اتخذت إدارة صحيفة الإندبيندنت البريطانية قراراً بإيقاف صدور النسخة الورقية ابتداء من أواخر الشهر المقبل، والاكتفاء بالطبعة الإلكترونية. الأسباب وراء القرار مالية والهدف ترشيد النفقات وتقليص الخسائر بعد 30 سنة من الوجود والتميز على الرغم من محدودية الانتشار.
القرار الذي يبدو في ظاهره إداريا داخليا هو في الحقيقة خطوة تاريخية ومؤشر على تحوّل كبير يجسد نهاية عهد وبداية آخر في عالم الصحافة التقليدية.
الإندبيندنت مملوكة منذ 2010 لعائلة رجل الأعمال الروسي ألكسندر ليبيدِف الذي يوصف بالأوليغارشي، والذي اشتغل في عالم المال والأعمال بالاتحاد السوفييتي السابق مع تماس واضح مع جهاز المخابرات (كي جي بي). تمتلك العائلة كذلك صحف الإندبيندنت أون صانداي الصادرة يوم الأحد ولندن إيفنينغ ستاندرد العريقة (عمرها قرابة 190 عاماً وتوزع مجانا في شوارع لندن) وصحيفة «آي»، بالإضافة إلى صحيفة نوفايا غازيتا الروسية.
لم يكن هناك شك في أن المؤسسات الصحافية، البريطانية وغيرها، تعاني مالياً منذ ظهور الإعلام الجديد إنتاجًا واستهلاكا، خصوصا الصحف التي لا تنتمي إلى امبراطوريات مالية وتجارية تستطيع تعويم عجزها وامتصاص خسائرها.
وتأتي صحيفتا الغارديان والإندبيندنت على رأس المطبوعات البريطانية الأقل قدرة على الصمود أمام عواصف الإعلام الجديد وقساوة السوق. الأولى اضطرت إلى وضع خطة تقشف تتضمن توفير نحو 50 مليون جنيه أسترليني وتبدأ هذا العام، والثانية اختارت الحل الجذري المتمثل في الاستغناء عن الطبعة الورقية. والصحيفتان تتنافسان على الشريحة نفسها من القراء وتتقاسمان الكثير من وجهات النظر المهنية والتحريرية (وهذا ما قد يفسر شدة اهتمام الغارديان بأخبار الإندبيندنت وكأنها تتعجل موتها!).
تَرافق الكشف عن قرار وقف طباعة الإندبيندنت يوم الخميس مع أنباء عن مفاوضات متقدمة من أجل ان تبيع مجموعة الإندبيندنت صحيفة «آي» لمجموعة «جونستن برس» المالكة لصحيفتي «يوركشير بوست» (شمال إنكلترا) و»سكوتسمان» الصادرة في إدنبرة عاصمة اسكتلندا. قيمة الصفقة نحو 24 مليون جنيه أسترليني، و»آي» اكثر انتشاراً من الإندبيندنت ذاتها، وتباع بسعر أقل علما أنها في أول صدورها شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2010 كانت تباع بسعر رمزي.
السؤال في الصفقات التي حدثت وستفرضها الظروف وتحدث، هو: أين المال العربي؟
استثمر رجال الأعمال العرب، وبالخصوص الخليجيون كأشخاص ودول وصناديق سيادية، الكثير من الأموال في السنوات الأخيرة في مجالات السياحة والفنادق والعقارات والمصارف الغربية. لكن استثماراتهم في الإعلام قليلة، بل منعدمة ومنحصرة في إعلام ناطق بالعربية موجه إلى العرب.. كمن يبشِّر في المؤمنين! وأسباب غياب الاستثمار العربي في الإعلام الغربي متعددة ربما أبرزها أنه مجال مغلق أمامهم ويخضع لسياقات أخرى تختلف عن الاستثمار في الفنادق أو صناعة السيارات.
العرب حاليا في وضعية متهم وفاشل وعاجز ومغيّب عما يجري في العالم من أحداث، على الرغم من أن أغلب هذه الأحداث، وربما كلها، تجري من حولهم وبسببهم وتستهدفهم، وهم الأكثر تأثراً بها على كل الأصعدة.
ومن هنا فلا شك أن العرب هم أكثر الناس والأعراق في هذه الظروف حاجة إلى وسائط إعلام نافذة ومتغلغلة في المجتمعات الغربية وفي أوساط المال والأعمال ومراكز صناعة القرار الدولي.
أن تستثمر في الإندبيندنت أمر يتضمن أكثر من هدف.. فأنت تضع أموالك في حصان يمتلك كل أسباب الفوز على الرغم من كثرة خصومه والذين يكيدون له. ويعني أن تستثمر في مجموعة من القيَم السياسية والإعلامية والإنسانية التي توشك أن تنقرض في الإعلام الغربي. ويعني أنك تضع أموالك في الحفاظ على قيَم تشبهك وتشبه منبتك والظلم الذي تعرضت وتتعرض له في هذا الإعلام الغربي بالذات.
الإندبيندنت هي الصحيفة التي ذكرها توني بلير بالإسم واتهمها عشية مغادرته رئاسة الوزراء بأنها من «الكواسر» التي تعرقل بناء «العالم الديمقراطي» الذي سعى لبنائه (هو وجورج بوش الإبن!!). لا لشيء إلا لأنها وقفت، وواصلت الوقوف، له بالمرصاد وأصرت على كشف كذبه المستمر وجرائمه المترتبة عن احتلال في العراق عام 2003.
الإندبيندنت صحيفة تغرّد خارج السرب وتصر على التنفس خارج الإطار المرسوم للإعلام الغربي ككل، وعلى أن تكون لها حرية خارج الحرية الممنوحة داخل الإطار الجاهز سلفًا. هي الصحيفة التي تتبنى حملة جمع التبرعات لمستشفى الأطفال الأكثر شهرة في العالم وبريطانيا، «غريت أورموند ستريت هوسبيتل»، الذي، في كل يوم تطلع فيه الشمس، يصنع أطباؤه وممرضوه وموظفوه معجزة وحياةً جديدة، ويعيدون البسمة إلى وجه أم يئست من شفاء ابنها أو ابنتها. ومن مساوئ الصدف أن إعلان الإندبيندنت وقف الطباعة الورقية يصدر في ذروة الحملة الخيرية وما تلقاه من رواج حتما لا يعجب «كواسر» مستشفيات وصحف القطاع الخاص.
ليس واضحاً أن الإندبيندنت معروضة اليوم للبيع، وهي لم تعلن أنها وصلت إلى مرحلة «اليأس» التي بلغتها سنة 2009 عندما نزلت عائلة ليبيدِف لإنقاذها. لكنها لا تبدو بعيدة عن ذلك الوضع وإن بدت المغامرة الإلكترونية التي تعتزم خوضها مغرية وتستحق أن تُجرّب وتُمنح فرصة.
من واجب المستثمرين العرب المنتشرين في عالم المال والأعمال في لندن أن ينتبهوا لسوق الصحف و أن يستعدوا. ليس من حقهم «تضييع» الإندبيندنت مرة أخرى، ولن يُغفر لهم ذلك.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي