شيء من اللغة النسبة إلى الشيء نفسه

حجم الخط
1

كثيرا ما نقرأ مثل هذه العبارات:
* الموضوع الرئيسي لهذا اليوم هو… الخ.
* المسألة الرئيسية هنا أنّه… الخ.
* لقد كان إنشاء خطوط السكة الحديدية مرحلة متقدمة.
* هذا موعدكم مع الأخبار الصحافية.
* وبالنسبة للفاعل فإنه مرفوع بعلامة الرفع.
في هذه الجمل وأمثالها مشكلات عديدة. أبرزها مشكلة إلحاق ياء النسبة بلفظ لا يحتاج إليها.
ففي المثال الأول ثمة موضوع يراد ذكره أو مناقشته، وهو أول الموضوعات لأهميته أو رغبة لإلفات نظر السامعين أو القارئين إليه. فهو، إذن، رأس الموضوعات (سواء في نشرة أخبار، أم محاضرة ما) أي إنه (رئيسها). فهو موضوع (رئيس) أما إذا أضفت الياء، فكأنك نسبت الشيء إلى نفسه، وهذا لا يجوز عقلا ولا لغة. وهذه لا تشبه قولك: (عدنانيّ) و(قحطانيّ) مثلا لأنك، هنا، نسبت شيئا إلى شيء آخر. نسبت شخصا إلى شخص آخر. أو أن تنسبه إلى بلد ما.
أما (الموضوع) في الجملة فهو رئيس، أي مهم ومثير، ومتقدم على غيره، فلماذا يحتاج إلى ياء نسبة؟ وينطبق هذا على المؤنث، كما في المثال الثاني، فالمسألة رئيسة، لأنها أكثر أهمية من غيرها، فتقدمتها وكأنها صارت (رئيسة لها). ومثل ذلك الوهم تراه في الشائع من الكلام كثيرا مثل (السكك الحديدية) حيث نسب الحديد إلى نفسه، والصواب أن يقال: السكك الحديد. لأنها هي الحديد.
أما «الأخبار الصحافية» فمشكلتها تتجاوز ما قلناه. كيف؟
كلمة (الصحافية) منسوبة إلى (الصحافة) والصحافة مهنة، لا كتابة على ورق فحسب. فكيف تنسب إليها بهذه الصيغة؟ يمكنك أن تقول، بكل سهولة: الأخبار الصحافية، والمقالات الصحافية. وحتى نسبة المشتغل بالصحافة أراها نسبة إلى (صحيفة) لا إلى المهنة نفسها، لذا أقول (صحافي). وقد يبدو لك أن (الصحافية) أو (صحافي) نسبة إلى الجمع (صحف)، وهذا غير صحيح، لأنها على غرار (مدني) في النسبة إلى (مدينة).
وإليك أمثلة مجاورة: أنت لا تنسب النجار (نِجَاري) بل هو (نجّار) يشتغل بمهنة النجارة. ومثل هذا الحداد والخباز والتاجر، وسائر المهن. ولا تنسب الذي يقوم بالتعليم (تعليمي) بل معلّم. فالتعليم مهنته. ولا ينسب إليها هكذا. أما قولك (كتب تعليمية) فيصح لأن التعليم ليس مهنة الكتب، بل مضمونها. كما لا تصح النسبة إلى مهنة الصيد فتقول (صَيديّ) بل صيّاد. أما الجملة الأخيرة (وبالنسبة للفاعل فإنه مرفوع بعلامة الرفع) فمترهلة وغير صحيحة. إذ يكفي أن نقول: الفاعل مرفوع. ومن البديهي أن يكون مرفوعا بعلامة الرفع لا بعلامة النصب أو الجر. فبقية الجملة تزيّد لا مبرر له، إلا في حالات تدريس النحو في مدارسنا المشغولة بحرفيات الإعراب. ومن جهة أخرى فإن استعمال (بالنسبة) في هذه الجملة وأمثالها لا مسوّغ له.
وقد تسأل عن سبب رفض هذا الاستعمال. فتعال إلى المعنى الأصل لجذر اللفظ وشيء من انتقالاته: (نسب) دالّ على اتصال شيء بشيء. ومنه النّسَب. والنسيب، أصله الطريق المستقيم. وهو، أيضا: التشبيب بالمرأة خاصة، فكأنه اتصال وتواصل. وقولهم (فلان يمتّ لك بنسب) أي كلاكما من أصل واحد. ومنه (النسبة) أي إنك تنسب شيئا إلى شيء آخر، أو إنسانا إلى بلد معين، أو قبيلة معينة. فأين تلاؤم هذا مع الجملة المذكورة؟ لأن قولك (بالنسبة للفاعل) تعني أنك ستنسب شيئا للفاعل، كأن تقول (فلان فاعليّ) وبغض النظر عن صحة هذه الجملة (فلان فاعليّ) أو عدم صحتها، فإن قولك (بالنسبة للفاعل) لا علاقة لها بما تريد قوله من ضرورة رفع الفاعل، لأن الرفع ليس منسوبا للفاعل بل هو من أصل بنائه. وقد تعترض فتقول: إن هناك جهات أجازت هذه الاستعمالات، فأقول: إننا نتحدث عن فصاحة الأساليب اللغوية، وهي سلسة سهلة.
ثم إننا لا نعنَى بالكامخ والمكموخ وما بينهما.

باحث عراقي – لندن

هادي حسن حمودي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية