ميليشيات «الحشد الشعبي» تمثل مشكلة استراتيجية لواشنطن خلال مكافحة تنظيم الدولة

حجم الخط
1

واشنطن ـ «القدس العربي»:ارتكبت الميليشيات الشيعية العراقية المعروفة باسم «الحشد الشعبي» فظائع ومجازر ضد المدنيين السنة، ولكن النظام العراقي غض الطرف بشكل كامل عنها، فهي في النهاية ترتبط من الناحية الفنية بمكتب رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الذي أخفق بشكل واضح في الوفاء بتعهداته بضم هذه الميليشيات تحت سيطرة الجيش. أما بالنسبة للإدارة الأمريكية فالقضية أصبحت مشكلة حقيقية لا يمكن التغاضي عنها بحجة محاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» بأي ثمن ومع أي طرف. والأنكى من ذلك كله، ما يعتقده الخبراء بحزم من ان استمرار هذه الميليشيات سيحول أي انتصار على تنظيم الدولة إلى وهم كاذب.
ولا أحد يستطيع التشكيك الآن في الأدلة على انتهاكات الميليشيات الشيعية ضد المدنيين السنة بما في ذلك ممثل «الحشد الشعبي» في واشنطن الذي اعترف لصحف أمريكية بانه لم يحاكم حتى الآن أي عراقي متهم بقتل أو تعذيب أو حرق منازل مدنيين. وان أقصى عقوبة حصل عليها متهم لا تتجاوز الإيقاف لعدة أسابيع في قاعدة عسكرية وبعد ذلك يتم إطلاق سراحه وكان شيئا لم يحدث، وعلى حد تعبير ممثل «الحشد» فان سبب انتهاكات المتطوعين الشيعة مصدرها الرغبة في الثأر من فقدان أحبة في الماضي، في حين وثقت جماعات إنسانية انتهاكات الميليشيات بما في ذلك الانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها في الربيع الماضي أثناء معركة استعادة تكريت. وهنالك اعتقاد كبير بين المحللين بان الجماعات الشيعية تمارس حملة منظمة من التطهير العرقي مثلما حدث في منطقة ديالي التي أصبحت هذه الأيام مكانا خطرا على السنة.
وقد أعربت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما مرارا للحكومة العراقية عن انها لا تريد مشاركة للميليشيات الشيعية في معارك استعادة المدن العراقية من يدي تنظيم «الدولة الإسلامية» كما حدث في الرمادي. إضافة إلى المعركة المقبلة لاستعادة الموصل، ثاني أكبر المدن العراقية، ولكن الميليشيات الشيعية رفضت هذه الرغبة وقالت بصراحة وبلغة تحدي بانها ستقوم بحملة عسكرية لاستعادة الموصل خلال الأشهر الثلاثة المقبلة مع مزاعم بانها ساعدت الولايات المتحدة بالفعل في معركة استعادة الرمادي على الرغم من انها لم تدخل المدينة.
وفي الواقع، لا تستطيع الإدارة الأمريكية من الناحية القانونية التعامل قطعيا مع الميليشيات الشيعية حيث تشترط تشريعات الكونغرس على أوباما تقديم شهادة بان المساعدات الأمريكية لا تذهب إلى وحدات ترتكب انتهاكات. ورغم صعوبة الحصول على شهادات على الانتهاكات إلا ان هناك الكثير من الأدلة التي قدمتها المنظمات الدولية على فضائع الميليشيات الشيعية التي أفلتت من العقاب.
ومن المرجح عدم استجابة الحكومة العراقية بشكل فعال لضغوط الإدارة الأمريكية بشأن ميليشيات «الحشد الشعبي» فحكومة بغداد لم تقم حتى الآن بما ينبغي عليها القيام به لكبح جماح الميليشيات وخاصة فيما يتعلق باستعادة السيطرة الأمنية على المناطق المحررة. ووفقا لأقوال الكثير من الخبراء فان بغداد نفسها تواجه العديد من المهام التي تستهلك جهودها مثل مكافحة داعش وإعادة بناء وإعمار الأراضي التي تمت استعادتها من الجماعة المتطرفة وحل مشكلة الميزانية. وعلاوة على ذلك، لا تتعاطف الأغلبية الشيعية أو الأقلية الكردية مع المدنيين السنة بحجج قبيحة في حين يشعر أهل السنة بالحرمان والظلم تماما من قبل الحكومة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة.
وقد تبدو العلاقة غير مترابطة بين معركة استعادة الموصل ومستقبل «الحشد الشعبي» ولكن قراءة عميقة للأحداث المتشابكة والتعليقات تبرز لنا ان هناك علاقة بالفعل. فالموصل مدينة كبيرة، يحتاج تحريرها إلى خطط طويلة الأمد، وموقعها الجغرافي يزيد الأمر تعقيدا، فهي تقع على مقربة من خطوط المواجهة بين قوات البيشمركه الكردية وقوات تنظيم الدولة وقاب قوسين أو أدنى من مواقع القوات العسكرية لحكومة اقليم كردستان وعلى بعد 150 كيلومترا من مواقع الميليشيات الشيعية، وكانت هناك توقعات بان تساعد الميليشيات الشيعية في استعادة السيطرة على المدينة بالتعاون مع الجيش والدور الاستشاري للولايات المتحدة واقليم كردستان ولكن فرصة التعاون، الآن ضئيلة جدا بين الأكراد والشيعة بسبب أعمال العنف التي اندلعت في السابق بين الأكراد والتركمان الشيعة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بمدينة طوز خورماتو. وهذا يعني بالتأكيد منع «الحشد الشعبي» من القيام بدور مستقبلي في أهم معركة متوقعة بين بغداد وقوات تنظيم الدولة في الموصل وهو الأمر الذي أكده وزير الدفاع العراقي العبيدي قائلا انه لا مكان للحشد الشعبي في معركة الموصل.
الفظائع المروعة التي ارتكبتها الميليشيات الشيعية العراقية التابعة للنظام الإيراني في مناطق مختلفة في العراق بما في ذلك خطف العديد من المواطنين الأمريكيين في بغداد والقطريين في الجنوب، ساهمت إلى حد كبير في تفاقم الأزمات التي تجتاح العراق، وقد استخدمت بعض هذه الميليشيات الدموية مثل فيلق بدر وعصائب أهل الحق وحزب الله العراقي، موارد الحكومة العراقية لقمع أهل السنة والشيعة الذين يعارضون التدخل الإيراني. وقد تمتعت هذه الميليشيات بفترة ذهبية في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، وبعد إزالة المالكي من السلطة، تم إنشاء «الحشد الشعبي» بتمويل حكومي بهدف محاربة تنظيم الدولة ولكن هذه الميليشيات اغتمنت الفرصة لتحقيق أهداف النظام الإيراني. وعلى الفور ظهرت مطالبات واضحة من شخصيات دينية بارزة بنزع سلاح هذه الميليشيات وإنقاذ العراق من الإنجراف إلى منزلق خطير، ووصلت هذه الدعوة إلى مطالبة الولايات المتحدة بوضع ميليشيات الحشد الشعبي على قوائم المنظمات الإرهابية وحث الحكومة العراقية على جلب قادة المنظمة للعدالة.
الولايات المتحدة تعلم تماما الجرائم التي ارتكبتها ميليشيات «الحشد الشعبي» وتدرك، أيضا علاقتها بالنظام الإيراني، وهي على معرفة تامة بانها سبب في زيادة التوتر بين السنة والشيعة في العراق، ووفقا للتصريحات والتعليقات الخارجة من واشنطن بين الفينة والأخرى، هنالك وضوح تام في موقف واشنطن بمنع مشاركة هذه الميليشيات في أي أدوار سياسية أو عسكرية في العراق في الوقت الحاضر، ولكن هذا الموقف لم يصل إلى مرحلة أخلاقية حاسمة ومطلب سياسي علني حازم بحل هذه الميليشيات أو التهديد على الأقل بوضعها في قوائم المنظمات الإرهابية رغم مطالبتها بغداد سرا بهذا الشأن.

رائد صالحة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية