أفتحُ الرواية التي اقتنيتُها البارحة، وأقرأ السطر الأول: «لماذا في بداية كلّ شيءٍ يوجدُ ضوءٌ ما؟ كانت ذكرياتُ دوريغو إيفنز المبكّرة مفعمةً بضوء الشمس». أغلقُ الرواية وأنظر إلى أولى خيوط الشمس التي تتمدّد فوق البحر، لترسم المسافة بين اليابسة التركية واليابسة اليونانية، بين ما نراهُ أبيضَ وما نراه أسود، بحُكْم خداع البصر.
«مَنْ يركبُ البحرَ لا يخشى من الغرَقِ» ليس الأمرُ شطحةً شعريةً فحسب، بل هو أقربُ إلى المحاكمة العقلية، فأنت لا تحتسبُ الموتَ حين تكون بين أنيابه، ولا تفطنُ بالمال حين تكون جيوبكُ ممتلئة، ولا تفكّر بالجنس عندما يكون الجسدُ الآخرُ منصهراً مع جسدك.
كانت أبياتُ قصيدة «أوليس» لألفرد لورد تينيسون تتردّد في خاطري فوق البحر، تتردّد بلغتها الأصليّة فأحاول تأويلها بالعربية، لا لشيءٍ سوى لتمرير الوقت، ولمنعِ الذهن من الشطَط بين الأمواج، فلا يجوزُ إعطاءُ العقل حرية التفكير متى أراد: النهارُ الطويلُ يتلاشى/ القمرُ البطيءُ يصعدُ إلى الأعلى/ والنواحُ العميقُ يطوفُ بآلاف الأصوات/ تعالوا يا أصدقائي، لم يفُتِ الأوانُ بعدُ، للبحث عن عالمٍ جديد». قبل أيامٍ نصحتُ صديقتي الكاتبة الشابة بقراءة الإلياذة والأوديسة، فالأدب الغربي يبدأ من اليونان، وكذلك الهجرة من الشرق إلى الغرب، فلا بُـدّ لها منْ أنْ تسلكَ رحلة أوديس بين الجزر العجيبة، وتحطَّ بهدوءٍ مثل أغاني سافو فوق الرمال الذهبية. جزيرةُ ليزبوس كانت المحطة الأولى للشعر الغنائي، وصارتْ المحطة الأولى لهجرة القرن الواحد والعشرين الكبرى.
على اليابسة العجوز، تصلُكَ صُورٌ مسرّبةٌ من يوم الحشر، ملائكةٌ أو شياطين -لا يهمُّ- ينظّمون تدفّق العبادِ أفواجاً إلى فردوسهم الموعود، بعد أنْ أضاعوا الفردوس الأولى، وسوف يُضيعونها دائماً، لحكمةٍ إلهيةٍ في كلمةٍ بشرية. أفتحُ الرواية وأقرأ: «عالمٌ من الندى، وداخل كلِّ قطرة ندى، عالمٌ من الصراع».
كان الطريق الضيّق من جنوب شرق أوروبا إلى شمال غربها، يمرُّ عبرَ سككِ الحديد، ضيّقاً مثل سكّة الحديد، طويلاً ورتيباً وأبدياً مثل سكة الحديد. سِككُ حديدٍ مهجورةٌ من أيام الحرب العالمية الثانية، تتخلّلُها محطاتٌ مقفرةٌ تصلحُ كمقابر للأشباح، وتُـسـيَّـرُ عليها قطاراتٌ لم أرَ مثلَها سوى في الأفلام التي صوّرتِ الحربين العالميتين. ومع مسيرنا المتواصل عبر هذا الطريق الضيّق المؤدي إلى أقصى الشمال، تصبحُ الشمسُ فتاةً خجولة، وينسدِلُ الضبابُ مثل فساتين العرائس على الأشجار العارية، وتدخلُ اللسعةُ الباردةُ في عُمق المفاصل. وهكذا، ستجدُ نفسكَ فجأةً، ممثّلَ كومبارس في فيلم لأندريه تاركوفسكي. في خيام الصليب الأحمر المنتشرة عند الحدود، التي لم تكنْ حدوداً قبل الهجرة الكبرى، لكنّ للضرورات – كما يُقال- أحكام، أفتحُ الرواية وأقرأ: «للحرب منطقُها الخاصّ، يؤمنُ الإمبراطورُ بالروح اليابانية التي لا تُهزَم، الروح التي لا يملُكها الغرب، الروح التي ستنتصر في النهاية. ويأمرُ عام 1943 بإنشاء سكّة حديد تمتدُّ من تايلاند إلى بورما بطول 415 كم، من أجل دعم قواته التي تحاربُ الحلفاء هناك، بالرجال والعتاد. لكنه لا يملك المال أو الآلات أو الوقت لذلك، فيأمرُ باستعباد أسرى الحرب، وإجبارهم على إنشاء هذه السكّة (التي ستُسمّى لاحقاً: سكّة الموت) في غضون عشرة أشهر». مات الآلافُ من أسرى الحرب أثناء عملهم على فتح الطريق، وإنشاء سكّة الموت الذاهبة إلى الشمال، ماتوا تعباً وجوعاً ومرضاً وقهراً وإعداماً. كذلك مات الآلافُ من المهاجرين إلى قارَة الشمال، تعباً ومرضاً وغرقاً وتصفيةَ حساباتٍ بين تجّار البشر. كان بطلُ الرواية يعالجُ – عبثاً- صديقه الأسيرَ المصابَ بالكوليرا، ولكي يخفّفَ عنه قال: «ألا تؤمنُ بوجود الله يا بونوكس؟»، فأجابه: «لا أعرف يا كولونيل، إنهم البشرُ الذين بدأتُ أشكُّ بوجودهم»!
على الحدود بين دولتين أوروبيتين، ينامُ آلاف المهاجرين في العراء لأيام، يخالفون قوانين حماية البيئة والأحراج، حين يُكـسِّـرون أغصانَ الشجر ويتدفّأون عليها. لم يعاتبهمْ أحدٌ على فعلتهمْ، فهذه المنطقة الحدودية تبرّأتْ كلتا الدولتين من تبعيّتها لها. بينما يحتشدُ الصحافيّون رافعينَ كاميراتهم اليابانية العالية الدقة، ولا غرابة في ذلك، فنحنُ منذُ خمس سنواتٍ فُرْجةٌ للعالم، نحنُ مسلسلُ رعبٍ مكسيكيُّ الطُول يقتحمُ بيوت الآمنين. أفتحُ الرواية وأقرأ: «كان الظُلمُ أبدياً، عظيماً وحقيقياً، كان الظلمُ أكبرَ من الحضارات التي أنجبتْه». أتذكّرُ ما أعرفهُ عن مناهضة الإمبريالية، من روزا لوكسمبورغ إلى نعوم تشومسكي، وأتحدّثُ إلى وسائل الإعلام، إلى المنظمات الدولية، إلى الشرطة والعسكر، إلى أيّ شخص كان، فقط لتقطيع الوقت وللإحساس بذرّة وجود. أفتح الرواية وأقرأ: «في هذا العالم، نسيرُ على سقف الجحيم، مُحدِّقين بالأزهار».
«هل القلبُ للشرق والعقلُ للغرب؟» أسمعُ صرخةَ مهدي عامل هذه، وأتساءلُ لماذا اخترتُ هذا التمزّق والفصام الأبديين؟ لماذا لم أختر طريقَ مهدي عامل؟ وما الذي ينتظرني في نهاية هذا الطريق الضيّق إلى أقصى الشمال؟ أتمنّى لو كنتُ من جيل الستينيات، يومها كان الثوارُ جورج حبش وآرنستو تشي غيفارا ومارتن لوثر كينغ. أما في زمني اللعين، فأحسُّ بأنّ جميع قضاياي الشخصيّة والعامة خاسرة، ولا تستحقُّ العناء أو التعاطُفَ من أحد.
في نهاية الرواية، يعودُ البطلُ إلى بلاده، لكنه لا يعودُ إلى نفسه أبداً، فمَنْ يسلكُ الطريقَ الضيّق إلى أقصى الشمال، تتساقطُ منه الكثيرُ من الأحلام والسنوات والذكريات والأهداب، حتى يصيرَ قلبُه قاسياً وبارداً مثل سكّة الحديد التي سار عليها. يقطنُ العديدَ من البيوت، ويتحدّثُ العديد من اللغات، لكنه لن يجدَ وسادةً تُريح رأسَه، ولا لغةً يتحدّثُ بها مع نفسه.
** «الطريق الضيّق إلى أقصى الشمال» رواية للكاتب الأسترالي ريتشارد فلانغان، صدرت عام 2013، وفازت بجائزة «البوكر» للرواية الإنكليزية عام 2014.
كاتب سوري
عبد الكريم بدرخان