لاخذ فكرة عن المزاج ومحادثات الرواق المتوقعة هذا الصباح في المؤسسة السياسية ـ الامنية في اسرائيل، في أعقاب الخطاب الثوري للرئيس اوباما عن الحرب ضد الارهاب في نهاية الاسبوع، يجدر الانصات الى ردود فعل كبار رجالات الجمهوريين في امريكا، ‘انتصار للارهابيين’ قال السناتور سكسبي شمبليس من جورجيا؛ ‘انهزام عديم المنطق’، قال رويس، رئيس اللجنة الخارجية في مجلس النواب؛ ‘عدم واقعية مقلق’، قال السناتور المقدر جون ماكين. كبار رجالات المحافظين لا تقلقهم القيود الجديدة التي فرضها اوباما على الاحباطات المركزة، من خلال الطائرات بدون طيار، ولا من استئناف محاولات الرئيس اغلاق قاعدة سجناء الارهاب في غوانتانامو. فالشيطان، في هذه الحالة، لا يوجد في التفاصيل، بل في الرؤية العامة: ما يثير الصقور والمحافظين الجدد في أمريكا، التي تتطابق اراؤهم مع المواقف السائدة في اسرائيل، هو الاعلان احادي الجانب لاوباما عن الهزيمة القريبة لتنظيم القاعدة، وعن الانهاء القريب للحرب ضد الارهاب، كما اديرت في دزينة السنوات الاخيرة، وعن التغيير الاستراتيجي الذي تنطوي عليه سياسة الخارجية والامن الامريكية. ‘هذه رؤية طموحة’، كتب أمس في ‘نيويورك تايمز’، ‘تتخلى عن سياسة خارجية ذات قوة تسيطر عليها الاستخبارات والجيش في صالح دبلوماسية نشيطة، مساعدة خارجية ورد فعل اكثر توازنا على الارهاب’. ولدولة مثل اسرائيل، سياستها تمليها منذ عشرات السنين اعتبارات استخبارية وعسكرية تعبير ‘الدبلوماسية النشيطة’ فيها يثير لديها اساسا السخرية، فان الحديث يدور عن تعديل مقلق، ولعله يعبر عن نهاية مرحلة. فمنذ اعلن الرئيس بوش، بعد بضعة ايام من العمليات في البرجين التوأمين في نيويورك بان ‘حربنا ضد الارهاب تبدأ بالقاعدة، ولكنها لن تنتهي الا بالعثور على كل منظمات الارهاب ذات البعد العالمي، وهزمها’. تقاتل اسرائيل والولايات المتحدة معا، في ذات المواقع، ضد ذات العدو. وفي هذا الاطار لم يعرف التعاون الامني والاستخباري بين الدولتين فقط ذرى جديدة، بل اصبحت ‘القيم المشتركة’، في حالات عديدة، متماثلة تماما. والان يعلن اوباما انه خلافا للرأي السائد في اسرائيل، لا ترى أمريكا نفسها تعيش في حرب خالدة مع شبكة ارهاب جهادية دولية موحدة، وان بوسطن لا ترتبط بلندن التي لا ترتبط بطهران، بغداد، كابل او غزة، وحتى لو لم يكن متوقعا قريبا تغيير عملي في مستوى العلاقات بين الجيشين، او بين الدولتين، فمن ناحية رمزية يشكل خطاب اوباما بداية تراجع وتفكيك الاستحكام والفصل الايديولوجي في سياق الطريق. بهذا الفهم فان استعداده لادراج النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني بين العوامل التي تغذي التطرف والضغينة في أرجاء العالم الاسلامي، يدل ليس فقط على تأييد اوباما لمساعي وزير الخارجية كيري لاستئناف المسيرة السياسية، بل وايضا قراره العودة الى اساس الفكر الذي ارشده في بداية ولايته الاولى. ومثلما اراد أن يعيد لنفسه صورة السياسي المعتدل، الذي يتردد في اخلاقيات الوسائل القتالية التي يتخذها، حتى ضد عدو هو الاكثر وحشية، هكذ يحتمل أن يكون اوباما يسعى مرة اخرى لان يضع حل النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني في مكان الشرف الذي خصصه له قبل أربع سنوات، بعد خطابه في القاهرة وقبل أن يريه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والواقع السياسي في أمريكا قيود القوة لدى رئيس يسعى الى أن ينتخب من جديد. بهذا الفهم، فان تراشق الكلام بين اوباما ومدا بنجامين، الذي ازعجه مع نهاية خطابه، كان مشوقا. فبنجامين هي من قادة المنظمة اليسارية المتطرفة ‘كود بينك’ التي كانت مسؤولة ضمن امور اخرى ايضا عن تشويش خطاب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الجمعية العمومية للمنظمات اليهودية، في نيو اورليانز في 2010. ومع أن مقاطعاتها أزعجته الا ان اوباما بدا كمن يتفهم بنجامين واحتياجاتها الصاخبة ضد عدم اغلاق المعسكر في غوانتانامو، بل انه حث مستمعيه الى منح الاحتجاجات تفكيرا وانتباها. ولا بد أن منتقدي اوباما سيتساءلون، في ما اذا كانت مواقف اخرى لتنظيم كود بينك ـ بما في ذلك تأييده للمقاطعة على اسرائيل ـ تحظى لديه بذات الاذن الصاغية، على الاقل في المداولات الجارية بينه وبين نفسه. ذات المنتقدين مقتنعون بان تصريح اوباما عن الانتصار القريب على القاعدة ‘والمنظمات المتفرعة عنها’ هو الموازي للاعلان سيئ الصيت لسلفه بوش عن ‘تحقيق المهمة’ في العراق في ايار/مايو 2003، والاف القتلى قبل سنوات طويلة، من انتهاء المعركة عمليا. لا ريب أن الخطاب وفر لفلول منظمة اسامة بن لادن دافعا اضافيا، اذا كانوا يحتاجون، للاثبات كم هو مخطئ الرئيس الامريكي. في الفترة القريبة القادمة سيحاول محللو الاحداث عندنا التقدير ما اذا سيكون لخطاب الرئيس اوباما تأثير عملي على سياسة الولايات المتحدة تجاه ايران، سورية، حماس، حزب ا لله وكل باقي اعداء اسرائيل الذين بقوا، مع الخطاب أو بدونه، اعداء امريكا ايضا. مهما يكن من أمر، فان الخطاب يشكل علامة على الطريق في ولاية اوباما، ان لم يكن في تاريخ الامة التي يقف على رأسها، أمريكا تعبت من الحرب الطويلة ضد الارهاب الاسلامي وهي تسعى الى التوجه نحو اعادة بناء نفسها اقتصاديا، اجتماعيا واخلاقيا. اسرائيل ضمن امور اخرى يتعين عليها أن تتنحى جانبا.