■ عندما اختتم مارتن شولتز مؤتمره الصحافي بإحدى قاعات مطار تونس قرطاج وتحركت طائرته الاربعاء الماضي نحو الضفة الشمالية المقابلة بدأت سلطات مطار صفاقس في الجنوب بالاستعداد لاستقبال ثماني شخصيات مهمة.
لم يكن الوافدون بمثل شهرة ونفوذ رئيس البرلمان الاوروبي حتى يفرش السجاد الاحمر امامهم، ويستقبلوا في صالة كبار الزوار ولا كانوا مبعوثين رسميين للقادة الكبار الذين اعلنوا قبل سنوات في دوفيل عن دعمهم القوي والناجز للربيع التونسي، واستحقوا بذلك باقات الزهور والياسمين، بل شبانا تونسيين مجهولين اعيدوا إلى بلدهم بعد الاشتباه في انتسابهم لعنقاء العصر التي تسمى تنظيم «داعش». الغريب في الامر هو انهم لم يرحلوا هذه المرة من سويسرا أو بريطانيا أو فرنسا أو من أي بلد آخر عضو بنادي الديمقراطية الغربية العريق والمغلق مثلما كان الحال في السابق، بل من جارة جنوبية غارقة في الفوضى والحرب ومصنفة في تقارير المنظمات الدولية، على انها دولة فاشلة. وفي الوقت الذي كان فيه التونسيون ينتظرون أن يزحف الليبيون على بلدهم بالالاف هربا من ضربة عسكرية غربية تستهدف قواعد التنظيم العالمي اللدود، بعد أن رددت وسائل إعلامهم على مدى اسبوع كامل أن الحرب باتت على مرمى البصر، وأن الطلعات الجوية الاستطلاعية قد انطلقت بالفعل وان بلدات الجنوب التونسي صارت تعيش على وقعها، وان بوابة راس جدير الحدودية تعج بالقادمين من ليبيا، في ذلك الوقت بالتحديد اكتشف الجمهور جزءا من حقيقة ظلت غائبة أو مغيبة طوال سنوات وهي أن الليبيين هم ضحايا فعليون ومباشرون لانحراف فكري وعقائدي اصاب قسما واسعا من شباب تونس، وليسوا عن بكرة ابيهم ارهابيين محتملين او مفترضين حتى يثبت العكس مثلما توهموا وصدقوا ذلك. لقد كتبت على جوازات سفر الشبان التونسيين عبارة «محظور تم إبعاده من السلطات الليبية لدواع أمنية». ونشرت قوة الردع الخاصة التي قامت بترحيلهم من مطار معيتيقة على صفحتها على فيسبوك انها «تتمنى من السلطات الليبية والتونسية أن تكون على اتصال مباشر وتعاون مستمر من الناحية الأمنية، خصوصا في المنافذ في ظل الظروف التي يمر بها البلدان لبسط الامن فيهما…» ولكن التنسيق والتعاون بين البلدين ظل مرتبطا بإرث من الشكوك العميقة والدفينة لم يستطع اي من الجانبين التخلص منه بسهولة حتى بعد تفكك نظامي القذافي وبن علي. وربما كان خطاب بورقيبة الشهير في قاعة «البالماريوم» وسط العاصمة تونس بداية السبعينيات هو العلامة الفارقة التي رسخت على مدى عقود طويلة في اذهان التونسيين والليبيين، على حد سواء، التي وضعت حدودا نفسية وسياسية لعلاقة البلدين. فقد وصل الرئيس بورقيبة في تلك الايام على عجل إلى القاعة التي كان ضيفه العقيد الليبي الشاب يلقى فيها خطابا مليئا بعبارات ثورية التصقت بشخصيته، وصارت فيما بعد جزءا اصيلا من ارثه السياسي والفكري المعروف. وامام دهشة الجميع وارتباك الشاب الليبي الذي كان يكمل عامه الثاني في السلطة قال بورقيبة» يقول العقيد القذافي الان وقد اخذنا الحكم في بلداننا لا بد من التفكير في الوحدة وهذا معقول لابد من التفكير في الوحدة، ولكن نبدأ خطوة خطوة ولا نكرر التجارب الفاشلة فقد قام عبد الناصر بوحدة بين مصر وسوريا كان مآلها الفشل، وحتى العقيد نفسه فقد دخل في اتحاد مع سوريا ومصر والسودان، فأين ذهب ذلك الاتحاد الان؟ اذا بقينا على هذه الحالة من الضعف والوهن والتأخر العلمي والتكنولوجي وقافلة التقدم سائرة إلى الامام فلن يزيدنا قوة أن نضيف مليون ليبي إلى خمسة ملايين تونسي، ونقول بذلك اننا صرنا اقوياء». قبل أن يضيف» وتقول اتحدى امريكا وبعد أن تتحداها ما النتيجة؟ النتيجة هي انك تأكل «طريحة» اي تضرب». وكان واضحا منذ ذلك الخطاب أن معالم القطيعة بين الرجلين والنظامين قد بدأت بالظهور وتحولت إلى حالة من العداء الحاد مرات والبرود والجفاء مرات اخرى رغم مرورها لفترات محدودة وقصيرة بأوقات هدوء ودفء نسبي عابر. لم يستطع القذافي أن يقنع بورقيبة بما رآه وتخيله ثورة، وفي المقابل لم يفلح بورقيبة في دفع القذافي للتعامل مع محيطه الاقليمي والعالمي بالإسلوب البراغماتي الذي اختاره وطبقه في تونس. الإشكال الحقيقي هو أن ذلك الصراع لم يكن مجرد خلاف سياسي أو أيديولوجي محدود، بل تحول بمرور الوقت إلى قطيعة فكرية ونفسية تركت علاماتها ورواسبها داخل الشعوب. وباستثناء سكان الجنوب التونسي الذين ظلت صلاتهم وروابطهم الاسرية والثقافية والانسانية قوية وممتدة مع الجار الليبي لاعتبارات تاريخية وجغرافية معروفة، فان نظرة التونسيين إلى الليبيين والليبيين إلى التونسيين تأثرت بشكل واضح بعمليات الخداع والدعاية التي مارسها الجانبان على مدى اكثر من اربعين عاما. وظل الانطباع العام السائد في تونس هو أن الليبيين رعاع متخلفون فكريا وحضاريا رغم امتلاكهم ثروات نفطية ومالية ضخمة. وعلى الجانب المقابل ترسخ إحساس قوي بأن التونسيين هم شعب منبت مقطوع الصلة بجذوره العربية والاسلامية لا دين له ولا ملة يسهل شراؤه بالدرهم والدينار.
وحتى حين توثقت مصالح القذافي وخليفة بورقيبة بن علي وحصل بينهما نوع من التقارب الملحوظ لم يتغير ذلك الوضع. ولم يفهم الليبيون وعقيدهم السابق لماذا ثار الناس في تونس على نظامهم وخرجوا هاتفين «خبز وماء وبن علي لا» ثم لم يفهم التونسيون بدورهم لماذا التقط الليبيون منهم فيروس الثورة وخرجوا ضد نظام كان يوفر لهم معظم الخدمات والمرافق الاساسية بالمجان. وعلى عكس ما كان متوقعا لم تتحول ليبيا بانهيار النظامين إلى جنة موعودة لجارتها الصغيرة، بل صارت قاعدة خلفية لتونسيين يخططون لضرب استقرارها ويختفون فيها عن اعين السلطات. تبخر الحلم في أن تصبح الحل الفوري والعملي لاقتصاد مأزوم وبدأ الحديث عن عقبة ومشكل اضافي يسمى الجارة الجنوبية. هل كانت الآمال أكبر وأوسع من واقع مضطرب ومهزوز؟
لئن كان اختيار الجار غير ممكن عملا بالمقولة المعروفة «لا أحد يختار جيرانه» فانه من الثابت أن طريقة التعامل معه تظل خيارا مفتوحا للحاضر والمستقبل. ومشكل الجيرة التونسية الليبية هي أنها بنيت على الأوهام والمقولات الفضفاضة، وعلى الصفقات السريعة التي ربح من ورائها نافذون في البلدين ولم تقم على ادراك حقيقي غير زائف بارتباط المصائر. لم تكن علاقات مصالح ولا علاقات عواطف بل علاقات فرص محدودة وضعت امام البعض دون البعض الاخر. ولم يكن الامر مقتصرا على فعل الحكام فقط فقد كانت نخب البلدين في حالة سبات وموت سريري جعلها غائبة بشكل كامل عن الصورة. وفيما كانت باريس وعواصم الغرب هي قبلة النخب التونسية تفرقت سبل ما بقي من نخب ليبيا بين مهاجر الشرق والغرب وظلت الساحة فارغة الا من صراخ القوميين على الجانبين ولم يكن ذلك كافيا حتى يقتنع التونسيون بأن جارتهم هي جزء من وطن عربي كبير ينتسبون له. النتيجة العملية لكل ذلك هي ما نراه الان من حالة اضطراب وتأهب مبالغ في تونس ليوم القيامة الليبي الذي سيهرب فيه الليبيون إلى جارتهم الصغرى، بعد نزول قوات الحلفاء الغربيين لقتال الدواعش في ساعة صفر سيبوح الكبار بسرها ووقتها للرئيس قائد السبســي، تنفيذا لطلبه الأكيد أمام السفراء الاجانب. ووسط تلك الحالة لا يبدو غريبا أن يعلن وزير التجارة بفخر عن أن المخازن جاهزة ومستعدة لذلك الهجوم الكاسح للاجئين، وأن يطالب خبير اقتصادي في احدى الاذاعات الخاصة اشقاءه الليبيين بدفع الضرائب إن تجاوزت إقامتهم الشهر الكامل في ارض الخضراء.
كل ذلك يبدو عاديا وطبيعيا حتى التساؤل الممجوج عن تأثير الحرب المقبلة في ليبيا على تونس، وكم ستكلف اقتصادها المحلي. ما لا يبدو طبيعيا أو عاديا هو ان يسأل أحد السيد شولتز الذي امضى ثلاثة ايام في تونس وغيره من زوار الضفة الاخرى عن ثمن وكلفة المصائب والنكبات التي تسببوا بها في السابق ويواصلون التسبب بها الان وفي المستقبل.
٭ كاتب وصحافي من تونس
نزار بولحية