جنان جاسم حلاوي في «أهل النخيل»: حروب ودمار وخراب إنساني

حجم الخط
0

 

اعتاد الروائي العراقي جنان جاسم حلاوي، المقيم في السويد، الاستعانة بتجاربه الشخصية وسيرته الذاتية، والمحطات التي مرّ بها خلال حياته ومشواره في كل من العراق وإيران وكردستان
ولبنان وسوريا. تجارب تبدو عادية لكل عراقي ومنفي ومهاجر ومرتحل، بعيداً عن أماكن الطفولة واليفاع والشباب الأول. لكن جنان جاسم وبمقدرة مكينة، يعرف كيف يوظف تلك التجارب والمنعطفات الحياتية والوجودية لصالح الأعمال الجمالية والبنى الإبداعية، مستنبطاً عوالم شتى، قادرة على بناء مشهده الروائي والقصصي، ثم تشيّيد ذلك المعمار المحتشد بالشخصيات والمشاهد والحكايات والسرديات البليغة داخل نصه الروائي. ولعل رواية مثل «يا كوكتي» و «دروب وغبار» و «قصص الحب، قصص الحرب» جلها تذكر بتجاربه الشخصية. فرواية «يا كوكتي» تدور حكايتها في البصرة أثناء الحرب العراقية الإيرانية. وتروي قصة بطلها الذي انخرط في الجندية وكان مقرّه البصرة، حيث خطوط التماس والمقار الحربية ومسرح العمليات العسكرية. وكذلك رواية «دروب وغبار» التي تتحدث عن مواطن يفلت من قبضة الديكتاتورية، هارباً من جحيمها، ناشداً الانعتاق والحرية في المنفى، فيجتاز طرقاً عديدة، حتى يصل إلى مراده، مارّاً بإيران ثم كردستان ثم دمشق وصولاً إلى صيدا في لبنان لتبدأ الحكاية وتنتهي هناك. يبدو أن حلاوي هنا يُطبّق إلى حد ما، مقولة الروائي الأمريكي الشهير أرنيست همنغواي «أكتب عما أعرفه»، ليكون العمل في المآل محملا بالحرارة الوجودية، وصدق التجربة وبياض النص المروي. بيد أن هذه المقولة لا تظل ثابتة لروائي متمرس ومكرس وله طريقته في بناء العمل الفني كجنان جاسم حلاوي، فعالم الخيال لا ينقصه وطرق المتخيّل وأساليبه التعبيرية والفنية والجمالية هي أدوات مثلى لديه، تتجلى في أعمال روائية وقصصية كثيرة، وقد بُنِيَتْ في تساوق متقن مع عوالم تجاربه الشخصية وسيرته الذاتية المتحوّلة في غير مكان وزمان، وعبر سلسلة طويلة من الأحداث التي مرّ بها خلال إقاماته القلقة والمضطربة في تلك البلدان العربية والأجنبية، ناهيك عن بلد المنشأ الأول.
عمل الروائي العراقي جنان جاسم حلاوي الجديد «أهل النخيل» هو السابع، إلى جانب سبع مجموعات قصصية أيضاً. وهو رواية ضخمة، مقارنة بأعماله الأخرى، وأراها الأنضج في سلسلة أعماله الروائية، بفعل حرارتها الفنية العالية، تلك الحرارة التي بَنَتْ هذا العالم الحافل بالأحداث الكثيرة والمشاهد التراجيكوميدية العديدة، فضلا عن تنوع شخصياتها التي لا تحصى لكثرتها، وقربها من أي قارئ، عراقيا أو عربيا، كونها تمثله أو تنتسب إلى عالمه، أقصد عالم القارئ وحياته الشخصية، كون الشخصيات هي في الغالب شخصيات العالم السفلي والقاع والحضيض، عالم الفقر والمهمّشين في الحياة، عالم الفساد والحروب والقتل المجاني والمطاردات السياسية، عالم السجون والمعتقلات والمحاسبة على كلام قيل، أو رأي كُتِبَ، أو انتماء لحزب يساري وسرّي، غير حزب البعث الذي هيمن على العراق طويلاً، وعلى سوريا سنوات أطول، وأذاق كلا الشعبين العلقم، مسدلاً عليهما ستاراً حديداً، وعالما مغلقاً يمور بالشرطة السرية والوشاة والمخبرين وبالسجون والمعتقلات والزنازين والأحكام والأساليب التي لا توصف إلا بالفاشية.
يفتتح حلاوي روايته بفصل صغير، بعد أن يرسم المحيط والأجواء والطبيعة المكانية والبشرية التي سوف يتحرّك فيها الوصف، دون أن يفصح عن المرحلة الزمنية، ولكن ثمة دلالات موحية تشي بمرحلة مـتأخرة من الخمسينيات، فالإشارة إلى علبة دخان غازي، تنتسب إلى مرحلة مطلع الستينيات أيضاً، كون ماركة سجائر غازي تنتمي إلى العهد الملكي، وترتبط تسميتها مباشرة بالملك غازي الذي رحل بحادث سيارة في نهاية الثلاثينيات، كما هو معروف في التاريخ العراقي.
يفتتح إذاً حلاوي فصله بعرس لنادية الصبية العشرينية التي ستتزوج إسماعيل، يبدو أنه مثقف وربما يساري، كما يتبيّن من خلال الكتب التي بحوزته والشراب الذي يتعاطاه. ثم يختتم الفصل بالزواج والتلذذ بالمتعة البشرية، ليبدأ بعدها مباشرة الفصل الثاني، وهو يحمل إشارة لعنوان الفصل «بعد عشر سنوات» .
في الفصل الثاني سيبدأ ظهور الشخصيات الثانوية، مثل جل من سيمر في الرواية، فالكل منزوٍ وبعيد وناءٍ، والكل يعمل ويعيش ضمن هذه الطبقة المهمّشة والفقيرة. وفي هذا الفصل ستتضح الصيغة المكانية والطبيعة البشرية والإشارة الزمنية الغائمة التي ترد في الفصل الأول حين تكون بمعية اسماعيل علبة من سجائر غازي العراقية.
هنا السرد المثقل بالوصف، سيحدد طبيعة المكان في مدينة البصرة التي تجري أحداث الرواية على أرضها، لتبرز معالم البصرة مثل المستشفى الحكومي والحسينية والصبخة والنظران وشط العرب، ومبنى محطة القطار وجسر الغربان، ومحلة الباشا والبصرة القديمة، والميتم والمدرسة وجبل خمّاس وحي الطرب الذي سُمّيَ بشارع بشار بن برد، حيث يلجأ إليه الباحثون عن المتعة الحسية التي تباع في بيوت الدعارة، ليبرز علاوي الأعرج المصاب ببعض العلل النفسية، لكنه من جهة أخرى مقرب ومحبوب من النساء لجمال وجهه ونظرة عينيه الملائكيتين، ليلتقي عن طريق المصادفة بصديقة طفولته فاتن الغزالي التي تيتمتْ باكراً فسقط جسدها بين تجار المتعة وبيع الأجساد، لمن هبّ ودب. وستظهر في هذا الفصل بعض الشخوص الحائرة مثل جودي ومهيدي المجنون وزهور، لتكرّ الشخصيات في متوالية تعصف بالمكان، لنشهد الحروب والرمال المتحركة للأحزاب اليسارية العاملة في الخفاء، حيث يظهر يوسف وعلاوي ومسعود القزم وجوني البحار والعجوز جمعة وملا جعفر وحسين وجواد وبدر كاتب القصة واليساري المُدرّس، المطرود من التعليم والمسجون بسبب يساريته، والذي سيعمل مديراً لإدارة سينما الشعب في البصرة القديمة، وستبزغ سعدية ووالدها، وهم يتحركون بين الجسور وأعمدة الكهرباء وبيوت الطين والقصب وبساتين النخيل وشط العرب، يتداولون الشائعات ويزجون الوقت لقتله، فهو طويل والزمن بطيء، وليس ثمة من يراعي مسيرته الزمنية، كون الحياة تجري بهدوء وسكينة، بين تلك الظلال والدروب والصباحات والمساءات والليالي المستفيضة .
في الفصل الرابع سيبرز حسين وجواد وهما يتحرّيان مكان الاجتماعات الحزبية، الذي كشفه الأمن ورجاله من الشرطة السرية، بعد اعتقال رفيق لهما اسمه اللاتيني، فهو دائب الحديث عن الثورات وجيفارا في أمريكا اللاتينية، ومن ثمّ ليذهبا بمنشوراتهما وصحف طريق الشعب السرّية، إلى بيت جودي الذي سيُبدي المساعدة رغم عدم انتمائه للحزب الشيوعي .
وحين نتقدم موغلين في نسيج الرواية التي كتبت بتقنية متقنة وفق تيار الوعي وانثيالاته في استدعاء الزمن بطريقة انطولوجية وسوسيولوجية، درست أعماق الطبقات المتصارعة داخل أزمانها، فثمة شرائح مجتمعية تؤدي أدوارها اليومية في حياة متقلبة، مليئة بصراع الأضداد والطبقات، صراع سيطيح بمجتمع كامل، تتآكله الحروب والنزعات السلطوية المتجبّرة والمتاهات الدولية التي ستنشب مخالبها، متجلياً في الغزو، كما يحدث في نهاية الرواية في تلك الأرض التي غدت تحترق لتكون كرة من اللهب.
بعد عبورنا للفصل الثامن وهو يروي حياة الشباب في تلك الأيام من نهاية السبعينيات إلى الثمانينيات على الأرجح يسلط الراوي الضوء فيه على ملعب لكرة القدم، يليه الفصل التاسع حيث ستبرز شخصيات أخرى، مثل سلوى وشيرين وسميرة الكلدانية، ورمزي المريض في المستشفى، يليه الفصل العاشر الذي سيطير فيه مهيدي المجنون، وهي حركة ماركيزية بامتياز من «مئة عام من العزلة»، وليس ثمة من اضطرار لتكرار تلك التجربة التي بدت خالية من التشويق لأنها قد كتبت بقلم روائي عالمي معروف.
لقد طغى الوصف على مجمل صفحات الرواية وأطال في عدد صفحاتها، من هنا لم يفت جنان ذلك الوصف الشاعري للحركة المسلحة بقيادة القيادة المركزية للحزب الشيوعي في الأهوار وانهيار رموزها وهربهم، أمام سلطة باطشة أطاحت بها، غبّ انطلاقتها وبدئها بشهور قليلة في نهاية الستينيات مطلع السبعينيات.
كذلك لم ينس جنان وصف أجواء الحسينية، والملا جعفر الذي يردّد أدعيته على السامعين، دون كلل وملل، وكذلك وصف الجامع الوحيد في المدينة، وكنيسة الكلدان وبعض الطقوس التي تؤدى هناك، وبعض المواقع والمضطربات الكثيرة في البصرة، لتأتي كرموز مكمّلة لهذا العالم الواسع والكبير الذي حفلت به الرواية، وتأتي كإشارة لتعدّد هُويات وإثنيات هذه المدينة التاريخية التي بناها الخليفة عمر بن الخطاب، في القرن الأول للهجرة.

جنان جاسم حلاوي: «أهل النخيل»
دار الساقي، بيروت 2015
383 صفحة

هاشم شفيق

اشترك في قائمتنا البريدية