من السهل للغاية أن يجاري المرء التيار الإعلامي العربي الجارف، المدعم طبعا بتصريحات رموز السياسة الأمريكية وصناع قرارها، وأتباعهم الأوروبيين، طلبا لشهادة ‘الوطنية’ وصك ‘الدفاع عن حقوق الشعوب’، وغيرها من الأوسمة التي يبدو أنها باتت بضاعة رخيصة يحتكرها بعض المفكرين والسياسيين، يوزعونها نياشين على من اصطف في طابورهم، وإلا رجموه بكل نعت قبيح، هو كذلك حكر في قواميسهم، وملكية خاصة لا يمكن في تصورهم أن ترتد عليهم بكل بساطة، لأنها مجانية وملك من لا حجة له. ولعل من أعقد المشاكل التي تعترض المفكر، هي توضيح الواضحات من الأمور، ومحاولة تبين المسلمات؛ لا يجادل أحد في مستوى العدالة وسياسة المجتمع للدول المشار إليها على الصعيد الداخلي، لكن هل ينسحب ذلك بالضرورة على السياسة الخارجية لها، وعلاقتها على وجه الخصوص بالعالم الإسلامي وشعوبه، التاريخ المعاصر بكل مراحله ومحطاته المفصلية، يؤكد أنها (الدول الغربية) قامت بجرائم ضد الإنسانية، كنا نحن أهم وأكثر ضحاياها، نتيجتها ملايين الشهداء والأرامل والثكالى واليتامى، من دون احتساب نهب الثروات، من المغرب الأقصى إلى بورما، والعداء والحرب علينا مازالت قائمة إلى اليوم، على جميع الأصعدة وبكل الأدوات الممكـــنة ومنــــها طبعا الإعـــلامية وإن كانت عربية اللسان؛ لا أدل على ذلك لمن يريد معاينة وطيسها أن يقف على حال فلسطين وطنا محتلا، وشعبها الذي شرد منه الملايين، وحال الحصار القائم إلى الساعة على جزء منها ‘قطاع غزة’؛ وهل من الصعب فهم العدالة، كونها كلا لا يمكن أن يتجزأ! لن أستدل بجريمة هيروشيما، كما فعل الراحل محمود درويش في قصيدته المعلقة، لينتهي إلى الزبدة ‘أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا’. ولكن باختصار شديد، هذه الدولة بذاتها وحلفاؤها ساعدوا بالأمس القريب الشعب الأفغاني ضد الاحتلال السوفييتي، هدف إنساني شرعي لا خلاف حوله. ألم تقم هي بدورها باحتلال هذا البلد وتدميره ونهب ثرواته؟ هي نفسها ومن معها حررت الشعب العراقي من ظلم واستبداد نظام البعث، كذلكم صيغت المبررات التي ليس لأحد أن ينكر وجاهتها، ثم أليست هي من احتل العراق ومزقته وأبادت مئات الآلاف، بل الملايين من شعبه، وردته من أغنى الشعوب إلى أفقرها، وتقوم إلى اليوم بنهب ثرواته، التي قدرت بخمسة تريليونات دولار! من دون تفصيل حال ليبيا اليوم واليمن، أليست كلها أضحت دولا فاشلة بامتياز بعد أن انتصرت أمريكا وحلفاؤها لشعوبها وحقوقها المشروعة؟ كم يتعذر على المرء فهم إمكانية تصديق أن الولايات المتحدة وحلفاءها، يقفون إلى جانب الشعب السوري واللبناني، خاصة من عايش جرائمهم ضد بقية الشعوب العربية والإسلامية. الحرب الإعلامية على حزب الله ليست وليدة أحداث سورية، وإنما أعلنت بشكل رسمي على لسان جيفري فيلتمان مساعد وزير الخارجية آنذاك، في الكونغرس الأمريكي 08/07/2010، حين اقر بصرف مبلغ نصف مليار دولار لتحقيق خمسة أهداف، ثانيها كان ‘الحد من صورة حزب الله الايجابية لدى الناس’، وآخرها كان ‘عدم تهيئة الظروف ليتمكن حزب الله من ملء الفراغ أو من أن ينمو ويقوى’، ومن الغفلة توقع هذه الحرب الإعلامية عبر أدوات غربية، بل تفطن الغرب منذ زمن بعيد، يعود لما قبل الإطاحة بالخلافة العثمانية، لمحدودية العقل العربي، وملخصها ‘إن لم تكن معي فأنت ضدي’، وبنى عليها سياسته التي تتمثل في شحن أدوات الحرب للإخوة الأعداء، ويتولون نيابة عنه التدمير الذاتي بكل قوة. وها نحن اليوم نشهد عبر فضائياتنا وصحفنا عملية ‘شيطنة حزب الله’، فضلا عن إيران والنظام السوري، تكاد تملأ سماء العالم العربي وأرضه، وهي التي بالأمس القريب كانت تعتبره مقاومة وطنية شريفة، بل وأسقطت عنه انتصاراته كلها – عقيدة وسلوكا- بما فيها تلكم التي نقف اليوم على ذكراها الثالثة عشرة 25/05/2000 لتحرير الجنوب اللبناني؛ لا يتوقف العجب هنا على اعتبار نقطة التحول الدراماتيكي لحظة إعلان الأمين العام لحزب الله عن وجود عناصر تابعة للحزب في سورية دفاعا عن مقام السيدة زينب ومنطقة القصير، إنما العجب كله في محو ما تقدم هذا الموقف، من أدلة وتقارير ووقائع تنتهي بالضرورة الحتمية لموقف نصر الله، أو على الأقل توضح بشكل ما أسباب هذا التطور الخطير للغاية. تقدم موقف السيد حسن نصر الله، بحوالي شهرين تقريرٌ لمنظمة العفو الدولية 14/03/2013 يعرض بالتفصيل لجرائم حرب ترقى لوصفها بـ’جرائم ضد الإنسانية’ بحق مدنيين من الشيعة، تقوم بها الجماعات المسلحة في سورية، أكثر من ذلك يفصل التقرير بأن من بين المواقع التي تعرضت لمثل هذه العمليات الإجرامية، كما وصفتها المنظمة ‘منطقة القصير’ تحديدا؛ هذه الشهادة تهمل ولا يلتفت إليها من يتحامل على موقف حزب الله، كأنما ضحاياها لا يعدون بشرا، أو هو دعم ضمني كأنما يستحقون فعلا الذبح، وأحسن ما تجود به قريحة هؤلاء هو الطعن في صحة التقرير، كما حدث بخصوص السلاح الكيميائي تماما. ولا يفهم المرء كيف يستقيم القول بأنه مسموح للمقاتلين الأجانب، الذين اعترف بوجودهم في سورية العالم بأسره، فضلا عن أحمد معاذ الخطيب والوجوه البارزة من المعارضة مثل هيثم مناع، الدفاع عن المدنيين السوريين، بل وتدعو الدول بشكل رسمي لتسليح هؤلاء، ويحرم على ‘حزب الله’ ذات الذريعة، أي الدفاع عن مدنيين سوريين (من أصل لبناني)، أثبتت المنظمات المستقلة والمعارضة بأنهم مهددون فعليا في حياتهم. ختاما أقول، إن توصيف الفعل بالجرم لا يتغير بحكم تغير الفاعل، بل هو وصف أصيل لصيق بطبيعة الفعل ذاته، بمعنى لا يمكن اعتبار ما يفعله النظام السوري ضد المدنيين جرما، وما تفعله الجماعات المسلحة قربانا إلى الله، بل هوعينه ذات الجرم، وكما استدعى ذلك الشرعية لدفاع الأجانب عن المدنيين، هو نفسه ما يعطي الشرعية لحزب الله بالدفاع عن المدنيين؛ إن كنت أتفهم اتهامات وجوه المعارضة السورية لحزب الله، وهم الطرف الآخر في وجهه، التي سخرت لها كثير من الفضائيات، فالحري بهم أن يفسروا لنا التهم الموجهة إليهم هم أنفسهم بالمتاجرة بدماء السوريين، التي جاءت ضمنا خلال خطاب أحمد معاذ الخطيب، يوم تنصيب غسان هيتو، وما أفضى به علنا هيثم مناع تبريرا عدم الانضمام إليهم، وآخرهم ما ورد من اتهامات خطيرة في مقال ميشال كيلو 19/05/2013 بصحيفة ‘السفير’؟ هنا فعلا مربط الفرس. ليبيضوا وجوههم قبل السعي لتسويد وجوه غيرهم بإعلان الحرب على حزب الله.