«الزمن الثقافي»: محاولة استفزاز

حجم الخط
0

 

إذا قلنا إن «العقل العربي» هو ما خلفته وتخلفه الثقافة العربية في الإنسان العربي، بعد أن ينسى ما تعلمه في هذه الثقافة، لم نبعد عن الصواب. إن ما يبقى هو «الثابت» وما يُنسى هو «المتغير»… إن ما يبقى هو ثوابت الثقافة العربية، هو العقل العربي ذاته.
بعد هذا التعريف، العام والمجرد، للعقل العربي، التعريف الذي يسمح لنا الآن برفع المزدوجتين عن هذا المفهوم، مفهوم العقل العربي، ننتقل الآن إلى إلقاء ما يمكن من الأضواء على مضمونه، فنتساءل: وماذا بقي ثابتاً في الثقافة العربية منذ «العصر الجاهلي» إلى اليوم؟ (نقول منذ «العصر الجاهلي» ـ الذي نضعه هو الآخر بين مزدوجتين إلى حين ـ لأن هناك إجماعاً، ضمنياً على الأقل، بأن الثقافة العربية بدأت في التكون في نقطة ما داخل ذلك العصر).
ماذا بقي ثابتاً في الثقافة العربية منذ «الجاهلية» إلى اليوم؟ قد يبدو هذا السؤال وجيهاً وبريئاً. غير أنه في الحقيقة سؤال «ماكر»، مضلل، خصوصاً وقد ينقلب هو إلى جواب إذا ما قرئ بصيغة الاستفهام الإنكاري. على أن ما يجعل منه سؤالاً «ماكراً» من وجهة النظر التي نتحرك فيها هو أنه يخفي ويكتم سؤالاً آخر معاكساً، أكثر صراحة وأعمق تعبيراً، وبالتالي أقدر على زعزعة التصور السائد. هذا السؤال «المقموع» هو: ماذا تغير في الثقافة العربية منذ «الجاهلية» إلى اليوم؟ ونحن لا نشك في أن قارئنا العربي ـ نعني الذي يحمل عقلاً تكوّن في الثقافة العربية ومن خلالها وحدها ـ قد اهتز وانفعل مع هذا السؤال الثاني بصورة لم تحدث له مع السؤال الأول. إن السؤال الأول هو سؤال مسالم، بل «منوم»، والسؤال الثاني سؤال مستفز تمتد آثاره، بعيداً، في «أحشائنا» الفكرية، ولذلك فهو أكثر التصاقاً بموضوعه، أكثر مساءلة له.
ماذا تغير في الثقافة العربية منذ «الجاهلية» على اليوم؟ سؤال يمكن قراءته هو الآخر بصيغة الاستفهام الانكاري وسيكون له من المشروعية أكثر مما للسؤال الأول؟ آية ذلك أننا نشعر جميعاً بأن امرىء القيس وعمرو بن كلثوم وعنترة ولبيد والنابغة وزهير بن ابي سلمى… وابن عباس وعلي بن أبي طالب ومالك وسيبويه والشافعي وابن حنبل… والجاحظ والمبرد والأصمعي… والأشعري والغزالي والجنيد وابن تيمية… ومن قبله الطبري والمسعودي وابن الأثير… والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن خلدون… ومن بعد هؤلاء جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا والعقاد والقائمة طويلة… نشعر بهؤلاء جميعاً يعيشون معنا هنا، أو يقفون أمامنا على خشبة مسرح واحد، مسرح الثقافة العربية الذي لم يسدل الستار فيه بعد، ولو مرة واحدة.
ولا يمكن أن يعترض على هذا «الادعاء» إلا من يشعر شعوراً صادقاً وجازماً، عندما يقرأ أحد هؤلاء، أنه لا يفهمه، لا يتجاوب معه، لا يستمع إليه، لا يستسيغ خطابه ومنطقه، أو على الأقل لا يشعر أنه من عالم غير عالمه. وكيف يمكن ذلك ونحن جميعاً أبناء الثقافة العربية نتعلم القراءة، والفهم، والاستماع، والخطاب، والمنطق منذ طفولتنا، وخلال جميع مراحل دراستنا، من «أبطال» هذه الثقافة الذين ذكرنا بعضهم… وإذن فمَنْ من المثقفين «العرب» يستطيع الادعاء بأنه من عالم غير عالم هؤلاء، أو أنه لم تعد له صلة مع أبطال خشبة المسرح الثقافي العربي… «الخالد»؟
هناك، إذن، أشياء كثيرة لم تتغير في الثقافة العربية منذ «الجاهلية» إلى اليوم، تشكل في مجموعها ثوابت هذه الثقافة وتؤسس بالتالي بنية العقل الذي ينتمي إليها: العقل العربي.
ونحن هنا لا نريد أن نسابق خطى بحثنا بطرحنا لهذه المسألة التي ستكون موضوع تحليل في الفصول المقبلة، ولكننا نأمل من خلال هذا الطرح «الاستفزازي» الذي صغنا به هذه القضية أن نجعل القارئ يدرك معنا بأن زمن الثقافة، أية ثقافة، ليس هو بالضرورة زمن الدول والحوادث السياسية والاجتماعية، وأن «الزمن الثقافي» لا يخضع لمقاييس الوقت والتوقيت الطبيعي والسياسي والاجتماعي، لأن له مقاييسه الخاصة. ذلك لأنه لما كانت الثقافة هي ـ فعلاً ـ ما يبقى بعد أن يتم نسيان كل شيء، فإن ما يبقى من الثقافة وما يميزها هو «زمنها». وإذا أخذنا بعين الاعتبار الترابط الذي أبرزناه قبل قليل بين ثوابت ثقافة معينة وبنية العقل المنتمي إليها، أصبح لزاماً علينا أن نقرر أن زمن بنية العقل المنتمي إلى ثقافة ما هو زمن هذه الثقافة نفسها، وبالتالي فإن زمن العقل العربي هو نفس زمن الثقافة العربية التي قلنا إن أبطالها التاريخيين ما زالوا يتحركون أمامنا على خشبة مسرحها الخالد يشدوننا إليها شداً.
الزمن الثقافي إذن مثله مثل زمن اللاشعور، زمن متداخل متموج يمتد على شكل لولبي، الشيء الذي يجعل مراحل ثقافية مختلفة تتعايش في نفس الفكر، وبالتالي في نفس البنية العقلية، كما تتعايش في غياهب اللاشعور النفسي الرغبات المكبوتة المختلفة الراجعة إلى أزمنة نفسية وعقلية وبيولوجية مختلفة، رغبات الطفولة والمراهقة والشباب والرجولة بالإضافة إلى الطاقات الغريزية البيولوجية المؤسسة لنشاط اللاشعور وفاعليته، كما بيّن ذلك فرويد. وهكذا فإذا كنا نعتبر، مثلاً، أن تصورات أو معتقدات أو مفاهيم معينة تنتمي إلى مرحلة سابقة من مراحل التطور الفكري والثقافي، فإن هذا لا يعني أن تلك التصورات والمعتقدات والمفاهيم قد وقفت عند حدود تلك المرحلة من التطور، بل بالعكس، يمكن ـ ولربما كان هذا هو ما يحصل في الغالب ـ أن تعيش تلك التصورات والمعتقدات والمفاهيم في مرحلة تالية من التطور مع تصورات ومعتقدات ومفاهيم جديدة تماماً، تشكل «الهوية» الثقافية (العلمية أو الفلسفية أو الأدبية) للمرحلة الجديدة تلك. وقد تتسع الشقة بين المفاهيم القديمة والمفاهيم الجديدة على درجة التنافر والتناقض، ومع ذلك يحدث ـ ولربما كان هذا هو الغالب ـ أن تظل جميعاً حاضرة، ليس داخل جملة الفكر الذي يعبر عن الثقافة المعينة وحسب، بل أيضاً داخل فكر الفرد الواحد المنتمي إلى تلك الثقافة، فيعيش القديم والجديد داخل وعيه، إما في حالة صراع وإما في حالة «تعايش» توفيقي أو تناحري، الشيء الذي تنعكس آثاره على السلوك المعرفي ـ الفكري لهذا الشخص فيكون «سوياً» أو «متوتراً»، «متوازناً» أو «منفصماً»، ولكنه في جميع الأحوال يعيش زمناً ثقافياً واحداً، ما دام الجديد لم يحقق قطيعة نهائية مع القديم، أي ما دام «النظام المعرفي» هو هو، أي ما دام في الإمكان دخول «الجديد» في حوار ما مع «القديم»، الشيء الذي يعني أن حصيلة التطور لم تبلغ بعد نقطة اللارجوع، النقطة التي لا يعود من الممكن معها الانتقال من الجديد إلى القديم.

من «تكوين العقل العربي»، 1984

تلميذ ابن رشد

أياً كان اتفاق المرء، أو اختلافه، مع المنجز الضخم والمركّب والمتشعب للمفكر المغربي (1936 ـ 2010)؛ فإن الرصانة القصوى في القبول أو الرفض كانت، وتظل، ركناً لا غنى عنه في التعاطي مع ذلك المنجز.
كان الجابري قد استخلص مزيجه الفلسفي الخاصّ، جامعاً بين التتلمذ على فكر ابن رشد، اطروحته للدكتوراه سنة 1970؛ والتعمق النقدي في شتى الظواهر، الفكرية خاصة، التي اقترنت بحركات الخوارج والإسماعيليين والشيعة والمتصوفة؛ واستلهام أدوات إيمانويل كانط التي تحثّ على الاستنباط العقلي بدل التناقل الآلي.
وفي غمرة هذه «المطحنة» من الأفكار والمناهج والمدارس والفلسفات، لم ينسحب الجابري من دوره العامّ، السياسي تحديداً، فكان قريباً من المهدي بن بركة و»الاتحاد الوطني للقوات الشعبية»، وظلّ وفياً لموقع «المثقف العضوي» في الشارع الشعبي كما في الحرم الجامعي. يُشار، كذلك، إلى أنه كان بين قلّة قليلة، بل نادرة حقاً، من الذين اعتذروا عن قبول جائزة صدّام حسين (100 ألف دولار)، وجائزة معمر القذافي (32 ألف دولار)؛ لأسباب لا تتصل بسعة ذات اليد والاكتفاء المادي، فالعكس قد يكون هو الصحيح، وإنما لأنّ التراث النقدي الذي اشتغل عليه الجابري، وبشّر به، كان يحول ـ أخلاقياً، في المقام الأول ـ دون مهادنة الطغاة ومغازلة الاستبداد.
أعمال الجابري تناهز الـ30، وتبدأ من «العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي»، وبينها «مدخل إلى فلسفة العلوم»، في جزئين، «من أجل رؤية تقدمية لبعض مشكلاتنا الفكرية والتربوية»، «نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي»، «الخطاب العربي المعاصر: دراسة تحليلية نقدية»، «تكوين العقل العربي»، «بنية العقل العربي»، «العقل السياسي العربي»، «التراث والحداثة: دراسات ومناقشات»، «المثقفون في الحضارة العربية الإسلامية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد»، «مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب»، «الدين والدولة وتطبيق الشريعة»، «المشروع النهضوي العربي»، و»الديمقراطية وحقوق الإنسان».

محمد عابد الجابري

اشترك في قائمتنا البريدية