«أسرلة» اللاجئين

حجم الخط
0

منذ بدأت موجة الهجرة الجماعية إلى اوروبا، وبشكل أكبر بعد الاحداث العنيفة عشية العام الجديد، يطلب الكثير من قادة اوروبا من طالبي اللجوء من شمال افريقيا ومن الشرق الاوسط أن يتبنوا نمط الحياة الغربي، حتى قبل أن يجدوا مكانا دائما يعيشون فيه. أن يتعودوا على حالة الطقس الباردة أو يتحدثون بضع كلمات من اللغة الجديدة. مئات آلاف المهاجرين يمرون بسلسلة تعليمية شاملة في اوروبا، انطلاقا من فرضية أنهم قطيع بدائي من المخلين المحتملين للنظام.
في تلك الدروس يعلمون اللاجئين القوانين وتاريخ وجغرافيا القارة التي قد تبدو في نظرهم مُنحلة أو لا حدود لها. وهم يطلبون منهم أيضا ترديد القول الذي يردده القادة دائما: تعلموا «القيم الاخلاقية» للمجتمعات التي يفترض أن تندمجوا فيها.
جزء من برامج التعليم هذه موجودة منذ سنوات، وجزء يتم الآن وضعه وتطويره باهتمام. ففي بلجيكا مثلا يقوم المرشدون عن طريق الرسم بالتأكيد على ضرورة الحديث همسا اثناء السفر في المواصلات العامة، وعلى أن البلجيكيين لا يحبون الحديث مع الاشخاص الذين لا يعرفونهم، وأن النساء يُقبلن بعضهن مرة واحدة على الخد عند الالتقاء في الشارع، وأن الرجال يُقبلون الخد أو يكتفون بالمصافحة. وأن هناك طريقة متعارف عليها للتعرف على فتاة (انظر اليها، لكن لا تبقي نظرك، قدم نفسك وابتسم ولا تلمسها أبدا).
اللاجئون الذين وصلوا إلى النرويج يجب عليهم تعلم دورات جماعية حول «السلوك الجنسي الصحيح»، وكيف يكون التعامل مع النساء المحليات. في هولندا يتعلمون كيفية التصرف في محطة القطار أو في أماكن سقوط الثلج. أو كيفية التعرف على الملك أو رسم ريمبرانت. ويقولون لهم أيضا أن هناك من النساء من يلبسن بشكل حر.
اضافة إلى السلوك والاخلاق، يلزم الاوروبيون اللاجئين بتعلم قيم القارة. ففي هولندا يقولون لهم إن المجتمع المحلي مؤسس على فصل الدين عن الدولة. وأن هناك حرية دينية ولا يوجد دين رسمي. وتوجد حرية تعبير وصحافة حرة. ويُطلب منهم الفهم أن هولندا لا تتحمل التمييز بأشكاله: محظور التمييز ضد أحد بناء على العرق أو الدين، النساء متساويات في الحقوق مع الرجال. والمثلية مقبولة في الدولة. ومن يريد الحصول على عمل يجب عليه التوقيع على أنه يؤيد القيم الاساسية للمجتمع الهولندي.
من الصعب تخيل وجود برامج تعليمية مشابهة في إسرائيل. ليس فقط لأن التعامل مع اللاجئين وطالبي العمل يسير على خط بين التعذيب والاهمال. بل ايضا لو فرضنا أن سياسي محلي سيقوم ويقترح وضع برامج تعليمية «إسرائيلية». فهل يمكن وضع قائمة معايير وقيم يُقام عليها المجتمع الإسرائيلي، وأن كل من يأتي إلى هنا، بغض النظر من أين جاء، يجب أن يرددها قبل أن يسمى «إسرائيلي»؟ يصعب الحديث عن مباديء مثل الحرية والانفتاح وتقبل الآخر والتمييز والديمقراطية والسلام في السياق الإسرائيلي دون السخرية من ذلك.
حسب قانون المساواة في فرص العمل مثلا، محظور أن يقوم رب عمل إسرائيلي بالتمييز ضد اشخاص بناء على الدين أو العرق أو الجنس أو القومية أو العمر أو مكان السكن. لكن هذه القائمة الطويلة، رغم أنها تصف النظام الذي سنته الكنيست، فانها لا تصف أبدا المزاج العام في إسرائيل.
إسرائيل ليست دولة الفرص المتساوية، بل على العكس. المثلية مثلا لا تناقض القانون في إسرائيل، لكن رغم حملة التصويت والاقناع الذاتي للسكان المحليين حول الانفتاح الإسرائيلي، فان إسرائيل ليست مؤيدة للمثلية بشكل واضح. هذا ليس جزءا من الـ دي.ان.ايه الخاص بها. إنها تستوعب جزر من الليبرالية والغيتوات التي يستطيع الآباء المثليون أن يدفعوا العجلات في الطريق إلى البيت. لكن المثلية ليست بحق جزءا من النقاش الإسرائيلي المركزي أو الاجواء المسيطرة.
من الناحية الفكرية يسيطر هنا الفراغ الاخلاقي والفوضى. ما هو المزاج في إسرائيل؟ الأمر الذي يُعرفنا أكثر من أي شيء آخر هو عدم وجود التعريف: الفوضى، التناقضات وحرب لا تتوقف. ومن هذه الناحية، خلافا لما نتصور، فاننا أقرب كثيرا من اللاجئين من قربنا لدول اوروبا المنظمة. عمليا يبدو أن المعاملة التي يتلقاها الغرباء هنا لا تختلف كثيرا عن المعاملة التي يتلقونها هناك: منذ لحظة وصول اللاجئين فانهم يشعرون على جلودهم بالتعليم الإسرائيلي المكثف. اضافة إلى التعذيب والانغلاق والاهمال والبلبلة، فهم ينضمون إلى الفوضى وإلى المصلحة المحلية. هكذا على الأقل نقترح عليهم مساق مكثف في كيفية تحولهم إلى إسرائيليين.

هآرتس 15/2/2016

افشالوم حلوتس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية