خطأ واحد في تفكير رئيس دولة يغير خريطة العالم. في نهاية آب وبداية ايلول 2013 وصلت أجهزة الاستخبارات الغربية (وبعد ذلك محققون من الأمم المتحدة) إلى استنتاج واضح: في حربه ضد الثوار يستخدم نظام الاسد سلاحا كيميائيا. قصف فتاك واحد ضد مدنيين وثق وتسبب بهزة في الرأي العام. وأعلن الرئيس اوباما بان هكذا اجتاز الحكم في سوريا «خطا أحمر»، والولايات المتحدة لم يعد يمكنها الامتناع عن رد مناسب. جرى الحديث اساسا عن اعمال قصف مركزة وعن فرض منطقة حظر طيران قرب خطوط الجبهة وحول التجمعات السكانية. الطائرات السورية التي تدخل إلى المنطقة تتعرض لاعتراض سلاح الجو الأمريكي.
رغم المعارضة الروسية الصاخبة، انتظر العالم بتحفز بيان اوباما الدراماتيكي عن الحملة التي كانت ستبدأ التدخل العسكري الأمريكي النشط في الحرب الاهلية السورية (في حينه كانت ابنة سنتين وربع). اما البيان فلم يأتِ. في الاتصالات خلف الكواليس تمت تسوية سوريا ـ روسية ـ أمريكية، بموجبها تنزع سوريا مخزونها من السلاح الكيميائي والولايات المتحدة تلغي خطتها القتالية وانتهاج منطقة حظر طيران في سماء سوريا.
لقد بدت التسوية في حينه انجازا مثيرا للانطباع للدبلوماسية الهادئة، وكمجدية جدا لإسرائيل. وتخلى الاسد بالفعل عن 98 في المئة من السلاح الكيميائي، وتنفست أمريكا الصعداء ورفعت يديها عن الحرب الاهلية في سوريا، باستثناء مساعدة محدودة لعدة جماعات من الثوار. في نظرة إلى الوراء، ينبغي لتقويم الاتفاق أن يتغير: محظور على القوة العظمى الديمقراطية الاقوى في العالم أن تتجلد امام نظام دكتاتوري متعطش للدماء. فالتجلد لم يفهم في دمشق ككبح جماح ذاتي من موقف قوة بل فسر كضعف سياسي، استسلام للرأي العام الكاره للمخاطرة، وبالتالي كإذن بالعربدة ـ فعربد الاسد.
متحرر من الخوف من سلاح الجو الأمريكي تفرغ الطاغية من دمشق لحرب ابادة ضد الثوار. حجوم ووحشية هذه الحرب ينعكسان في تقرير خاص نشره الاسبوع الماضي «المركز السوري لبحوث السياسة»، وهو منظمة تدعمها الأمم المتحدة. يقترب عدد القتلى في سوريا من 500 الف، وعدد الجرحى من 1.9 مليون. عدد اللاجئين والذين بلا مأوى يزيد عن 11 مليون. نحو 40 في المئة من السكان في سن العمل عاطلون عن العمل. 60 في المئة من الاطفال في سن المدرسة لا يتعلمون، مدى العمل انخفض إلى 55 سنة والثمن الاقتصادي للحرب وصل إلى 250 مليار دولار. الاسد نفسه، بعد عدة تقلبات في المعارك، قريب من اختطاف النصر على اجنحة المساعدة العسكرية الروسية المكثفة، التي حلت محل المساعدة غير الناجعة لإيران.
أكاد أكون واثقا من أن كل هذا ما كان ليحصل لو لم يغير اوباما، في اللحظة الاخيرة تماما، رأيه ولم يتراجع عن نيته معاقبة نظام الاسد عسكريا على استخدام السلاح الكيميائي. ما بدا في حينه كاعلان نصر للدبلوماسية، يبدو اليوم كاجراس دفنها. ففي مؤتمر صحافي هاذٍ في ميونخ أعلن يوم الجمعة الماضي وزير الخارجية الأمريكي كيري ووزير الخارجية الروسي لافروف عن «مهلة في غضون اسبوع في الاعمال العدائية» في سوريا – اعلان فيه لاول مرة اعتراف أمريكي بحكم الامر الواقع بالانجازات العسكرية للتحالف السوري ـ الروسي وبقدرته على حسم المعركة.
ان السياسة غير الثابتة لادارة اوباما في الشرق الاوسط ليست مرفوضة من اساسها: فهي يمليها الواقع في منطقتنا، والذي يتغير على نحو دائم. فالوضع مركب ومتفجر لدرجة ان كل حركة متهورة من شأنها أن تؤدي إلى المصائب بدلا من أن تمنعها. ولكن في رده على وحشية حرب الاسد، اخفق اوباما. اخطأ عندما لم يتبنَ المفهوم التشرتشلي في الحرب العالمية الثانية المتعلق بصفر اتصال، حتى وان كان غير مباشر، بالنظام النازي ـ ولخطأه نتائج تاريخية قاسية. فاستخدام سلاح الجو الأمريكي في خريف 2013 كان سيسرع نهاية الاسد، يوفر مئات الاف القتلى والجرحى، يهز قوة المحافظين في إيران ويمنع داعش من أن يتحول إلى تهديد عالمي.
يديعوت 14/2/2016
سيفر بلوتسكر