تركيا والأردن ومكاسب اللاجئين

حجم الخط
3

قبل ثلاث سنوات حضرت ندوة في المجمع الملكي للطب في لندن واستوقفتني مداخلة مسؤولة بريطانية بأن استراليا تعد ثالث متلق للمساعدات من استراليا نفسها لمعالجة معضلة اللاجئين التي تواجهها. تساءلت بأن الأردن الصغير بحجمه والفقير بموارده الطبيعية فتح أبوابه على مصراعيه لاحتضان أعداد فلكية من اللاجئين السوريين والعراقيين على مدى الأعوام السابقة عدا عن لاجئين من فلسطين وليبيا واليمن والسودان ممن تقطعت بهم السبل وضاقت بهم الأرض بما رحبت رغم ما يشكله هؤلاء من أعباء على البنية التحتية التعليمية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والصحية والبيئية. وتسألت ما ستفعله استراليا ودول أوروبية لواستفاقت شعوبها على مليون لاجىء يجثمون على الشواطىء رغم غناها الاقتصادي وثرواتها الطبيعية الهائلة.
باتت معضلة اللاجئين تقلق القارة الأوروبية بل وتهدد مشروع الاتحاد الأوروبي برمته وتهدد بانفصال بريطانيا عن أوروبا.
المهم ما قرأته في صحيفة «الغارديان» البريطانية عن زيارة المستشارة الألمانية ميركل لتركيا وما تواجهه من مشاكل اللاجئين وعن الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا التي تعهدت بها القارة الأوروبية بتقديم ثلاثة مليارات دولار كل سنة على مدار سنتين والرقم مؤهل بالارتفاع مع الغاء تأشيرات الدخول للأتراك إلى كل الدول الأوروبية مع استئناف مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
تركيا من أقوى اقتصاديات العالم العشرين عدا عن كونها دولة صناعية وسياحية بامتياز يصلها سنويا ملايين السياح من العالم ويدخلها مليارات الدولارات من السياح ومن تحويلات الأتراك في الخارج (ستة ملايين في ألمانيا وحدها).
الأردن بالمقارنة فقير ومديون بمليارات الدولارات ونسبة لقلة موارده الطبيعية وحجمه تحمل من اللاجئين عشرات أضعاف تركيا عدا عن أن الأردن صمام أمان واستقرار اقليمي ودولي كونه وسط نزاعات دولية من القضية الفلسطينية والعراق إلى سوريا واليمن والخليج العربي. رغما عن ذلك مؤتمر لندن الأخير تعهد بأقل من مليار للأردن وكما قرأت بقروض من البنك الدولي والبنوك الدولية ليست مؤسسات خيرية تمنح وتهب بدون مقابل وبدون فوائد. السياحة بالأردن رغم أهميتها لا يمكن أن تسد عجز الميزانية وترقى بالاقتصاد فالخدمات السياحية ضعيفة مقارنة حتى بإسرائيل والبتراء ووادي رم والعقبة هي أماكن سياحية واستراحة ترانزيت للسائح الأجنبي والأوروبي في طريقه للمقدسات المسيحية في المناطق الفلسطينية وإسرائيل فلا تتجاوز اقامة السائح أكثر من أيام معدودة في هذه الأماكن ولا يمكن أن تدر الايرادات السياحية أوتشكل القطاعات السياحية موارد رزق كدول مثل سنغافورة وتايلند والمغرب وتركيا واليونان وغيرهم ناهيك عن الترهل الاداري والبيروقراطية وتفشي المخدرات والرشاوى والفساد.
المكاسب الأردنية قليلة مقارنة بالتركية وحتى بالايرانية بعد الاتفاق النووي بين أمريكا وأوروبا وايران. فما هي أسباب عدم القدرة على لعب بطاقة اللاجئين بقوة رغم أن الملك عبد الله الثاني وضع وبقوة الموقف الأردني وشرح الأعباء الطائلة التي يتحملها الشعب الأردني نتيجة معضلة اللاجئين وارهاصاتها على البنية التحتية الأردنية وضرورة دعم الأردن كونه الدرع الحصين لأوروبا والعالم أجمع في وجه قوى الشر والظلام التكفيرية.
في رأيي أجد بأن الإعلام الأردني لم يرق إلى مستوى الحدث والى النظرة والتوجيهات الملكية لشرح الموقف الأردني فهذا العمل جماعي بحت وكما يقال يدا واحدة لا تصفق لوحدها. الإعلام الأردني يعد الأضعف عربيا ورغم الأحداث الجلل التي تعصف بالمنطقة العربية لم يرق هذا الإعلام إلى مستوى المسؤولية ويمكن تعليل ذلك بقلة شراء الصحف الأردنية اليومية وقلة الطلب عليها لانتشار الانترنت وسهولة مطالعة صحف عالمية ذات مصداقية مهنية ودقة في وصف وتحليل الخبر.
عدا عن عامل مهم وهوأن المواطن العربي لا يعتبر شريكا في صناعة القرار كالمواطن الغربي فالصحف الغربية تصل لعقول المواطنين الغربيين وليست أبواقا لحكومات بائسة كالحكومات العربية أوصلت شعوبها إلى حالة يرثى لها من الاقتتال الدموي الداخلي والهدم والاختلاف والتناقض وتقويض البنى التحتية والأمثلة كثيرة من ليبيا واليمن إلى سوريا والعراق والحبل على الجرار.
ضعف الإعلام يكمن في انعدام الرؤية المستقبلية للتواصل مع الإعلام الغربي في وقت نحن في أشد الحاجة لفهم العالم الغربي والوصول اليه وتوعيته عن الدين الاسلامي النابذ للعنف والارهاب والتطرف والغلووالكراهية واقامة جسور بين الشرق والغرب والتأكيد على مبدأ الوئام بين الأديان والتسامح والعدل والكرامة الانسانية وتكافؤ الفرص وتبديد الصورة المشوهة عن الدين الاسلامي.
الإعلام الأردني لا يعدوعن اعلام تمجيدي للملك ولطالما عبر جلالته بأن الحاصلين على أدنى المعدلات في الثانوية العامة في الأردن يدرسون الشريعة الإسلامية والإعلام وهما أهم اختصاصين في زمننا الحالي الذي تتعالى فيه الايديولوجية التكفيرية وتكثر فيه عناوين الصدام بين الثقافات والحضارات والخوف والرهبة من الإسلام والمسلمين وتصويرهم بأنهم الأعداء الحقيقيون للحضارة الحديثة.
الإعلام الأردني للأسف يشابه تنبؤات الأرصاد الجوية والاستمرار بهذا النهج الخاطىء قد يكلف الدولة الأردنية الكثير.
لا شك بأن الملك استطاع بحكمته قيادة السفينة الأردنية نحوبر الأمان رغم تعالي الأمواج الصاخبة والرياح العاتية ولا شك بأنه يبقى صوتا للحكمة والاعتدال والعقل في زمن مجنون طغت عليه الفوضى الدموية والاقتتال باسم الدين ولا شك بأن الأردن تحمل من أعباء اللاجئين ما لا تستطيع احتماله أعتى الدول الغربية عسكريا واقتصاديا تماشيا مع السياسة الهاشمية باغاثة الملهوف وتقديم العون والنصرة لمن تقطعت به السبل وعملا بقواعد السلوك الاسلامي الأصيل والخلق الرفيع الذي بعث الرسول الكريم لتطبيقه. لكن المشكلة بأن هذه الرسالة الحقيقية عجز الإعلام الأردني برمته عن ايصاله إلى العالم الغربي وبقي الملك والملكة الوحيدين من حملا على عاتقهما حمل الرسالة الأردنية الهاشمية وايصالها للمواطن الغربي عبر وسائل الإعلام الغربية العريقة ووسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة بين الأغلبية الشبابية.
السؤال الهام بعد كل الانفاق الهائل على الإعلام لماذا يبقى ضعيفا جدا وغير قادر على التماشي مع الأحداث والتحولات العالمية ولا أبالغ بأن تنظيم الدولة الإسلامية ولم تمر سنتان على انشائه يتفوق بآلاف المرات حداثة وتطور وقدرة على مواكبة العصر وايصال الصوت للعالم الآخر. الوقت حان لوقفة جادة مع الذات تواكب الأحداث والخطب الجلل ومتغيرات العصر وتعالجها بالحكمة والموعظة الحسنة.

د. منجد فريد القطب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية