مدينة بدون ملجأ

حجم الخط
2

قلب جهنم الذي وصفه دانتيه الغييري في «الكوميديا الالهية» يشبه وضع سوريا اليوم، لا سيما في حلب. ولجهنم هذه هناك 9 شبيهات في العراق واليمن وليبيا. لا توجد محكمة عدل عليا أو «بتسيلم». تقوم الطائرات الحربية الروسية بتقديم المساعدة الجوية لقوات بشار الاسد وحزب الله. يلقون على السكان القذائف المحظورة دوليا، يهدمون المنازل على رؤوس ساكنيها ويدفعون اللاجئين للهرب إلى ما وراء الحدود التركية. في المقابل، تقصف الطائرات الأمريكية وطائرات التحالف اهداف داعش خدمة لحكومة العراق الشيعية. وحسب رئيس الاستخبارات العسكرية الأمريكية، الجنرال فنسنت ستيوارت، فان المواجهة يتوقع أن تستمر، حيث أن الأمريكيين لا يستطيعون تحرير الموصل من داعش قريبا.
في اعقاب فشل جولة المباحثات في جنيف مع ممثلي المتمردين السوريين، هدد وزير الخارجية الروسي، سرجيه لافروف، انه إذا لم ينجح خيار الاتفاق السياسي فسيستمر النظام السوري، بمساعدة جوية روسية، في الحسم العسكري حتى الانتصار. والهجوم الذي ينفذه النظام السوري بمساعدة روسيا يحقق نجاحا واضحا في الوقت الذي تنسحب فيه المعارضة المنقسمة شيئا فشيئا باتجاه الشرق.
إن فظاعة المذبحة والجوع في حلب لا يمكن تصورها. فقط في الايام الاخيرة تدفق 31 ألف لاجيء من منطقة حلب باتجاه الحدود التركية، وما زال مئات الآلاف يعانون من الجوع ويرتعدون من البرد ويختبئون في المدن المدمرة إلى جانب اقاربهم وهم رجال مليشيات المعارضة.
ينجح هؤلاء المقاتلون بين الفينة والاخرى بتوجيه ضربات مؤلمة، لكنها لا تعني شيئا استراتيجيا لأنها تستهدف المواقع الرمزية للنظام.

نظرية المؤامرة

تشكل حلب نقطة تحول في المعارك ليس فقط بسبب سيطرتها على مفترق طرق مهم في شمال الدولة، بل ايضا قربها من الحدود مع تركيا وموقعها الاستراتيجي الذي ينبع من سيطرتها على شمال الدولة. يبدو أن الهجوم المضاد لروسيا وبالتعاون مع نظام الاسد وحزب الله قد كسر المعارضة القومية، وهزيمة هذه التنظيمات ستشكل نقطة تحول في قدرة هذه التنظيمات على الصمود في المستقبل.
في الوقت الحالي تقوم تركيا باستيعاب مئات آلاف اللاجئين الذين يتدفقون من حلب، وتساعد في الاونة الاخيرة مخيمات اللاجئين التي تراكمت في المعابر الحدودية، داخلها وداخل المناطق السورية. صحيح أن تركيا حصلت على مليار دولار «كرشوة» كي لا تقوم باخلاء اللاجئين وارسالهم إلى اوروبا، لكن يبدو أنها تلتزم بما تعهدت به بشكل محدود جدا. وبسبب كونها عضوة في الناتو فقد توجهت تركيا مؤخرا بتهديد لدول الناتو والولايات المتحدة وطلبت المساعدة. فحسب زعمها فان عدد اللاجئين الذين ترعاهم وتقدم لهم الطعام والمساعدة الانسانية قد تجاوز قدرتها على التحمل.
الدول العربية السنية مثل المرجل. تركيا، السعودية، البحرين، اتحاد الامارات وقطر، التي دعمت منظمات المعارضة الإسلامية السنية ضد النظام، تهدد بانشاء جيش لمساعدة اخوانهم في سوريا. لكن في الوقت الحالي ينظرون إلى المجزرة التي تقوم بها القوات الشيعية التابعة لنظام الاسد ضد المنظمات السنية في العراق وسوريا. السعودية من جهتها تحارب الحوثيين في اليمن قريبا من ساحتها.
العرب ينظرون بخيبة أمل إلى حلفائهم الأمريكيين. بعد أن تبنى الأمريكيون ودربوا القوات السورية المعارضة في الاردن وفي تركيا، لا يمنعون المجزرة الدموية التي ينفذها الروس من الجو ضد هذه القوات وعائلاتهم. بعد أن طلبوا في البداية طرد الاسد، يبدو الأمريكيون الآن مثل الخونة وهم يقفون إلى جانب روسيا وإيران وحزب الله ويتركون الشعب السوري والمعارضة القومية والدول العربية السنية.
الضعف الأمريكي يفسر في وسائل الإعلام العربية على أنه نابع من الخوف من الدخول في مواجهة مع روسيا وبوجود مصلحة مشتركة للقضاء على داعش ودمج روسيا في حوارات السلام حول مستقبل سوريا. النظرية السائدة هي أن الأمريكيين (الذين يملكون مخازن لانتاج النفط) يطمحون إلى تحطيم دول النفط العربية في الخليج العربي فقط من اجل زيادة انتاج وتصدير نفط الولايات المتحدة.
المقاتلون الاكراد ايضا الذين يتوقون إلى الاستقلال هم جزء من المؤامرة. يتبين أنه بسبب محاربة الاكراد لداعش فانهم بذلك يديرون ظهرهم للدول الإسلامية السنية التي تؤيد المنظمات الإسلامية ومنظمات المعارضة «العلمانية». إن محاربة داعش وتأييد الاسد تفسر على أنها اعمال كردية ضد تركيا التي تقوم بضرب الاكراد من اجل منع تحقيق مطالبهم الانفصالية.
لقد اعترف أحد ممثلي المعارضة مؤخرا في قناة «الجزيرة» أنه رغم رعاية الولايات المتحدة لهذه المنظمات، إلا أنها رفضت أن يقوم الأمريكيون بمحاربة «اخوانهم» من داعش واعلنوا استعدادهم لمحاربة النظام السوري فقط. وحسب اقواله، فان اعمال الاكراد ضد داعش قد دفعت النظام السوري وروسيا والأمريكيين إلى مساعدة الاكراد في الحرب ضد داعش، وبالتالي، تأييد الاكراد ضد تركيا. هذا الموقف يضع الاكراد إلى جانب روسيا والأمريكيين والنظام السوري والإيرانيين ضد المعارضة ومع بشار الاسد.
منذ تم اسقاط الطائرة الروسية فوق الحدود التركية وتهديد بوتين بالرد، تحيدت تركيا عن أي خطوة حقيقية لاسقاط نظام الاسد خشية من الروس «الذين ينتظرون اردوغان في الزاوية». القوات الإسلامية انسحبت من المواقع التي سيطرت عليها في غرب سوريا وهي تعاني من يأس كبير. وازدادت مؤخرا عمليات الانتحاريين السنيين الذين يفجرون انفسهم في لبنان ودمشق والعراق ويتسببون بعدد كبير من القتلى في صفوف الشيعة. ورغم التحذيرات، توجد في هذه الايام حوارات على المستوى السياسي والامني العالي بين السعودية وتركيا بخصوص التعاون الاستراتيجي، العسكري والسياسي، بين الدولتين حول الازمة السورية.
في الفوضى الحاصلة هناك شعور لدى الكثيرين أن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة وروسيا تتجدد. وقد اعتبر لافروف التهديدات العربية السنية في التدخل في سوريا تجر إلى مغامرة خطيرة. وهدد لافروف أنه إذا لم يتم حسم الازمة بالطرق السلمية فسيتحدد مصير سوريا من خلال انتصار النظام عسكريا.
ومثلما في قصة دانتيه، ففي سوريا ايضا مع التشديد على حلب، مدينة جهنم، هناك 9 دوائر من الدم الذي يغلي. وبسبب الخوف لن يصل إلى سوريا اصحاب الياقات من الاتحاد الاوروبي ومنهم وزيرة الخارجية السويدية مارغوت وولستروم. بل سيصل الدم إلى اوروبا. والمسألة هي مسألة وقت.

رؤوبين باركو
إسرائيل اليوم 12/2/2016

صحف عبرية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية