذا التأثيرعنده بشكل خاص في قصيدته المشهورة «الأبيض» التي يعتبرها الناقد المكسيكي إدوارد ميلان أعلى مراحل التنوير الشّعري الأمريكي اللّاتيني الحديث، ففي هذه القصيدة تظهر تجلّيات باث اللغوية، وطاقاته الإبداعية إذ تصبح القصيدة عنده انعكاسا للغة ذاتها، بحيث تفوّق فيها باث على الشعراء السّابقين المذكورين، وارتقى إلى مصافّ مالارميه في المزاوجة بين اللغة والقصيدة.

ترويضُ اللّغة

كتب باث قصيدة «الأبيض» عام 1966 في الهند، وفيها ينبش عن جذور حضارة عريقة وتراثها، فالشاعر في هذه القصيدة كمبدع، وكأنّ لسان حاله يقول: «أتحدّث فيبدع العالم، «ولكن الذي يبدع في الواقع هي القصيدة. إن ترويض اللغة يعني ضرباً من الانسحاب أو الابتعاد عن العالم. حينئذ يفسح المجال للمجاز ليقوم مقامها كجسر أو كنوع من التصالح والتقارب لفهم العالم وتفسيره. كان هايدغر ينبّهنا إلى الحقائق الواقعية أو الوقائع الحقيقية في الاقتراب من المجاز الذي يغدو فخّا لقنص العالم أو اصطياد «لحظة» منه. ويحدث هذا كما يشير الناقد الفرنسي «جيل دولوز» في لحظة إشراق ووضوح، يكون التناقض الظاهري حسب هايدغر هو أنّ «المقدّس» أو ما لا يمكن قوله هو ذلك الضوء الذي سبق الضوء الذي يريد الشّاعر أن يتعرّض له ويبرزه وهو يكمن بالضبط في الظلام، ولذا كان الشّاعر الذي يبحث عن الظلام في عزّ النهار أن يعمّق رؤيته في النهار، أيّ أنه يسعى إلى تحويل الضوء أكثر بريقاً، وإشعاعاً من تلقاء نفسه. إنّ ذلك الضوء الذي يسبق الظلام يعني نوعاً من التوتّر أو الهاوية، حيث نجد الرؤية أكثر خفوتاً، وأكثر شفافية، وفي هذه الشفافية والتوتّر، أو التناوش نجد قصيدة «الأبيض» .

تصالحُ الأضداد

لا يمكن النظر إلى المجاز كصورة من صور التقارب والتصالح بين الأضداد. الاستعارة، المجاز، الكناية تظهر في القصيدة أو تجتمع في العبارة التالية: نهر من الشموس، إنها تنصهر إلاّ أنّها لا تفضي إلى التواتر والمقابلات. كما أنّها لا تؤدّي إلى أيّ طباق أو مقابلة جِناس بين حقائق متغايرة، إنّ الاستعارة أو المجاز في قصيدة «الأبيض» هما انعطاف أو ميل أو إزورار للّغة، هما قفزة في الهواء للانفلات من صمت النهاية، ومن الصّمت الأصلي، فالأبيض جزء من الصّمت الأصلي، إنه فجر الإبداع، وكلما ازدادت القصيدة تصاعدا وتناوشا يزيد معها ضمير «باث» في الغليان، الصّمت الأصلي الذي يعبّر عنه باث بالأبيض يكمن في النهاية أو الغرض، وهو ضمير القول الشّعري، وإنّ استمراريته وتصاعده يتصادمان مع أمر مستحيل وهو تجسيد الكلمة والعالم معا. وانطلاقا من هذه البدهية فإنّ التبليغ الحقيقي لا وجود له سوى في اللّغة، وتأسيسها على هذا المنظور فإنّ العالم كمخلوق هو مجلوب، والقصيدة تغدو بمثابة مغناطيس له.
إنّ القصيدة في هذه الحالة تغدو تقييما للعالم كوحدة مجازية، وهي تخلق موازنة ظاهرية أو مصطنعة بين القصيدة والعالم، وهنا يحدث أنّ كلاّ من القصيدة والعالم في لحظة مّا يدخلان في حوار بينهما. ولم يتوفّر هذا المعنى لدى مالارميه الذي كان يعتبر العالم رمزاً للّغة. فلدى مالارميه نجد اللغة تبتلع أو تحتوي العالم، في حين أننا واجدون عند «باث» في «الأبيض» أنّ اللغة هي التي تخاطب هذا العالم. يعتبر باث العالم منذ البداية وحدة مجازية. إنّ العالم يصبح مجازا في لحظة بيضاء، لحظات صمت، وهنيهات سكون، ذلك أنّه في الحين، أيّ بمجرّد انطلاق دينامية اللغة تبدأ الحركة، ولهذا فإنّ القصيدة تبتدئ هكذا:
البَدْء
الأسَاس
البّذْرة
كامنةٌ مُضْمَرَة
والكلمةُ على طرف اللّسان

يبدأ العالم في «الأبيض» باللغة، إنّ وضع المجاز واللغة والعالم على قدم المساواة في هذا المعنى يجعل القصيدة لا تواجه العالم، بل إنها تحتويه كمخلوق جديد، حتى إن كان العالم سابقا للقصيدة، إنّ النصّ الشعري لدى باث هو تأسيس للصّورة، وتجسيد لها، أيّ إيجاد ما يوازيه ويقابله، وإيجاد طرف لا يعني إلغاء الآخر، بل يعني نوعا من التعايش، أو التعاطف، أو التلاطف، أو التقارب بينهما، وأخيراً الاتحاد.

جَمْرَةُ الكِتابة

إنّ العاصفة في قصائد «باث» تغدو جمرة متّقدة، أو قبساً ساطعاً لحظة الكتابة، وهنا يبدو لنا ضمير باث، ضميراً يعلم عن نفسه أكثر ممّا يعرف عن العالم الخارجي.
إنّ كلّ قصيدة في مواجهتها للعالم هي تجربة لغوية، إنّه يمكننا ضياع التاريخ، ولكن لا ينبغي فقدان العقل أو التمييز، ليس هناك فرق بين تقليد قديم وتقليد قائم، إنّ الصّورة التاريخية للإلياذة تعمل على تأسيس الماضي من جديد، إلاّ أنّ ذلك لا يمكن تحقيقه إلاّ انطلاقا من حاضر، إنّ قصائد باث مثل حالة العديد من القصائد المكتوبة باللغة الاسبانية اليوم، هي عودة إلى أشكال شعرية قديمة. هناك اتّجاه لعودة جنونية إلى عنصر الحكيّ في القصيدة للتواصل مع الماضي، أيّ تأكيد الهويّة ومدى التصاقها بالتراث. إنّ البحث عن وسائل تعبيرية جديدة، وأغراض مبتكرة ليس فقط في أمريكا اللاتينية، بل في العالم الناطق بالاسبانية على العموم أمام ماض زاخر بالعطاء من كلّ نوع، يجعل شعراء هذه الأيام يشعرون بمرارة في أفواههم، وهم يتخبّطون في سديم الظلام، وفي خضمّ هذا الظلام ينقشع خيط رفيع أو بصيص من نور خالص ونقيّ، هو «الأبيض» لأكتافيو باث.

من أبٍ هندي وأمٍّ أندلسيّة

كان جدّه ذا ملامح هندية ينحدر من السكّان الأصلييّن للعالم الجديد، وكانت أمّه اسبانية تنحدر من أصل أندلسي، بدأ يقرض الشّعر منذ سنّ السابعة، بفضل الجوّ الثقافي الذي عاش في كنفه، في عام 1934 تعرّف على الشاعر الاسباني رفائيل ألبرتي والتشيلي بابلو نيرودا اللذين وجّها له الدّعوة للمشاركة في أوّل مؤتمر مناهض للفاشية في اسبانيا 1927، حيث عايش في ما بعد أهوالَ وويلات، وظروف الحرب الأهلية الاسبانية التي سجّلها في قصيدته «لن يمرّوا» (1936)، وقبل ذلك التاريخ نشر كتابه «أصل الإنسان» و»تحت ظلّك الواضح».
يقول عن ذكرياته خلال لقاءاته المبكّرة مع بعض الشّعراء الكبار: «لقد تأثّرت كثيرا عندما شاهدت وتعرّفت على بابلو نيرودا الذي كنت معجبا به أشدّ الإعجاب». عاد باث إلى بلاده المكسيك 1938، وشارك بحماس في الحياة السياسية للبلاد، وأسهم بقسط وافر بمقالاته وشعره في جريدة «الشّعب» وسواها من المجلاّت الأخرى الأدبية بالخصوص.
من كتبه ودواوينه المعروفة: «متاهات الوحدة»، «الحاشية»، «الماضي في وضوح»، «حديث الشجرة»، «سحر الضحك»، «الشعر يتحرّك»، «بين الحجرة والزّهرة»، «على ساحل العالم»، «صقر أم شمس»، «حجرالشمس»، «الماء والرّيح»، «سالاماندرا»، «الرّيح الخالدة»، «الأبيض»، «أبناء الهواء» وغيرها من الأعمال الإبداعية الأخرى معظمها شعر، بالإضافة إلى أعمال أخرى عديدة في مجالات الدّراسات والنقد، والاجتماعيات، والفنون وهي كتابات تتّسم في مجملها بالعمق والرّمزية والتحليل البليغ، ومن الكتب التي وضعها باث قبل رحيله كتاب «أخبار قصيرة حول أيام كبيرة» ويحلل فيه فشل الأيديولوجيات الاشتراكية في أوروبا الوسطى والشرقية.
يقول عن السّريالية في خطاب إلى الناقد والمترجم الفرنسي كلود كوفون: «إنّ تأثير السّريالية عليّ كان حاسما كمذهب وليس كموقف، لقد وجدت في السّريالية فكرة التمرّد والانعتاق، وفكرة الحبّ والحرية وعلاقتهما بالإنسان، إنّ طبيعتها الغامرة والروحية الجماعية ومحاولاتها المتوالية لتجسيد الزّمن وقرض الشعروجعل موضوعها الإنسان قد أخذت بمجامعي»، إنه يقول: أبحث ولا أجد شيئاً- أكتب وحيداً- ليس معي أحد- يجنّ الليل ـ يمضي الحَوْل ـ وأهوى مع اللحظة ـ أسقط إلى القعر- دون أن يراني أحد ـ أدوس المرايا التي تعكس صورتي المهشّمة ـ أطأ الأيام ـ أطأ اللحظات ـ أطأ أفكارَ ظلّي ـ أطأ ظلّي ـ بحثاً عن هنيهة.
ويقول في غنائيته المكسيكية الشهيرة : إنّ شعبي عندما يحتسي القهوةَ ـ يحدّثني عن «خواريث» و»بورفيريو» ـ وتحت اللّحاف تفوح رائحة البارود ـ وَالِديِ عندما يحتسي كوبَ نبيذٍ ـ يحدّثني عن « إميليانو سَاباَتَا» و»بانشو فييّا « ـ وتحت اللّحاف تفوح رائحة البارود ـ تُرى عمّن كان بإمكاني الحديث أنا…؟!
ولد أوكتافيو باث في المكسيك في 31 مارس/آذار 1914، وتُوفي بها في 19 أبريل/نيسان 1998.

محمّد محمّد خطّابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية