هل يأمل العراقيون حقا أن يتم إصلاح الحكومة الفاشلة الغارقة في الفساد بمــــبادرة ذاتية يتبـــناها رئيس الحكومة؟ هل الحل في أن يقدم الوزراء الفاشلون استقالاتهم ليتســــنى للســـــيد العبادي استبدالهم بوزراء تكنوقــــراط، في محــاولة لإيقاف التدهور الذي يعانيه العراق منذ أكثر من عقد؟
هل سيتنازل السراق والفاشلون عما كسبوه ليقدموا حلولا لوطن أطاحوا به إلى الهاوية؟ أم هي مناورة أخرى لذر الرماد في عيون المتظاهرين الذين لم يتوقفوا عن المطالبة بالإصلاح؟ هذه الاسئلة وعشرات غيرها متفرعة منها تطرح منذ ايام، منذ أن سمعنا بخطة حكومة التكنوقراط الجديدة المزمع تشكيلها.
كيف يمكن الفكاك لهذا الوطن الذي وضع في زاويا مثلث خانق، مثلث المكونات التي كأن يد القدر خطتها ولا يمكن الفكاك منها، مثلث أضلاعه سكين الذباحين من جهاديي السنة ونهب السراق من أحزاب الإسلام السياسي الشيعي، ومناورات العنصريين من الكتلة الكردستانية التي تلعب على جميع الأوراق لتقفز بالوطن نحو المجهول، أين يذهب شرفاء هذا الوطن ومساكينه؟ وكيف يمكنهم أن يسترجعوا وطنا يبكونه دما كل يوم؟ ربما وصل العراقي إلى حالة من اليأس سدت عليه أي كوة يمكن أن يدخل منها شعاع ضوء، لكن ومع كل الحالة السوداوية التي يمر بها العراق تتفجر طاقات شباب هنا أو هناك في ساحات الاحتجاج، التي لم تتوقف منذ ستة أشهر، لكن كل المراقبين يتساءلون، كيف يمكن تفعيل هذا الحراك الاجتماعي ليثمر تغييرا ملموسا على الارض؟ وهل الحل في هدم العملية السياسية برمتها لكونها قامت على فساد؟ وهنا ندخل إلى متاهة اخرى، بوابتها سؤال التيه العراقي؛ كيف سنبدأ؟ ومن أي نقطة يمكن أن تكون البداية الجديدة؟ هل نوقف العمل بالدستور لنبدأ مرحلة انتقالية بأحكام عرفية وحكومة انتقالية مهمتها كتابة أو تعديل الدستور، والإعداد لانتخابات مقبلة حقيقية يمكن أن تفرز طبقة سياسية جديدة؟ وهل الشارع العراقي بعدما أغرقته عقود من الديكتاتورية في مهاوي التخلف والتراجع إلى بنى ما قبل الحداثة ليحتمي بالقبيلة والطائفة، ليتسلم الفاشلون والفاسدون المهمة بعد ذلك فيغرقوا ما تبقى من أمل؟ بعد كل هذه المأسي سيتمكن العراقي من انتخاب أو إفراز طبقة سياسية قادرة على إخراج البلد من الهاوية التي وصل لها؟ الحقيقة ألا أحد يمكنه الإجابة على هذه الأسئلة.
وقد شبه البعض ممن كتبوا على صفحات التواصل الاجتماعي العراقيين، وكأنهم يجلسون تحت شجرة صفصاف عقيمة، يهزون جذعها ليتساقط عليهم رطبا جنيا. فهم يأملون من حكومة نخرها الفساد في كل مرافقها، بدون استثناء، أن تصحح مسارها بقدراتها الذاتية، وكأن إصلاح الأمر مناط بصحوة ضمير تصيب السارق والقاتل والمقامر بمستقبل البلد، يصحو صباحا وقد تغير وبدأ العمل وفق ما يرضي الله والعباد. متى سيصل الشارع العراقي إلى يقين مفاده أن فاقد الشيء لا يعطيه؟ وهذه الطبقة السياسية التي أثبتت فشلها، بل وغرقها في الفساد لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تفرز آليات الإصلاح حتى إن كانت هنالك نوايا طيبة لوزير هنا أو نائب هناك، فالكل يعلم أن الطريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الطيبة، إذ كيف يأملون أن يأتيهم الخير حقا من تصريحات السيد العبادي؟ الذي يبدو أنه أراد أن ينأى بنفسه عن تأخر أو عدم تحقيق الإصلاحات، بعد تصريح المرجعية التي نفضت يدها من الطبقة السياسية وأعلنت بوضوح امتناعها عن التحدث في الشأن السياسي بعد الآن.
لقد خاطب رئيس الوزراء البرلمان والقوى السياسية قائلا: «أدعو إلى تغيير وزاري جوهري يضم شخصيات مهنية وتكنوقراط وأكاديميين، وأدعو في هذا الإطار مجلس النواب والكتل السياسية للتعاون معنا في هذه المرحلة الخطيرة»، ألا يسأل ساسة العراق أنفسهم عن معنى كلماتهم قبل أن ينطقوها؟ أم أنهم موقنون من سذاجة المستمع الذي سيصدق كل ما يقولون؟
ماذا يعني مفهوم (حكومة تكنوقراط)؟ إنها ببساطة تعني في كل العالم حكومة من المهنيين يتم تشكيلها في مرحلة الأزمات التي تعجز فيها الكتل السياسية عن تشكيل حكومة أغلبية أو حكومة ائتلافية، فيتم اللجوء إلى حكومة من غير السياسيين مهمتها الخروج بالوضع من الأزمة وتهيئة انتخابات مبكرة مثلا، لكي تتشكل حكومة سياسية جديدة، وهذا الأمر لا يعني بأي حال من الأحوال أن الحكومات السياسية يجب أن تكون خالية من التكنوقراط، لأن الأشخاص الذين يقودون المؤسسات يجب أن يتحلوا بالكفاءة والمهنية ليقوموا بواجباتهم على أحسن وجه، أما الحقائب الوزارية فهي بالتأكيد مناصب سياسية واجبها تنفيذ سياسة الكتلة السياسية أو الائتلاف المكون للحكومة ليقودوا وزاراتهم وفق خطط برنامجهم السياسي، وكل ما ذكرناه جملة وتفصيلا غير متوفر في العراق منذ ما يزيد على النصف قرن، فالوزارات في حقبة الحكم الشمولي كانت حكرا على الحزب الحاكم، ثم تحولت إلى دائرة أضيق من أصحاب الولاء من عشيرة أو عائلة الحاكم بغض النظر عن كفاءتهم أو نزاهتهم، ثم وصلنا بعد إسقاط النظام الشمولي إلى نمط غريب من الديمقراطية، نظام يقف على ثلاثة أرجل هي الكتل الكبرى في العراق بحسب الرؤية الامريكية، وبالتالي فرض علينا نظام محاصصة صارم وصل فيه توزيع المناصب إلى درجة صغار الموظفين الذين أداروا مؤسسساتهم بعقلية الاقطاعيات الخاصة بهذا الحزب أو تلك الكتلة، وليحصروا (حق) النهب بهذا المكون أو ذاك، حتى امتلأ جوف الطبقة السياسية بالسحت الحرام، فهل يمكن إصلاح هذا الوضع بالطلب من الكتل السياسية بأن تتخلى عن اقطاعاتها؟ والهدف النبيل وراء ذلك هو إصلاح وضع الوطن والمواطن الذي وصل إلى درجات مرعبة من سوء الخدمات وفقدان الأمن ومراحل متقدمة من الفساد تضع العراق دائما في ذيل قائمة الشفافية العالمية.
وماذا عن المناصب الكبرى الثلاث ـ رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان ـ هل سيصار إلى إصلاحها عبر اللجوء إلى التكنوقراط؟ أم أن الدعوة الجديدة أشبه بحزم الاصلاحات التي اطلقت منذ ستة اشهر وباتت حبرا على ورق؟ فترشيق اجهزة الدولة لتخليصها من العمالة الزائدة لم يصب إلى المساكين من صغار الموظفين، أما الوزراء ووكلاؤهم والدرجات الخاصة في الوزارات المدمجة أو الملغاة فلم تتأثر، اذن اين الاصلاح في ذلك؟ هل تم تخفيض اعداد حمايات كبار المسؤولين؟ اذن اين الفائض من هذه القوة واين الفائض من مليارات العراق التي تصرف على ذلك؟ هل فتح أي ملف من ملفات الفساد بشكل حقيقي؟ هل تم إصلاح القضاء وحماية المنظومة القضائية من سطوة الكتل السياسية؟ هل تم تفعيل دور المؤسسات الرقابية مثل هيئة النزاهة ودوائر المفتشين العموميين في الوزارات لتكشف أمام الرأي العام كبار اخطبوطات الفساد؟ أم ما يزال الأمر عبارة عن ملفات تستخدم كاوراق ضغط تلعب بها هذه الكتلة ضد منافسيها وهذا الحزب ضد من انشق عنه؟ الواقع العراقي يشير إلى أن اجابة كل الاسئلة السابقة هو النفي بكل تأكيد.
أما على صعيد ردود أفعال الطبقة السياسية فقد جاء كالمعتاد والمتوقع من ايقاع العملية السياسية التي باتت تصيب المراقب بالغثيان والملل من تكرار ما يحدث. ترحيب من كل الفرقاء السياسيين والمطالبة بالتعاون من أجل إنجاح الخطوة الجديدة! فقد دعا السيد مقتدى الصدر (زعيم التيار الصدري وكتلته – الاحرار – في البرلمان) في كلمة متلفزة إلى تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة السيد العبادي ومنحها سنة لتطبيق الإصلاحات وهدد بـ(الإطاحة بها) اذا لم تتمكن من إيجاد حلول للازمة الحالية! كما صرح ائتلاف الوطنية ـ الكتلة السنية ـ على لسان النائب حامد المطلك بأنه (لا يمكــــن لأحدً رفض مبدأ الإصلاح، وعلى كل الأطــــراف أن تكون مع أي توجــــه من شــــأنه رفع الأزمات وتخفيف أعبائها)، كذلك كان موقف كتلة بدر ـ الشيعية ـ على لسان النائب رزاق الحيدري الذي اشار إلى أن (تكون التغييرات الوزارية ذات جدوى، خلافاً لمشروع دمج الوزارات الذي جرى العام الماضي)، اما رئيس البرلمان سليم الجبوري فقد صرح قائلا (هذه الدعوة ستأخذ المدى القانوني عند وصولها إلى مجلس النواب، مشيراً إلى أن الحكومة بحاجة إلى الاعتماد على التكنوقراط ). أما الساسة الكرد فانهم مشغولون بالبحث عن حلفاء دوليين يقفون معهم في خطوة اعلان استقلال الاقليم في خطوة تبدو وكأنها هروب نحو الامام من مشاكل رئاسة الاقليم ونزاعات الاحزاب الكردية والمشاكل الاقتصادية العالقة بين بغداد واربيل .
وبغض النظر عن التسريبات التي اشارت إلى احتمالية اعفاء هذا الوزير أو ذاك، من هذه الكتلة أو تلك، فان الواضح من تداعيات ازمات الموقف العراقي تجعل المراقب يتوقع أن الامر سيدور في دوائر مفرغة بين الحكومة والبرلمان ودستورية الامر أو عدم دستوريته، ليصحو الشعب العراقي على لعبة جديدة مغلفة بوعود جديدة ما باتت تفرح حتى السذج الذين يتفيأون ظل الصفاف بانتظار الثمر.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي