المغربي محمد العناز في «عيون بيضاء» وقميص يوسف ذكرى!

حجم الخط
0

حين كسر عن سابق عناد «جليد منتصف العمر» ـ كتابه ـ ظهرت «كثبان الماء» ـ كتابه ـ كعَيْن البَحْرِ تَكَادُ تَسْرِقُ الأَزْرَقَ مِنْ جِلْدِ السَّمَاءِ، لاَ تَدْمَعُ إِلاَّ حِينَ تَغِيّمْ، «أَدْرَكْتُ (حينها) أَنَّنِي جُزْءٌ مِنْ أَجْسَادٍ مَرَّتْ مْنْ هُنَا، نَامَتْ عَلَى الضَّيْمِ وَافْتَرَشَتْ جِلْدَهَا»..
لعلها غاية العطش تبرر وسيلة الغائبين، الذين وقعوا عن غير دراية في شبهة التأويل، عندما كان المعنى منشغلا برسم «خطوط الفراشات» ــ كتابه ـ الآيلة للاحتراق في مضمر الكنايات، يقيناً لم نزل نكتبه ملء الحبر: عيون يوسف غاوية، و»أَمَا القَمِيصُ فَلَمْ يَكُنْ غَيْرَ ذِكْرَى».
«عين نحاتٍ أعمى» للشاعر المغربي محمد العناز، مجموعة صادرة عن دار النهضة العربية البيروتية 2015.. قبل ذي بدء لا بد من تعرية الكلام لننجو بالشعر كونه العتبة العليا التي تشرف على مجاهل المَعنى والرسائلِ والغيَّاب، ولأن: القَصِيدَةُ المَنْسِيَّةُ/ فِي دُولاَبٍ قَدِيمٍ/ شَهِدَتْ ذُبُولَ مَعْنَاهَا/ وكَأَيِّ مُحَارِبٍ قَدِيمٍ/ مَازَالَتْ تَتَشَبَّثُ بِالشَّهَادَةِ»، لزاماً نقول إن محمد العناز يغير بوصلة الشعر ـ الرسالة ـ إلى تداعيات وجودية محسوسة، حين فتح عيون الحقيقة ليجلي غبش «التصاوير»، بافتعاله الومضة سبيلاً للخلاص من إثم الضمير المستتر: مِثْلَمَا الحِرْبَاءِ/ لِكُلِّ شَكْلٍ لَوْنٌ/ ولَكِلُ لوَنْ شكَلٌ/ تَعْرِفُ كَيْفَ تُحَوِّلُ التُّرَابَ/ إِلَى ذَهَبٍ». تعريفاً نقول بأن الومضة كفن أدبي حداثي راق، تعددت سماته والقصد بيّن، الناقد عز الدين إسماعيل في كتابه «بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس»، وتحت معنون «معمارية الشعر المعاصر» قال بأنها: قصيدة قصيرة مكثفة؛ تتضمن حالة مفارقة شعرية إدهاشية، ولها ختام مدهش مفتوح، أو قاطع حاسم».
كَمْ يَكُونُ الحُبُّ أَجْمَلَ/ لَمَّا تُصْبِحُ عَيْنُ السَّارِقِ/ مَسْرُوقهَ».
وكما عرفها الناقد علي الشرع: قصيدة الدفقة الشعورية الواحدة التي تقوم على فكرة واحدة أو حالة واحدة، وتتسم بالاختزالية، وتتشكل بطريقة لمّاحة واضحة سريعة». هنا يُسقط العناز بالقول: اللَّوْحَةُ الَّتِي تَتَفَرَّسُ فِي عَيْنِي/ تَتَوَسَّلُنِي كَيْ أُحَرِّرَهَا».
وذات استعارة يتانص الآية الكريمة قائلاً: وَمَا رَأَيْتُ/ وَلَكِنَّ عَيْنِي رَأَتْ/ وَلَمَّا رَأَتْ بَكَتْ/ وَلَمَّا بَكَتْ تَرَمَّدَتْ».
العناز ومن خلال افتعاله لعتبات ذات دلالات إيمائية ــــ عَيْنٌ سَاهِرَةٌ، عُيُونُ الغَرْقَى،
عَيْنُ الرَّقِيبِ، عَيْنُ مَلاكٍ، عَيْنَا الحَبِيبِ، عَيْنُ الله، لينتهي إلى العنوان الأعلى، عين نحاتٍ أعمى ـــــ يحرف المعنى المثقل بمضمراته، صوب النظر كمدلول فلسفي حسي، له علائقه ومدى انعكاسه على اليومي: العَيْنُ جُرْحٌ مَالِحٌ/ يَسْيلُ عَلَى خَدٍ/
مِنْ وَرْدِ الصَّبَاحِ/ كُلَّمَا لَمْلَمْتُهُ/ انفْلتَ».
راصداً بعين الرقيب الممتدة إلى جوانيات هواجسنا، يوغل بأسئلته الرهيفة: أَيْنَ الطَّرِيقُ إِلى البَيْتِ؟ الطِّفْلُ لاَ يَسْأَلُ/ الوُجُوهُ تَمُرُّ/ مِنْ دُونِ أَنْ تُبَالِي/ كُلٌّ مَأْخُوذٌ بِبُكَاءٍ دَاخِلِيٍّ».
ولأن كاتب الومضة يتسم بالأكثر وعياً وبخلق حوافزها التأليفية والواقعية والجمالية، كما وصفه الناقد أحمد علي هلال، فإن العناز سخر كل ممكناته لخلق فعالية تعبيرية ــ التخييل ـ ذات حس فني (استخدام التقنيات صورة، وخيالا) قوامه الروئ، لكسر النمط ـ التجاور ــ السائد، وصولاً إلى ما يصبو (بلاغة الوصف) من دون أن يثقل المدلول إليه، ليثري قيم الشكل والمضمون والمقولة، أي قيمة الاختلاف والمغايرة الواعية: لاَ يَكُونُ الحُبُّ جَمِيل/ إِلا إِذَا كَانَ المُحِبُّ لِصًّا/ يُتْقِنُ سَرِقَةَ ضِيَاءِ/
العَيْنِ مِنَ العَيْنِ».
وفي مقام آخر يقول: مِنْ خَلْفٍ/ أُغْلِقُ عَيْنَيْهَا بِمِنْدِيلٍ أَبْيَضَ/ وَقَبْلَ أَنْ تَفْتَحُهُما/ تكَوُنُ قدَ تَكَهَّنَتْ بِآخَرَ غَيْرِي».
وهي ذاتها التي: تُتْقِنُ الرَّقْصَ/ وَعَيْنَاهَا أَكْثر/ كُلَّمَا أَمْسَكْتُ بِخَاصِرَتِهَا/ بَادَلْتُهَا إِيقَاعَ القَدَمَيْنِ/ حَوَّلَتْنِي إِلَى سَرَابٍ».
عيون «العناز» الشاعر تقول: لَسْتُ مُسْتَعْجِلاً/ رُوزَنَامَةُ الأشَيَاءِ/ مُكْتَظَّةٌ بِظِلاَلِ الصُّوَرْ/ وَبَعْضُ بَقَايَا المَاءْ/ فَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَفَنِي/ جَاهِزاً بِمَا فِيهِ الكِفَايَهْ/ وَشَاهِدَةُ قَبْرِي/ مَازَالَتْ هُنَا بَيْنَ يَدَيْ/ نَحَّاتٍ أَعْمَى».
وشت كل عيون المجموعة بأنه لن يستريح من العَدْو نحو أرض جديدة يزرع فيها حروفه لتصير الأشجار قصائد.

كاتب سوري ـ فيينا

طلال مرتضى

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية