المقاطعة التي تحوّلت مركزا عالميا للتسوّق والسياحة… واللجوء: بافاريا بين رهبان الصناعات الثقيلة والملوك غريبي الأطوار

حجم الخط
1

تستطيع، بعد أقلّ من ساعة في مطار ميونيخ الدولي، أن تلمس أهم المزايا الألمانية: العقل المتمكن من حلّ الإشكالات الواقعية.

هناك حيّز مريح للزخرف والجمال، فهاتان أيضاً وظيفتان خادمتان للعقل. هناك أيضاً السلاسة والذكاء المتخفّي في تفاصيل سحر تكنولوجي يشبه حكاياتنا القديمة حول خاتم سليمان ومارد القمقم. تضغط على شاشة فتظهر موظفة جميلة موجودة في مكان ما من المطار. تراك وتراها، افتراضياً، فتسألها ما تريد وتجيبك لكن «اللمس ممتنع» للأسف لكن هذا لا ينطبق على مطعم داخل المطار يأتيك فيه طعام حقيقي ذو مذاق وليس تشبيها بلاستيكياً له كما في أغلب مطارات العالم. هناك مكتبات صغيرة مفتوحة للتبرع بالكتب التي أنجزتها أو التي تريد قراءتها أو «استعارتها» لو كنت مصاباً بداء سرقة الكتب وهو مرض مستوطن في سوريا لكنني تخلصت منه بمعجزة الإصابة بترف الكتب الذي يصيب بعض الإعلاميين. أمكنة للاستراحة والتمدد والنوم والتحمم وشراء ما تحتاجه من دون أن تسأل أحداً، أي باختصار، مكان للروح والقلب كما للتجارة والسياحة… و»البزنس»، وهنا، في ميونيخ، تجد أشكالاً غير محدودة منه.
كنا فخذاً صغيراً من عشيرة صحافيين عربا متنطعين لقراءة ألمانيا من خلال عاصمة أغنى مقاطعاتها.
مضيفتنا الألمانية كورينا ابتسمت من سؤالي عن كيف يعبّر مطار ميونيخ عن روح ألمانيا فقالت: كل شيء يعمل بطريقة ممتازة.
أخذتنا الحافلة الكبيرة رفقة جان بيير ولوسي وسلام، رفاق الرحلة، إلى فندق «سوفيتيل ميونيخ» في قلب المدينة. في حاضرة ألمانية ثرية نطلّ على استثمار فرنسي في الضيافة والاستقبال لنرى زواج الصلادة الألمانية (الأشبه بالذكورة) بالجاذبية المغرية الفرنسية (المؤنثة في أحلامنا والمذكرة في تفاصيل العنصرية)، وهي إحدى الأساطير أو «البراند» التي تميز فرنسا، كما تميّز المصداقية الصناعية ألمانيا.
مبنى الفندق سبق له في جيل سابق أن كان مركزا للبريد الملكي وكان ملوك بافاريا يرسلون رسائلهم منه إلى العالم، إلى أن تعرّض للقصف المدمر خلال الحرب العالمية الثانية: الحدث الرهيب الذي سيستمر بتذكيرنا بوجوده رغم كل شيء. في الفندق اشتغال على الطقوس والتاريخ، فهناك شغل على إضاءة الشموع احتفالا بالليل.

كاريكاتور طبقات المشاهير

أعجبتني اللوحات المعلقة في الفندق واكتشفت أنها معرض يقام بالاتفاق بين المؤسسة وفنان مميز أو فنانة من حين لآخر. كان معرض ذاك الشهر يسخر من كل شخصيات العالم وفي القلب من ذلك أنغيلا ميركل وباراك أوباما والملكة إليزابيث. لبريطانيا إذن حصتها الكبيرة التي تضع أشهر شخصياتها بأحجام تتناسب مع وزنها الشعبي، كما يعتقد الفنان، ولذلك تحضر الملكة طبعا كما يحضر لاعبو كرة القدم والمغنون والممثلون، وبعضهم أكبر منها حجماً، في «طبقات المشاهير» الكاريكاتورية الخاصة بالرسام.
احتفل مدراء الفندق بنا لكن إحداهنّ كانت الأسهل في تمكيننا من محبتها. فتاة ذات حجم وقلب كبيرين، ورغم شبابها فقد جمعت تجربة إنسانية معقولة خلال عملها في أنحاء العالم وبينها سنوات في موزمبيق. سهرنا معها وزملائها فحكت لنا عن زوج أختها الذي صنع فيلماً نال شهرة كبيرة في عرضه الألماني وعنوانه صعب الترجمة ففيه كلمة بذيئة مضاف إليها اسم الشاعر الألماني الشهير غوته!
تجوّلنا في الأجنحة المميزة في الفندق فلاحظنا الاهتمام بالطبيعة وبالمواضيع الخاصة التي تميّز كل جناح، ومن ذلك حضور شخصيات أدبية – تاريخية، مثل شهرزاد، التي يحبها الأوروبيون، كما لاحظنا بعض الثيمات الاستشراقية في أكثر من مكان، كما لاحظنا بعض التأثرات الجميلة بالهندسة والديكور والألوان الشرقية، كما في غرفة نوم الملكة في قصر لودفيغ الأول.
على بعد خطوات من الفندق انتبهنا إلى قربنا الشديد من محطة قطارات رئيسية وانتبهنا إلى بعض الكتابات بالعربية الموجهة للاجئين الذين يصلون لميونيخ لقربها من النمسا، وربما بناء على سمعتها كعاصمة لمقاطعة غنية. لم أر الكثير من اللاجئين. سألت فقيل إنهم في إقامات خاصة أو معسكرات. غير أن علّة وجودهم وظروفهم ومشاكلهم لن تغيب عن الحضور عنّا، بحيث تبهظني الفكرة الافتراضية لكوني سائحاً في الوقت الذي يحاول فيه لاجئون، بينهم أخي وابنيه المراهقين، حفر مكان لهم في ألمانيا.

كنز تاريخيّ مخبأ في مطعم

انطلقنا إلى ساحة «مارين بلاتس» Marienplatz التي تعتبر مركز المدينة، أو أحد أهم مراكزها، حيث قصدنا أكبر مطاعمها ذا الاسم الذي كان وقعه طريفا عليّ أنا المحاط باللغة الإنكليزية Ratskeller والذي يعني بالألمانية قبو البلدية (وليس قاتل الجرذان)، حيث يستقبلنا بيتر فيزار، صاحب المكان الطويل البشوش الذي يدير هذا «المصنع» الهائل للطعام الذي يتسع لأكثر من ألف ومئتي زبون، والذي تتوارث عائلته مكانا فريداً تتميّز كل قاعة من قاعاته وكل طاولة من طاولاته بديكور خاص بها ولوحات وقطع وأعمال فنية مضمخة بعراقة التاريخ. المفاجأة كانت حين علمنا أن أحد الأجنحة في المطعم تمّ اكتشافه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بسنوات حين قدّر مهندسو البلدية وجود مكان غير مستثمر ليتكشف عن مخبأ كبير أخفى فيه ألمانيون لا يعرفهم أحد ما كانوا يخافون من وقوعه في يد الجنود الروس الذين كانوا متجهين للسيطرة على المدينة.
أخذنا صاحب المطعم لنجول أركانه حتى وصلنا إلى آخر مجاهله: آلات تنظيف الأطباق ليجمعنا بأشخاص من بلادنا: أكراد بسيطون من العراق، هم في نهاية السلسلة الغذائية لمطعم «راتزكيلر».
بلديّة المدينة خصّصت لنا دليلا سياحياً فذّا، ممتلئاً بالثقافة والعمق، والمفاجأة أنه كان فرنسياً وليس ألمانياً، لكنه كان ذرب اللسان وطليقا باللغات الثلاث.
إيف Yves ذو الكنية والاسم المشبعين بالفرنسية كان أوسع بكثير من جنسيته، بل إنه لم يقصّر في التعبير عن انتقاده لمساوئ الفرنسيين التي هرب منها وانتهى به المقام للاستقرار في ألمانيا (التي هي، مع ذلك، منبع الفرنسيين «الفرانك»، والإنكليز «الأنغلو ساكسون»!)، فهم، أي الفرنسيون، برأيه لا يريدون التغيير ولا مواجهة مشاكلهم المستعصية وإنما يريدون الحفاظ على مصالحهم التي اكتسبوها فحسب.
مع إيف سنكتشف قوة الدولة البافارية وطقوسها وأرشيفها الملكي الذي يستلزم مراقبة وكتابة كل ما يفعله الملك، بما في ذلك نشاطاته «الحميمة»، فقد كان هناك شخص «مراقب» وظيفته أن يكتب ما فعل الملك مع الملكة بالضبط وكيف فعل ذلك ومدّة الفعل!
سنكتشف أيضاً علاقة ميونيخ بالرهبان، فهي اشتغال على كلمة monks والتي هي اسم بلدة إيطالية أيضا تحمل المعنى نفسه ولكن بتهجئة مختلفة، وسيشرح الدليل تفاصيل لا يمكن الحصول عليها في الكتب، كما في أن أحد أعضاء العائلة الحاكمة القديمة بيترزبارغ في بافاريا ما يزال يسكن إحدى الشقق، وأن العائلة أيضاً ما تزال تمتلك أحد قصرين خلابين لأشهر ملوك بافاريا لودفيغ وابنه المثليّ الجنس لودفيغ الثاني الذي كان يستيقظ ليلاً وينام نهاراً والذي صرف في سبيل أحلامه الطفولية ما لم تستطع الدولة أن تتحمله فكان أن غرق هو وطبيبه في ليلة ظلماء.
قصة لودفيغ الثاني أمثولة غريبة من نوعها فهذا الحاكم الذي كان صريع أوهامه الليلية يحقّق الآن بعد أن كسر ميزانية دولته على تأسيس مملكة خيالية وحدائق فوق القصر مليئة بالحيوانات والأفاعي والعناكب بحيث يصعب على خصومه الوصول إليه، وصار قصره الآن أحد أهم مراكز السياحة البافارية الآن وجعلها قبلة الناس من كل أنحاء العالم. الفشل التاريخي بهذا المعنى هو نجاح مذهل. البلاهة كلّفت الملك الشاب حياته ولكنها ساهمت، عن غير قصد، في نهضة بلده المستمرة حتى اليوم. القصر دمّر بشكل كامل خلال الحرب العالمية الثانية ولكن أعيد بناؤه.
تجوّلنا بعد أمسية المطعم في المدينة وشهدنا من احتفال الشباب بالحياة ما لم ألحظ ما يقارب شدة عنفوانه في مدن أوروبية أخرى، وقال لنا إيف إن الأسبوع السابق شهد العثور على خمسة آلاف غرض متروك للشبان والشابات، بينها آلاف السراويل الداخلية وبعض خواتم الزواج!
وبحسب إيف فإن من تبعات أزمة اللاجئين السيئة على بافاريا أن آلاف الإيطاليين لم يتمكنوا من القدوم إلى ميونيخ في «مهرجان أكتوبر» بسبب اللاجئين، وهكذا فقد خسرت الألمانيات حرارة الإيطاليين ووسامتهم لتلك السنة، والأسوأ من ذلك أن رأس السنة شهد حفلة التحرّشات الشهيرة والتي بالغ فيها العنصريون أيما مبالغة واستغلّتها وسائل الإعلام الروسية فخلقت منها ما يشبه أسطورة «جهاد النكاح» التي ألفتها وسائل إعلام النظام السوري، مما اضطر ألمانيا للكشف أن زعم ألمانية من أصل روسي أنها اغتصبت كان كذبا محضاً.
غير أن المبالغات في الادعاء لا تعني إنكار الحادثة ولا قراءة مدلولاتها المعقدة، فلا شيء يعادل خطورة موضوع التحرش الجنسي بالنساء أو اغتصاب المرأة في العقل الجمعي للأمم، ولطالما ارتبطت حروب كثيرة، وشنّت معارك، وارتكبت مجازر بدأت كاعتداء جنسيّ، ولطالما استخدم الإذلال الجنسيّ كتصعيد للاحتلال أو القمع بحيث تتراكب الغرائز العميقة للبشر مع أيديولوجيات وشعارات سياسية.
كان لا بد من زيارة قرية الأولمبياد الشهيرة أيضاً والتي ما تزال، على عكس القرى الأولمبية الشبيهة في العالم، مزاراً مهماً ومتنفسا للرياضات ولغيرها. صعدنا إلى برجها الطويل وألقينا نظرات بانورامية على ميونيخ ثم هبطنا إلى قلب صناعة السيارات العظمى في المحافظة: شركة BMW للسيارات وزرنا مبانيها المفتوحة لآلاف الزائرين يومياً. عرفنا أن عدد موظفيها هو 3600 موظف وأنها تنتج 1000 سيارة يوميا وتستقبل مليونين ونصف المليون زائر في العام. الشركة ملك عائلة واحدة هي كرنتس التي اشترت الشركة عام 1959، وهي تربح حالياً 5 مليارات يورو سنوياً، وأكثر أقسامها ربحا هي سيارة بورش.
كان أمراً مستغرباً أن تتضمن الجولة زيارة محل للمجوهرات يدعى Hilscher لكننا بعد لقائنا مديره الألماني الذي قال إنه اعتنق الإسلام، وتسمّى عبد الكريم، وعرفنا أن مديره للشرق الأوسط فلسطيني، وأن زبائنه عرب ثار فضولي لأعرف المزيد، ومن تجربته فهمت أن زبائنه العرب يثقون بالمحلّ الألماني أكثر من ثقتهم بمحلات في بلدانهم، والسبب ذلك حوادث الغش، فقد سمع عن حالات بيع ساعات فخمة مثل رولكس ولكنّها مزينة بماس بطريقة غير احترافية، أو أن تكون القطعة بأكملها مزورة. فبعض الزبائن العرب، مع ذلك، يقول عبد الكريم، «يحبّون المفاصلة في السعر، وهم أحيانا متقلبون ومزاجيون». عبد الكريم أبهرنا بساعة من خمسمئة ألف قطعة ثمنها مئتي ألف يورو، واعتبرها نوعا من الاستثمار المريح لمن يشتريها.
تابعنا هذه الفخامة الملوكية باستضافة في أشهر فنادق ميونيخ، بيرشيرهوف، الذي ورثته السيدة العزباء إنغريت فولكرت عن أبيها، وورثه أبوها عن أبيه الخ… وقد فهمنا أن تاريخ بنائه غير معروف ولكنه في القرن السادس عشر. كان النزل فخماً منذ بنائه إلى حد أن أحد الملوك كان يزوره ليحظى بحمام ساخن. وهو أقدم نزل المدينة ومكان آلاف الفعاليات السنوية وبينها مؤتمر الأمن العالمي الذي يحضره زعماء العالم، والفندق أيضاً كان مكانا لتصوير الكثير من الأفلام وقد مرّت عليه أغلب الشخصيات الشهيرة في العالم، ولكنّ من ترك علامة مميزة هو مايكل جاكسون الذي خلّده محبّوه بنصب تذكاري مقابل الفندق، وهناك أيضا باراك أوباما الذي شاهدنا الشقتين اللتين نزل فيهما، والفنان الصيني الأشهر حالياً آي وايواي والذي التقى زوجته وطفله فيه.
ما كان ممكناً ربط حاضر ميونيخ من دون زيارة قصور ملوك بافاريا ومسرحهم الذي كان أول مسرح كهربائي في أوروبا والعالم (1818). المسرح، مثل الكثير من المعالم المهمة، تم تفكيكه خلال الحرب العالمية الثانية وأعيد تركيبه لاحقا، ودرجاته تعكس النظام الطبقي لتلك الحقبة فهناك مدارج للأغنياء وأخرى للنبلاء الكبار والصغار والضباط وكان ممكنا لبعض الناس «العاديين» أن يدعوا ولكن مكانهم سيكون ساحة المسرح. يحتوي القصر الملكي 140 غرفة وبني عام 1841 فافتتحه لودفيغ الأول وكان الذوق السائد تلك الأيام هو الفرنسي ومثاله قصر فرساي.
أحاول، أخيرا، اختصار ميونيخ بكلمات على طريقة «غوغل» فأتذكر ملكها المثليّ الحالم لودفيغ الثاني الذي أنهك ميزانية بلاده فمات «انتحاراً» مع طبيبه ولكنه خلّف أسطورة ما تزال تدرّ المال، وأتذكر قرية الأولمبياد التي شهدت عملية لمنظمة أيلول الأسود الفلسطينية وما استتبعها من انتقام الموساد من أعضائها، وأتذكر عملاق الصناعة بي أم دبليو، وتمثال «القديس» مايكل جاكسون قرب فندق بيرشيرهوف العريق… وأتذكر اللاجئين السوريين.

كاتب من أسرة «القدس العربي»

 

حسام الدين محمد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية