فى الذّكرى 400 لرحيله: شيخ الرّوائييّن الإسبان سيرفانتيس وأضغاث أحلام دون كيخوته

غرناطة ـ «القدس العربي»: منذ أوائل السنة الجارية انطلقت الاحتفاليات في اسبانيا على أوسع نطاق بصاحب «دون كيخوته دي لا مانشا» ميغيل دي سيرفانتيس، تخليداً للذكرى 400 لرحيل هذا الرّوائي العبقري الذي طبع العالمَ الأدبي والرّوائي في اسبانيا على وجه الخصوص بطابعه الخاص الذي لا ينازعه فيه أيّ مبدع آخر من طينته في هذا القبيل. (سيرفانتيس من مواليد 29 سبتمبر/أيلول 1547 بمدينة ألكالا دي إناريس (قلعة النهر) والمتوفىّ بتاريخ 22 أبريل/نيسان بمدريد 1616).
تستمرّ الاحتفالات على امتداد السنة الجارية بتنظيم معارض فوتوغرافية كبيرة وسلسلة من المحاضرات حول هذا الكاتب. وانطلقت هذه المحاضرات في متحف «دار سيرفانتيس» بمدينة فيالدوليد أو (بلد الوليد) ذلك أنّ مغيل دي سيرفانتيس عاش في هذه المدينة في الفترة بين 1604 و1606 وفيها حصل على الامتياز الملكي لنشر الجزء الأول من روايته الشهيرة.
عاش سيرفانتيس قبل ذلك في مدينة طليطلة، حيث تعرّف هناك عام 1584 على المرأة التي ستصبح زوجته وهي كاتالينا دي بالاثيوس التي لم يكن عمرها يتجاوز بعد 19 ربيعاً. في هذه المدينة الفريدة التي عرفت معايشات نموذجية بين الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام إبّان الوجود الإسلامي بشبه الجزيرة الإيبيرية، عاش سيرفانتيس إلى جانب زوجته في منزل أحد أقاربها، الذي كان يحمل إسم (ألونسو كيخادا دي سالاثار) وهو الإسمُ، الذي إستوحى منه الكاتب المادة الخام لتشكيل وصياغة شخصية بطله في روايته الذائعة الصّيت دون كيخوته.
كما أعدّت المكتبة الوطنية الإسبانية برنامجاً تعليمياً لتخليد ذكرى مرور 400 سنة على رحيل سيرفانتيس، يضمّ – بالإضافة إلى المعرض الكبير سلسلة من الأوراش الدراسية في الأدب، والنقد، والإبداع، والتاريخ.
وبالجملة صادقت اللجنة المكلفة احتفاليات تخليد الذكرى 400 لرحيل سيرفانتيس على ما ينيف على 60 تظاهرة ثقافية ينتظر تنظيمها بهذه المناسبة خلال العام الجاري.

سيرفانتيس وشكسبير

يتصادف الاحتفال بسيرفانتيس خلال العام الجاري باحتفال الأوساط العالمية كذلك بعبقريّ آخر في الإبداع السردي والخلق الأدبي وهو وليم شيكسبير الذي يصادف هذا العام كذلك هو الآخر الذكرى 400 لرحيله.
حيث سيتمّ الاحتفال في كل من اسبانيا وانكلترا بهذا الحدث الكبير، لتسليط الأضواء على وجه الخصوص على التأثيرات العميقة التي أحدثتها أعمال هذين العبقريين العالميين في الآداب العالمية. لقد تمّ في العديد من المناسبات قبل هذا التاريخ دراسة نصوصهما الإبداعية وتحليلها من طرف المتخصّصين في كل من اسبانيا وانكلترا، كما أن تأثيرهما وصورتهما أصبحتا أمراً مألوفاً ومعروفاً في الأدبين الاسباني والانكليزي منذ سنين بعيدة خلت. وتمّ بهذه المناسبة اختيار إثنى عشرة كاتباً معاصراً 6 من من الناطقين باللغة الانكليزية، و6 آخرين من الناطقين باللغة الاسبانية، يكلف كلّ واحد منهم بكتابة نصّ دراسيّ نقديّ وتحليليّ ( لم ينشر من قبل) لتسليط الأضواء على الأعمال الأدبية لهذين الكاتبين العملاقين بهدف تتبع ورصد واقتفاء، واظهار تأثيرهما في العالم، حيث غالباً ما تعود الشخصيات الأدبية من الناطقين باللغة الانجكليزية إلى أعمال سيرفانتيس، في حين يتمّ الرجوع إلى شكسبير من طرف الشخصيات الأدبية من الكتاب الناطقين بالاسبانية.
الجزائر تقترح

وفيما يتعلق بالتأثيرالذي ربّما ترك ولا شكّ بصماته، وآثارَه في سيرفانتيس خلال وجوده أسيراً لخمس سنوات في الجزائر، فإنّ هذا البلد قام بواجبه التاريخي والأدبي – على مستوى رفيع- نظراً لصلة سيرفانتيس به أيام وجوده على الأراضي الجزائرية، ولابدّ أنّ الكاتب الاسباني العالمي سمع، ونهل، وأخذ، وإحتكّ، وإستفاد، وأصغى إلى العديد من الأساطيرالمتوارثة، والقصص الغرائبيّة، والخرافات الأسطورية، والحكايات الشعبيّة التي يزخر بها تراثنا الثريّ الزّاخر المشترك الذي لا ريب، ولا جَرَمَ كان له آثار وظلال على رائعته «دون كيخوته».

عوالم الأحلام

هناك العديد من النظريات التي تحاك حول أخبار رواية «دون كيخوته»، ومؤلّفها ميغيل دى سيرفانتيس ساهافيدرا. من الإدّعاءات التي تروج في هذا السّبيل حول هذه الرّواية أنها لا يمكن أن تكون سوى عمل «مسيحي جديد» إذ كما هو معروف فإنّ رودريغو دي سيرفانتيس والد الرّوائي كان جرّاحاً وتلك هي المهنة التي يمتهنها المرتدّون حديثاً. أضف إلى ذلك عنصراً آخر وهو أنّ مؤلّف «دون كيخوته» كان يعشق إمرأة كانت تسمّى أنا رودريغو دي روخاس تنحدر من أصل فيرناندو دي روخاس وهو يهودي مرتدّ كذلك، صاحب الرّواية الشهيرة في الأدب الاسباني «لا ثيليستينا». ومن المدافعين عن هذه النظرية الناقد المستعرب والمؤرّخ الاسباني المعروف أمريكو كاسترو، وهكذا يلجأ المؤلف إلى إختيار أمريكو كاسترو كأوّل مصدر في كتابه للإشارة، والاستدلال على تداخل الروايات أو الحكايات في «دون كيخوته». وهناك من يقبل بهذا التداخل، كما أنّ هناك من يرفضه مثل المؤلف سابالا الذي يلجأ إلى البحث والتحرّي عن الصلة الداخلية بين مختلف الفصول وبين المجموع ككلّ.

إشارات عربيّة

إنّ بطل قصّة ميغيل دي سيرفانتيس «دون كيخوته» قد تكون نتاج حلم من الأحلام التي تتراءى للنّائم في الكرى. كان الأقدمون يعتقدون أنّ الحلم إن هو إلاّ رحلة الأرواح خارج أسرها الجسد، و»دون كيخوته» عندما ينزل في مغارة «مونتيسينوس» فإنّما هو يقوم برحلة تمتدّ وتستمرّ في أحلامه، أين توجد الحقيقة، وأين يوجد الخيال في هذا الأمر؟ إنّ موضوع الخلق أو الإبداع في الأحلام قد تعرّض له كثيرون منهم خورخي لويس بورخيس الذي يقول: «في الأحلام نبتدع بطريقة سريعة نخادع معها تفكيرنا، ونغالطها بما نحن بصدد إبتداعه». ويقول كذلك «لا شكّ أنّ الأحلام عملية جمالية، بل إنها أقدم تعبير جمالي للإنسان». فالظرف الإبداعي لدى «دون كيخوته» يتقوّى عنده بدخوله وإنغماسه في حلم طويل في مغارة مونتيسينوس. إن عنصر الحلم في عصر سيرفانتيس أمر معروف كمصدر أدبي وإبداعي، وهناك العديد من الأسماء الأدبية التي استعملت الحلم كمادة لإبداعاتها، وكمنهل لإنتاجاتها الأدبية مثل لوبيّ دي فيغا، وفرانسيسكو كيبيدو، وميدرانو، وخوان كولونا، وبيدرو دي تابلاريس، وخوان أنييس، وخيرونيمو دي لوماس وبورخيس نفسه، وقبلهم المعرّي، وإبن طفيل، وإبن عبد ربّه، ودانتي كل هؤلاء وسواهم جعلوا من الأحلام مواضيع لأعمالهم الأدبية، والفنّان الإسباني الكبير فرانسيسكو دي غويا كان يقول: «إنّ حلم العقل ينجب صوراً غريبة الخلقة».!
و»دون كيخوته» نفسه يروي أنّه عندما كان نازلاً داخل المغارة شعر بنوم عميق. وعنصر الزّمن من الأهمية بمكان في الحلم، فساعة منه قد تساوي أيّاما، وهو الذي يؤكّد لرفيقه سانشو: «لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال مقارنة شيء بشيء» انه بذلك كان يزرع بذور نظرية النسبية أربعة قرون قبل أنشتاين. فدون كيخوته في قصّة سيرفانتيس هو بطل وراوية في آن واحد. والكاتب في خضمّ خياله المجنّح يقف على أرض الواقع، أيّ أنه يبدأ بحادثة قد تكون حقيقية ليعطي لخياله نوعاً من المصداقية. المغارة ومحيطها السّحري والزماني هي في الوقت ذاته: المتاهة، الجحيم، أو العالم الآخر، كما يسمّيه سانشو. هذه المغارة ليست أفقية، بل عمودية، وعند نزول «دون كيخوته» فيها يعيد للأذهان رحلات عشتار، وجلجامش، وإبن عبد ربه، ودانتي، وأبي العلاء المعرّي . إنّ دون كيخوته يجد في الأسفل أشياء تذكّره بما هو موجود في السّطح. انّ البطل يدخل في قدر يقوده من الحمق إلى التعقل، أي من الحياة إلى الموت.
يقول أحد أبطال شكسبير في عصر قريب من عصر سيرفانتيس: «أن تنام، أن تموت»، وهكذا يلتقي النوم مع الموت، ويفسّر ذاك بذاك، فدون كيخوته قد دخل في موت عابر، وخلو يناسب عصره ويتماشى مع زمانه، وبالتالي يمكن قراءته، وفهمه، واستساغته، وقبوله كمخلوق من مخلوقات العالم الآخر، وهو في الجزء الثاني من الرواية يجعله سيرفانتيس يحضر جلسة من جلسات السّحر، والتنجيم، فهو إذن مهيّأ ومتأهّب للدخول في عالم الأموات – مملكة الكثيرين- كما يسمّيه الأقدمون، والخروج منه، والمسافة تبدو بعيدة وسحيقة في الوهلة الأولى بين عالم اليقظة والحلم، أو بين عالم الأحياء والأموات، وهي في الواقع مسافة قريبة جدّاً، يصفها شاعرنا العربيّ القديم في أعمق، وأبلغ، وأدقّ وصف مجسّداً بذلك الشعورَ التراجيدي والدرامي المتناوش الضّارب في القدم، فيقول:
حَسْبُ الخليلين نأيُ الأرضِ بينهما / هذا عليها وذاكَ تحتها بالي.
إنّ نظرة «دون كيخوته» الزّائغة والضبابية في المغارة لها تفسير علمي لا محالة بعيداً عن خيال الإبداع وقوّته وزخمه، فالمغارة بنتوءاتها الجيولوجية الضاربة في القدم توحي بتركيب الأجسام وتشكيلها ببقايا الحيوانات الفوسيلية، والنباتات الفطرية المبللة العالقة بها منذ آلاف السنين والتي لابدّ أنها قد تحلّلت فأنتجت مواد كربونية عندما يستنشقها دون كيخوته يشعر بنوع من التسمّم يبدو أثره الأوّل في الشعور بالإسترخاء، والرّغبة في النوم، فتتبدّد وتتبعثر الصّور أمامه، فيعتريه بعض الدّوار أو التخدير. وهذه الحالة يذكرها ويكرّرها دون كيخوته من أوّل القصّة إلى آخرها، وهو الشعور نفسه الذي يصفه مكتشفو المغارات، فالبخار الكاربوني جعل «الفارس المتجوّل النبيل ببلاد المانشا» يفتح مغاليق العقل ويرخي لخياله العنان . ولابدّ أنّ دون كيخوته خلال رحلته التقى ورأى في نومه العديد من الشّخصيات التي يذكرها في سياق مغامراته وشطحاته التي أذهلت وأخذت بمجامع وقلوب الملايين من القرّاء في العالم. إنّ سيرفانتيس إذا لم يكن قد ثبت أنه زار ورأى مغارة مونتيسينوس، فلا بدّ أنه عرف مغارات أخرى شهيرة توجد على مقربة من مدينة الجزائر عندما كان أسيراً بها والتي تجعل من يدخلها يشعر بالتأثيرات المذكورة نفسها.

محمّد محمّد الخطّابي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية